الفصل الحادي عشر
الدليل الحادي عشر
الاستصحاب
تعريفه:
252 - الاستصحاب في اللغة: طلب المصاحبة واستمرارها. وفي الاصطلاح: استدامة إثبات ما كان ثابتاً، أو نفي ما كان منفياً (1). أو هو: بقاء الأمر على ما كان عليه ما لم يوجد ما يغيره (2). فما علم وجوده في الماضي ثم حصل تردد في زواله، حكمنا ببقائه استصحاباً لوجوده السابق. وما علم عدمه في الماضي ثم حصل تردد في وجوده، حكمنا باستمرار عدمه استصحاباً لعدمه السابق.
وعلى هذا، من علمت حياته في وقت معين حكمنا باستمرار حياته حتى يقوم الدليل على وفاته .. ومن تزوج امرأة على أنها بكر ثم ادّعى الثيوبة بعد الدخول فلا يقبل قوله بلا بينة، استصحاباً لوجود البكارة، لأنها هي الأصل منذ النشأة الأولى.
ومن اشترى كلباً عل أنه من ((كلاب البوليس)) التي تحسن تتبع الآثار، وتساعد على كشف الجريمة، أو اشتراه على أنه كلب صيد، فادعى فوات الوصف، فالقول قوله إلا ثبت خلافه -، استصحاباً للعدم السابق، لأن الأصل عدم هذا الوصف، وإنما يستفاد بالمران والتدريب.
(1) ((أعلام الموقعين)) ج 1 ص 294.
(2) الشوكاني ص 20.
-267 -
253 - أنواع الاستصحاب:
أولاً: استصحاب حكم الإباحة الأصلية للأشياء (1).
الأشياء النافعة من طعام أو شراب أو حيوان أو نبات أو جماد، ولا يوجد دليل على تحريمها، هي مباحة لان الإباحة هي الحكم الأصلي لموجودات الكون وإنما يحرم ما يحرم منها بدليل من الشارع لمضرتها.
والدليل على أن الحكم الأصلي للأشياء النافعة هو الإباحة، قوله تعالى ممتنا على عباده ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ [الجاثية:13]. و قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:29].
ولا يتم الامتنان ولا يكون التسخير إلا إذا كان الانتفاع بهذه المخلوقات مباحاً. أما الاشياء الضارة فالأصل فيها التحريم لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا ضَرَرَ ولا ضِرَار)).
ثانياً: استصحاب البراءة الأصلية أو العدم الأصلي:
فذمة الإنسان غير مشغولة بحق ما إلا إذا قام الدليل على ذلك، فمن ادعى على آخر حقاً، فعليه الإثبات، لأن الأصل في المدعى عليه البراءة من المدعى به. وإذا ادعى المضارب عدم الربح فالقول قوله، لأن الأصل عدم الربح، فيستصحب هذا العدم، إلا إذا ثبت خلافه.
ثالثاً: استصحاب الوصف المثبت للحكم الشرعي حتى يقوم الدليل على خلافه:
فمن ثبتت ملكيته لعقار أو منقول، تبقى هذه الملكية ونحكم بها إلا إذا قام الدليل على زوالها كأن يبيعه أو يقفه أو يهبه .. وشغل الذمة بدين عند وجود سببه من التزام بمال أو إتلاف المال، يبقى قائماً ثابتاً، إلا إذا وجد المغير، أي إلا إذا قام الدليل عل تفريغ الذمة منه بأداء أو إبراء ... و ثبوت الحل بين