الفصل الثالث
تعارض الأدلة والترجيح والنسخ
367 - تمهيد:
التعارض بين الأدلة الشرعية، معناه في أبحاث الأصول: تناقضها، بأن يقتضي دليل شرعي حكماً معيناً في مسألة معينة، ويقتضي دليل آخر حكماً آخر في نفس المسألة.
والتعارض بهذا المعنى لا يتصور وقوعه في الأدلة الشرعية في الواقع وحقيقة الأمر، لأن الأدلة في الشريعة نصبت لإفادة الأحكام والدلالة عليها، وبهذا يمكن العمل بمقتضاها ويتحقق شرط التكليف، وهو إمكان العلم بالأحكام ما دام المكلف عاقلاً بالغاً. فيستحيل إذن أن تتعارض الأدلة ويفهم المقصود منها، لأن التعارض يعني التناقض والتجهيل وإبهام المقصود وقوات شرط التكليف، وكل هذا لا يجوز في الشريعة الإسلامية، ويستحيل على المشرع الحكيم عز وجل.
إلا انه إذا استحال وقوع التعارض في واقع الأمر، فإنه لا يستحيل بالنسبة لأنظار المجتهدين، فقد يبدو لبعضهم أن بعض الأدلة يعارض بعضاً لقصور في فهم المجتهد وضعف في إدراكه وعدم إحاطته بأدلة المسألة ووجوهها، فيكون التعارض ظاهرياً لا حقيقياً. وقد وضع الأصوليون قواعد لإِزالة هذا التعارض الظاهري في النصوص والأدلة.
ومن هذه القواعد: العلم بالناسخ والمنسوخ، وطرق ترجيح دلالات الألفاظ بعضها على بعض، وغير ذلك من طرق الترجيح وإزالة التعارض مما سنذكره في هذا الفصل.
386
وعلى هذا سنقسم هذا الفصل إلى مبحثين:
المبحث الأول: للكلام عن النسخ خاصة وبيان معناه ومحله وزمانه وما يتعلق بذلك.
المبحث الثاني: للكلام عن قواعد الترجيح ورفع التعارض بين الأدلة والنصوص.
387
المبحث الأول
النسخ
368 - النسخ لغة: الإِزالة والنقل
وفي الاصطلاح: رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر عنه. ويسمى هذا الدليل بالناسخ. ويسمى الحكم الأول بالمنسوخ. ويسمى هذا الرفع بالنسخ.
وقد وقع النسخ في القرآن، ومن أظهره الذي لا ينازع فيه أحد، نسخ التوجه إلى بيت المقدس في الصلاة إلى التوجه إلى المسجد الحرام، قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:144].
والنسخ قد يكون كلياً، أي برفع الحكم الأول كله، كما في نسخ القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام، وقد يكون جزئياً، أي برفع الحكم السابق عن بعض أفراده الذين كان الحكم ينطبق عليهم، ومثاله: قوله تعالى في القذف:
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: 4]. فقد نسخ حكم هذه الآية: عند الحنفية، بالنسبة للأزواج إذا قذفوا زوجاتهم بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ