والتأويل بعد هذا، قد يكون تأويلاً قريباً إلى الفهم يكفي في إثباته أدنى دليل.
وقد يكون تأويلاً بعيداً عن الفهم فلا يكفي فيه أي دليل، بل لا بد فيه من دليل قوي
يجعله تأويلاً سائغاً مقبولاً، وإلا كان بمنزلة التأويل غير المقبول فيرفض.
319 - فمن التأويل الصحيح، تخصيص عموم البيع المستفاد من قوله تعالى: «وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ» بالسنة التي نهت عن بيوع معينة كبيع الإنسان ما ليس عنده.
ومن التأويل الصحيح أيضاً: أن عموم المطلقات المستفاد من قوله تعالى: «والمُطَلَّقَاتُ يَتَرَيُصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ» خص بالمدخول بهن، بدليل قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا» [الأحزاب 49:] كما خص عمومات المطلقات بغير الحامل، لأن عدة الحامل وضع الحمل، بدليل قوله تعالى: ((وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)) [الطلاق: 4].
ومن التأويل السائغ: تأويل الشاة في الحديث الشريف)): وفي كل أربعين شاة، شاة)) بالقيمة، فيكون معنى الحديث الشريف: أن الواجب في زكاة الأربعين شاة هو شاة أو قيمتها. دليل هذا التأويل: هو أن المقصود من الزكاة سد حاجة الفقراء، وهذا المقصود كما يحصل في إخراج الشاة بعينها وإعطائها للفقير، يحصل أيضاً بإخراج قيمتها وتوزيعها على المستحقين (1).
ومن التأويل السائغ: حمل البيع على الهبة وبالعكس، لدليل دل على ذلك لاحتمال كل من اللفظين للأخر من حيث الجملة.
وقد يكون التأويل بعيداً لا يستند إلى دليل مقبول، فلا يكون تأويلاً سائغاً فلا يقبل، ومثاله: جاء في الحديث الشريف أن فيروزا الديلمي أسلم على أختين، أي إنه أسلم وعنده زوجتان هما أختان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أمسك أيتهما شئت، وفارق الأخرى)) المعنى الظاهر المتبادر إلى الفهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لفيروز أن يفارق أيتهما شاء، ويمسك الأخرى، إلا أن الحنفية أولوا هذا الحديث فقالوا: إن معناه إمساك
1 - اعتبر الأمدي هذا التأويل من الحنفية من التأويلات البعيدة وبالتالي لم يعتبره مقبولا. الآمدي ج 3 ص 79.
342
الزوجة الأولى ومفارقة الأخرى إذا كان الزواج بهما جرى في عقد واحد. ودليل تأويل الحنفية القياس على المسلم إذا تزوج أختين في عقد واحد أو في عقدين متتاليين.
وهذا دليل ضعيف فيكون تأويلهم بعيداً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل فيروزاً عن كيفية زواجه بهما، وهل جرى في عقد واحد أو في عقدين، ولو كان المراد من الحديث ما قاله الأحناف، لسأله هذا السؤال أو لبين له الحكم ابتداء، لأنه حديث عهد بأحكام الإسلام فينبغي تعريفه بها، وحيث لم يحدث شيء من هذا، فإن تأويل الأحناف يبدو ضعيفاً مرجوحاً فلا يُقبَل.
320 - التأويل في القوانين الوضعية:
والتأويل في الظاهر والنص كما يجوز في النصوص الشرعية، يجوز كذلك في النصوص القانونية إذا كان سائغاً، ومن أمثلة ذلك: كلمة «الليل» الواردة في قانون العقوبات المصري في جريمة السرقة، واعتباره ظرفاً مشدداً في المادة 313 والمادة،713 وكذلك جعل ((الليل)) ظرفاً مشدداً في تخريب آلات الزراعة المنصوص عليها في المادة 352، 356 من قانون العقوبات المصري. فالظاهر من كلمة الليل هو من غروب الشمس إلى شروقها، ولكن يحتمل التأويل إلى وقت اشتداد ظلمة الليل.
بقرينة أن الداعي لتشديد العقوبة هو اغتنام السارق فرصة الظلام لإيقاع جريمته، والظلام لا يعم أثر غروب الشمس مباشرة. وعلى كل حال يجب التأني في التأويل والحذر من مباشرته، والتأكد من وجود الدليل على صحته لئلا يقع الفقيه في الخلط، واتباع الأهواء بزعم التأويل.
ثالثاً: المفسر (1)