تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قَالُوا: وَمَا الَّذِي أَصَابَ صَاحِبَ الدَّيْرِ؟ قَالَ أَنْطُونِسُ: زَعَمُوا أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَبِيعُ الْعَسَلَ، وَالسَّمْنَ، وَالزَّيْتَ، وَالْخَمْرَ، وَكَانَ يَشْتَرِيهِ طَيِّبًا نَقِيًّا، وَيَبِيعُهُ غَالِيًا مَغْشُوشًا، وَكَانَ ذَا لِحْيَةٍ عَظِيمَةٍ جَمِيلَةٍ، وَكَانَ أَكْثَرُ مَنْ يَرَاهُ إِنَّمَا يَقُولُ لَهُ: لَوْ كُنْتَ أُسْقُفًا، فَمَا صَلُحَتْ لِحْيَتُكَ إِلَّا لِلْأَسَاقِفَةِ، فَلَمَّا كَثُرَ قَوْلُهُمْ ذَلِكَ لَهُ وَقَعَتْ فِي نَفْسِهِ الرَّهْبَانِيَّةُ لِرَجَاءِ مَنْزِلَةٍ يُصِيبُهَا، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ ذَاتَ يَوْمٍ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ أَكْثَرُوا فِي لِحْيَتِي، وَلَا يَعْلَمُونَ عَمَلِي، وَلَوْ أَنِّي تَرَهَّبْتُ لَرَجَوْتُ أَنْ أُصِيبَ مَالًا وَمَنْزِلَةً، فَجَزِعَتْ لِذَلِكَ امْرَأَتُهُ جَزَعًا شَدِيدًا، وَقَالَتْ: لَقَدْ أَرَدْتَ أَنْ تُؤَيِّمَنِي وَتُيَتِّمَ أَوْلَادِي. قَالَ: وَيْحَكِ، لَمْ أَرُدْ ذَلِكَ لِنِيَّةٍ فِي الْعِبَادَةِ، وَلَكِنْ رَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ لِي مَنْزِلَةٌ، وَأَنَالَ فَضِيلَةً فِي أَهْلِ مِلَّتِي. قَالَتْ: أَخَافُ أَنْ تُدَاخِلَكَ حَلَاوَةُ الْعِبَادَةِ إِذَا صِرْتَ مَعَ الرُّهْبَانِ، فَتَلِجَ وَتَتْرُكَنِي، فَحَلَفَ لَهَا وَأَقْبَلَ عَلَى تَعَلُّمِ الْإِنْجِيلِ وَالْمَزَامِيرِ وَأَشْيَاءَ مِنْ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى دَيْرٍ عَظِيمٍ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الرُّهْبَانِ فَنَزَلَهُ، فَلَمْ يُقِمْ فِيهِ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى أَعْجَبَ الرُّهْبَانَ مَا رَأَوْا مِنْ جَمَالِهِ وَنُبلِ لِحْيَتِهِ، فَأَجْمَعُوا عَلَى رِئَاسَتِهِ، وَوَلَّوْهُ أَمْرَهُمْ، فَلَمَّا بَلَغَ هِمَّتَهُ، وَأَمْكَنَتْهُ الْأُمُورُ مِنْ أَمْوَالِ الدَّيْرِ وَخَزَانَتِهِ لَاطَفَ عُظَمَاءَ النَّاسِ وَأَشْرَافَهُمْ، فَعَظُمَتْ مَنْزِلَتُهُ فِي أَعْيُنِهِمْ، وَصَغُرَتْ مَنْزِلَةُ الرُّهْبَانِ فِي عَيْنِهِ فَأَذَلَّهُمْ، وَنَقَصَ أَرْزَاقَهُمْ، وَغَيَّرَ مَرَاتِبَهُمْ، وَعَمَدَ إِلَى أَهْلِ الْعِبَادَةِ مِنْهُمْ فَوَلَّاهُمْ غَلَّاتِ الدَّيْرِ وَخَزَانَتِهِ، وَتَفَرَّغَ يُنَعِّمُ نَفْسَهُ، وَالْتَذَّ بِالنِّسَاءِ، وَشَرِبَ الْخَمْرَ، وَأَكَلَ الطَّيِّبَ، وَلَبِسَ

الوجل والتوثق بالعمل لابن أبي الدنيا · الصفحة ٤٩

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوجل والتوثق بالعمل لابن أبي الدنياص ٤٩