فبذلك تضيع حقوق الناس ، وتحصل العداوة والبغضاء ، وتقع الكراهية والشحناء ، وتملأ القلوب حقداً وحسداً ، وتثار الفتن ، وتحصل المحن ، وتتغير الأحوال ، وتضيع الأموال ، وتنتكس الطباع ، وتتبدل الأوضاع .
ألا وإن إسناد الأمر لغير أهله لهو دليل على عدم اكتراث الناس بدينهم ، وعدم طاعتهم لربهم ، ومعصيتهم لنبيهم ، وخروجهم على علمائهم ، وكل ذلك يصب في قالب وقوع أشراط الساعة واقترابها .
فالأمانة فضيلة عظيمة ، وخلق كريم ، وسجية طيبة ، لا يعرفها إلا الرجال الأكفاء ، والنخبة الأصفياء ، فهي عملة نادرة ، لا سيما في عصر طغت عليه الشكليات والمظاهر البراقة ، والأشكال البراقة ، ولقد أمر الله بأداء الأمانة وحذر من التفريط فيها ، قال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وانتم تعلمون " ، وقال تعالى : " إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً " ، وقال صلى الله عليه وسلم : " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته . . " [ متفق عليه ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : " لا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا دين لمن لا عهد له " [ أخرجه أحمد بإسناد جيد ، وهو حديث صحيح برقم 135 ] .
ذكر أبن الجوزي نقلاً عن بعض المفسرين أن الأمانة في القرآن الكريم على ثلاثة أوجه : أحدها : الفرائض ، ومنه قوله تعالى : " يا أيها الذين أمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم " .
الثاني : الوديعة ، ومنه قوله تعالى : " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها " .
الثالث : العفة والصيانة ومنه قوله تعالى : " إن خير من استأجرت القوي الأمين " .