احتجب فيه عن الرعية، وحلقه رأس نصر ابن حجاج ونفيه من المدينة لتثبيت النساء به، و مصادرته شطر أموال عماله التي اكتسبوها بجاه السلطة واستغلال النفوذ، وغير هذا كثيراً جداً، يطول عده وذكره (2).
(1) أستاذنا أبو زهرة في كتابه ((مالك)) ص 400.
(2) انظر ((الطرق الحكيمة)) لابن قيم الجوزية ص 14 وما بعدها.
-241 -
225 - القول الراجح:
ومن عرض أدلة الطرفين يترجح عندنا القول بحجية المصالح المرسلة، وابتناء الأحكام عليها، وعدها من أدلة الأحكام. وهذا المصدر التشريعي - في نظرنا - مصدر خصب، يسعفنا بالأحكام اللازمة لمواجهة ظروف الحياة المتغيرة دون خروج على مبادئ الشريعة، وأحكامها القطعية، ولكننا نؤثر اللجوء إليه عن طريق جمعي لا فردي، كلما أمكن اجتماع المجتهدين.
226 - شروط العمل بالمصلحة المرسلة:
ذكر المالكية - وهم اكثر الفقهاء أخذاً بالمصالح المرسلة - شروطاً لا بد من توافرها في المصلحة المرسلة، لإمكان الاستناد إليها والاعتماد عليها، وهذه الشروط هي:
أولاً: الملائمة: أي أن تكون المصلحة ملائمة لمقاصد الشارع، فلا تخالف أصلاً من أصوله، ولا تنافي دليلاً من أدلة أحكامه، بل تكون من جنس المصالح التي قصد الشارع تحصيلها، أو قريبة منها ليست غريبة عنها.
ثانياً: أن تكون معقولة بذاتها، بحيث لو عرضت على العقول السليمة لتلقنها بالقبول.
ثالثاً: أن يكون الأخذ بها لحفظ ضروري، أو لرفع حرج، لأن الله تعالى يقول:
﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:78]
وهذه الشروط، في الواقع، ضوابط للمصلحة المرسلة تبعدها عن مزالق الهوى ونزوات النفوس، ولكن ينبغي أن يضاف إليها شرطان آخران هما: أن تكون المصلحة التي تترتب على تشريع الحكم مصلحة حقيقية لا وهمية. وأن تكون المصلحة عامة لا خاصة، أي أن يوضع الحكم لمصلحة عموم الناس لا لمصلحة فرد معين أو فئة معينة.
_____________________________________
(1) ((الاعتصام)) للشاطبي ج 2 ص 307 - 312.
-242 -
227 - بعض الاجتهادات على أساس المصلحة:
في المذاهب الإسلامية اجتهادات قامت على أساس المصلحة المرسلة، من ذلك:
أفتى المالكية: بجواز تنصيب الأمثل من غير المجتهدين إماماً إذا لم يوجد المجتهد. وجواز بيعه المفضول مع وجود الفاضل. وجواز فرض الضرائب على الأغنياء إذا خلا بيت المال - أي الخزانة العامة - من المال اللازم لمواجهة النفقات الضرورية للدولة كسد حاجات الجند، إلى أن يظهر مال في بيت المال، أو يكون فيه ما يكفي (1). وأجازوا شهادة الصبيان بعضهم على بعض في الجراحات، للمصلحة، لأنه لا يشهد لعبهم -عادة - غيرهم، وإن لم يتوافر فيهم شرط البلوغ، وهومن شروط العدالة في الشاهد (2). وقال الشافعية بجواز إتلاف الحيوانات التي يقاتل عليها الأعداء، وإتلاف شجرهم، إذا كانت حاجة القتال والظفر بالأعداء والغلبة عليهم تستدعي ذلك (3).