(1) ذكر الآمدي هذه الحجة في ((أحكامه)) ج 4 ص 216.
-239 -
ج- الأخذ بالمصالح يجرئ الجهال على تشريع الأحكام، فيقع الخلط والتخليط في أحكام الشريعة، ويفتح الباب لذوي الأهواء من الحكام والقضاة ونحوهم من ذوي السلطان إلى ما يريدون، فيبنون الأحكام على أهوائهم بعد أن يلبسوها ثوب المصلحة، ويصبغوها بصبغة الدين، وفي هذا طعن في الدين واتهام له بإسناد الظالمين والمفسدين.
ويمكن الرد على هذا الاعتراض، بأن الأخذ بالمصالح المرسلة يستلزم الوقوف على دلائل الشريعة للتأكد من اعتبارها أو إلغائها، وهذا غير ميسور لغير ذوي العلم والاجتهاد، فإذا تجرأ الجهال فإن أولي العلم يكشفون جهالتهم فيأمن شرهم الناس .. أما الحكام المفسدون، فإن ردعهم لا يكون بسد باب المصلحة، وإنما يكون بقيام الأمة بواجبها الشرعي نحوهم بتقويمهم أو إقالتهم.
224 - أدلة القائلين بالمصالح المرسلة:
1 - إن الشريعة ما وضعت إلا لتحقيق مصالح العباد، دلت على ذلك نصوص الشريعة وأحكامها المختلفة، فالأخذ بالمصلحة المرسلة يتفق وطبيعة الشريعة، والأساس الذي قامت عليه، والغرض الذي جاءت من أجله.
وهذا قول حق، صرح به غير واحد من العلماء، فالشاطبي يقول: (( .. والشريعة ما وضعت إلا لتحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل، ودرء الفاسد عنهم)) (1).
والفقيه الشجاع العز بن عبد السلام يقول: ((«الشريعة كلها مصالح: إما درء مفاسد أو جلب مصالح)) (2).
وابن القيم يقول ((إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة
__________
(1) ((الموافقات)) ج 2 ص 6، 37.
(2) ((قواعد الأحكام)) للعز بن عبد السلام ج 1 ص 9.
-240 -
خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه)).
واستقراء نصوص الشريعة يدل على صدق ما نطق به هؤلاء العلماء.
2 - إن مصالح الناس و وسائلهم إلى هذه المصالح تتغير، باختلاف الظروف والأحوال والأزمان، ولا يمكن حصرها مقدماً، ولا لزوم لهذا الحصر ما دام الشارع قد دل على رعايته للمصلحة، فإذا لم نعتبر منها إلا ما جاء الدليل الخاص باعتباره نكون قد ضيقنا واسعاً، وفوتنا على الخلق مصالح كثيرة،، وهذا لا يتفق مع عموم الشريعة وبقائها، فيكون المصير إليه غير صحيح.
3 - إن المجتهدين من الصحابة ومن جاء بعدهم، جروا في اجتهادهم على رعاية المصلحة، وبناء الأحكام عليها من غير إنكار على واحد منهم، مما يدل على صحة هذا الأصل وصواب هذا الاتجاه فيكون إجماعاً. فمن المسائل التي جرى فيها المجتهدون من سلفنا الصالح على أساس المصالح: جمع صحف القرآن في مصحف واحد، وجمع المسلمين على مصحف واحد، وتوريث مطلقة الفارِّ منه، و تضمين الصناع ما يهلك تحت أيديهم من أموال الناس، إلا إذا كان الهلاك بقوة قاهرة، مع أن أيديهم يد أمانه، ولكن اقتضت المصلحة هذا الحكم لئلا يتهاونوا في حفظ أموال الناس، وفي هذا يقول الإمام علي: ((لا يصلح الناس إلا ذلك)) (1)، وقتل الجماعة بالواحد، وأمر عمر بن الخطاب حرق بيت سعد بن أبي وقاص لما