هل تستطيع أن تصنع غير هذا؟ فأرسل الله عز وجل عليه وعلى قومه: ﴿الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ [الأعراف: ١٣٣]، كلّ يشكو إلى موسى عليه السلام ويطلب إليه أن يَكُفَّها عنه، ويوافِقُه على أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا كفَّ ذلك عنه أخلف مَوْعِدَه ونكَثَ عهده.
فأُمِرَ موسى عليه السلام بالخروج بقومه، فخرج بهم ليلًا، فلما أصبح فرعون ورأى أنهم قد مضوا أرسل في المدائن حاشرين، فتبعهم بجنود عظيمة كثيرة، فأوحى الله عز وجل إلى البحر أن إذا ضربك موسى بعصاه فانْفَرِقْ له ثنتي عشرة فِرْقةً حتى يجوز موسى ومن معه، ثم الْتَقِ على مَنْ بَقِي بعده من فرعون وأشياعه، فنسي موسى عليه السلام أن يضرب البحر بالعصا، فانتهى إلى البحر وله قَصِيفٌ مَخافة أن يضربه موسى بعصاه وهو غافل فيصير عاصيًا الله - تعالى -، ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ وتقاربا ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] إفْعَلْ ما أمرك به ربك عز وجل فإنك لم تُكذب ولم تَكْذِب (١)، فقال: وعدني ربي عز وجل أني إذا أتيتُ البحر انفرق لي اثنتي عشرةَ فِرقةً حتى أُجاوِزَه، ثم ذكر بعد ذلك العصا، فضرب البحر بعصاه حين دنا [أوائل جُنْد فرعون من أواخر جند موس ل] فانفرق البحر كما أمره الله عز وجل وكما وعد موسى عليه السلام، فلما أن جاوز موسى عليه السلام وأصحابه البحر، ودخل فرعون وأصحابه، التقى عليهم البحر كما أُمر، فلما جاوز موسى عليه السلام البحر، قال أصحابه: إنَّا نخاف أن لا يكون فرعون غرق، ولا نؤمن بهلاكه، فدعا ربه عز وجل فأخرجه له ببدنه، حتى استيقنوا بهلاكه.
ثم مَرُّوا بعد ذلك على قوم يَعْكُفون على أصنام لهم ﴿قَالُوا يَامُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ إلى ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) قد رأيتُم مِنْ العِبر، وسمعتم ما يكفيكم، ومضى فأنزلهم موسى عليه السلام منزلًا، ثم قال لهم: أطيعوا
(١) (لم تُكَذِّب ولم تَكْذِب) الضبط من النسخة الخطية.
(٢) قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩)﴾ [الأعراف: ١٣٨ - ١٣٩].