تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومثله أيضاً، قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:234] فكلمة ((أزواجاً)) وردت مطلقة، فلا يجوز تقييدها بالدخول، فيشمل النص الزوجات المدخول بهن وغير المدخول بهن، وتكون عدة الوفاة في حقهن أربعة أشهر وعشرة أيام.

ومثال المطلق الذي قام الدليل عل تقيده، قوله تعالى: ﴿مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:11]، فكلمة ((وصية)) وردت في النص مطلقة. ومقتضي ذلك جواز الوصية بأي مقدار كان، ولكن قام الدليل عل تقييدها بالثلث.

ودليل التقيد هو الحديث المشهور عن سعد بن أبي وقاص، حيث منعه الرسول عليه السلام من الوصية بأكثر من الثلث، والسنة المشهورة تقيد مطلق الكتاب عند الفقهاء، الحنفية وغيرهم. أما سنة الآحاد فتقيد مطلق الكتاب عند الجمهور ولا تقيده عند الحنفية.

265 - حكم المقيد:

لزوم العمل بموجب القيد فلا يصح إلغاؤه، إلا إذا قام الدليل على ذلك. و مثال ذلك قوله تعالى: - في سياق تعداد المحرمات-: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ [النساء:23]، و على هذا فالبنت تحرم على من تزوج أمها و دخل بها، لأن حرمة البنت مقيدة بنكاح أمها و الدخول بها لا بمجرد العقد عليها. و أما كلمة ((في حجوركم))، فهي ليست بقيد احترازي، و إنما هي قيد أكثري لا تأثير له في الحكم، بدليل قوله تعالى بعد ذلك: {فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ

-285 -

فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} [النساء:23]، ولوكان من قيد الحرمة كون البنت في حجر الزوج ورعايته وتربيته لذكر عند بيان الحل، ورفع الحرمة عند عدم تحقق القيد وهو الدخول بالأم. ومن أمثلته أيضاً: قوله تعالى في كفارة الظهار: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:4]،فصيام شهرين مقيد بالتتابع. ومنه أيضاً: قوله تعالى في كفارة القتل الخطأ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:92]،فلا تجزاء إلا رقبة بوصف أنها مؤمنة.

266 - حمل المطلق على المقيد (1):

قد يرد اللفظ مطلقاً في نص، ويرد نفس اللفظ مقيداً في نص آخر، فهل يحمل المطلق على المقيد، بمعنى: أن المطلق يراد به المقيد، أو يعمل بالمطلق على إطلاقه فيما ورد فيه، ويعمل بالمقيد على تقييده فيما ورد فيه؟ للجواب، لابد من بيان الحالات التي يرد فيها اللفظ مطلقاً في نص، ومقيداً في نص آخر وحكم كل حالة. وهذه الحالات هي:

أولاً: إذا كان حكم المطلق والمقيد واحداً، وكذا سبب الحكم، ففي هذه الحالة يحمل المطلق على المقيد، مثاله: قوله تعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾ [الأنعام:145] فلفظ ((الدم)) ورد في الآية الأولى مطلقاً، وورد في الثانية مقيداً بكونه مسفوحاً، والحكم في الآيتين واحد هو حرمة تناول الدم، و سبب الحكم واحد وهو الضرر الناشئ عن تناول الدم. فيحمل المطلق على المقيد، ويكون المراد من الدم المحرم تناوله هو الدم المسفح، دون غيره: كالكبد، و الطحال، و الدم الباقي في اللحم و العروق، فكل ذلك حلال غير محرم.

(1) ((الآمدي)) ج 3 ص 3 و ما بعدها، ((فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت)) ج 1 ص 316 و ما بعدها. ((المسودة)) ص 145 - 147، ((إرشاد الفحول)) ص 145 - 146، و ((لطائف الإشارات)) ص 32 - 33.

-286 -

ثانياً: أن يختلف المطلق والمقيد في الحكم والسبب. مثل: قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:38] وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:6]

فكلمة ((الأيدي)) في الآية الأولى وردت مطلقة، وفي الثانية مقيدة ((إلى المرافق)) والحكم مختلف: ففي الآية الأولى: قطع يد السارق والسارقة، وفي الثانية: وجوب غسل الأيدي. وسبب الحكم في الآية الأولى: السرقة، وفي الثانية: إرادة

الوجيز في أصول الفقه · الصفحة ١٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الوجيز في أصول الفقهص ١٥٦