وكذلكَ جعلَ الشَّهرَ الحرامَ قياماً لهم، والمرادُ جِنسُ الشَّهرِ الذي يَصِحُّ عَقْدُ نيَّةِ الحجِّ فيه، وهي: رَجَب، وذو القَعْدة، وذو الحِجَّة، والمُحَرَّم.
والهَدْيُ والقَلائدُ أيضاً قيامٌ لهم، فهيَ ممّا يَخُصُّ مناسِكَ الحجّ، وهيَ النُّسُكُ التي تُهدَى للحَرَم، فتُذْبَحُ هناكَ ويُوَزَّعُ لحمُها على مَساكينِه. والقلائدُ هيَ البُدْنُ التي تُقلَّدُ بقلائدَ ليَعرِفَ الناسُ أنَّها للحَرَمِ فلا يَتعرَّضُ لها أحَد، وذُكِرَ أنَّ الثوابَ فيها أكثَر، والحجَّ بها أظهَر.
وهذا الذي يبيِّنُهُ اللهُ لكم، لتَعلَموا أنَّ تشريعَ هذهِ الأحكامِ التي فيها مَنافعُ دُنيويَّة وأُخرَويَّة، ودفعٌ لمضارَّ قبلَ وقوعِها، هوَ مِنَ الدلائلِ على حِكمَةِ اللهِ وإحاطتهِ بكلِّ شَيء، ما دقَّ منها وما جَلّ، فهوَ كامِلُ العِلم، لا يَنقُصُ ولا يَخفَى عليهِ شَيءٌ منه.
﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: 98]
98 - واعلَموا أيُّها النَّاس، أنَّ اللهَ الذي أحاطَ علمُهُ بكلِّ شَيء، وعَلِمَ سرائرَ أعمالِكمْ وعلانيتَها، وأحصاها عليكمْ ليُجازيَكمْ بها، هوَ شَديدُ العقابِ لمن انتهكَ مَحارِمَهُ أو أصرَّ على عِصيانه. وهوَ غَفورٌ لذُنوبِ مَنْ أنابَ إليه وأطاعَه، رَحيمٌ بهِ فلا يُعاقِبُه.
﴿مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [(المائدة: 99]
99 - ليسَ على الرسُولِ إلاّ أنْ يُبَلِّغَ الرسالة، وليسَ لهُ الهدايةُ والتوفيقُ ولا الثَّواب، وقدْ أتَى بما وجبَ عليهِ مِنَ التَّبليغِ بما لا مَزيدَ عليه، فلا عُذرَ لكمْ إنْ لم تُطيعوا، ومَنْ خالفَ ولم يَمتَثلْ فقدْ عرَّضَ نفسَهُ للعِقاب.
ولا يَخفَى على اللهِ المطيعُ منكمْ مِنَ العاصي، ولا يَغِيبُ عنهُ شَيءٌ ممّا خفيَ في الصُّدور، أو ظهرَ منْ أعمالِ النفُوس، وبيدهِ الثوابُ والعِقاب، فيُعامِلُ كلاًّ بما يَستَحِقّ.