تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقال لخديجة رضي الله عنها: «رأيتُ في السُّوق غلامًا من صِفَتِه كَيْتَ وكَيْتَ - يَصِفُ عَقْلًا وأدبًا وجمالًا - لو أنَّ لي مالًا لاشتريته»، فأمرَتْ خديجة رضي الله عنها ورقة بن نوفل فاشتراه من مالها، فقال لها النَّبِيُّ ﷺ: «يا خديجة، هي لي هذا الغلام بطيبةٍ مِنْ نفسك»، قالت: يا محمد إني أرى غلامًا وَضِيئًا - وفي رواية ابنِ عِصام: رَضِيًّا - وأُحِبُّ أن أتَبنَّاه، وأَخافُ أن تَبِيعَه أو تَهبَه، قال: «يا مُوفّقة، ما أرَدْتُ إلا لأتبنّاه» - زاد ابن مروان فقالت: به فُدِيتَ يا محمد - فربياه، وتبنياه، وكان يقال له: زيد بن محمد.

فجاء رجل من الحي - وفي رواية ابنِ عِصام: مِنْ طَيِّء - فنظر إلى زيد - وفي رواية ابن مروان فرأى زيدًا - فعرفه، فقال له: أَلَسْتَ زيد بن حارثة؟ - وفي رواية ابن عصام: أنتَ زيد بن حارثة؟ - قال: لا، أنا زيد بن محمد، قال: بل أنتَ زيد بن حارثة، إِنَّ أباك وعُمومتَكَ وأهل بيتك، قد أتعبوا الأبدان، وأنفقوا الأموال في سَبَبِك، فقال زيد:

أَلِكْنِي إلى قومي وإِنْ كنتُ نائيًا … فإني قَطِينُ البيت عند المشاعر

فكُفُّوا من الوجد الذي قد شجاكُمُ … ولا تُعْملوا في الأرض نَصَّ الأباعرِ

فإني بحمد الله في خيرِ أُسْرَةٍ … خيارِ مَعَد كابرًا بعد كابر

قال: فمضى الرَّجلُ، فأخبر حارثة، ولحارثة في ذلك شِعْرُ:

بكَيْتُ على زيدٍ ولم أَدْرِ ما فَعَلْ … أحيُّ فَيُرْجَى، أم أتى دونه الأَجَلْ

فوالله ما أدري وإنِّي لَسائلٌ … أَغالَكَ سَهْلُ الأرض أم غالَكَ الجَبَلْ

فياليت شعري هل لك الدَّهْرَ رَجْعَةٌ … فَحَسْبي من الدُّنيا رجوعُكَ لي بَجَلْ

تُذَكِّرُنِيه الشَّمسُ عند طلوعِها … وَيَعْرِضُ ذِكْراه إِذا عَسْعَسَ الطَّفَلْ (١)

وإِنْ هبَّتْ الأَرْياحُ هَيَّجْنَ ذِكْرَه … فيا طُولَ أحزاني عليه ويا وَجَلْ (٢)

(١) (عسعس الطَّفَل) أي: أقبلت الظُّلْمة. «القاموس» (ط ف ل).

(٢) ش: ١٦٧/ أ.

الطوالات - لأبي موسى المديني · الجزء ٢ · الصفحة ٦١٣

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الطوالات - لأبي موسى المدينيج ٢ · ص ٦١٣