تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال: بَيْنا نحن عند رسول الله ﷺ إِذْ سُئل عن ذلك، فقال: «إنَّ الله تبارك وتعالى لما أبرمَ خَلْقَه إِحْكامًا، فلم يَبْقَ مِنْ خَلْقِه غيرُ آدم عليه السلام خلق شمسَيْن مِنْ نُورِ عَرْشِه، فأَمَّا ما كانَ في سابقِ عِلْمِه أَنْ يدعَها شَمْسًا، فإنه خلقَ ضَوْءَها ما بين مشارق الأرض ومغاربها، وأما ما كان في سابق علمه أن يَطْمِسَها ويُحوّلها قمرًا، فإنَّه خلقها دون الشمس في الضَّوْء، وإنما يَرَى النَّاسِ صِغَرَهُما لِشَدَّةِ ارتفاع السَّماء من الأرَضِين، فلو تركَهُما شمسَيْن كما خلقَهُما في بَدْءِ الأمر لما مُيّز الليلُ من النَّهار، ولا النَّهارُ من الليل، وكان الأجير لا يَعْلَمُ إلى متى يَعْمل، ومتى يأخُذُ أَجْرَه، وكان الصَّائمُ لا يَدْري متى يُفْطِر ومتى يصوم، وكانت المرأة لا تدري كيف تَعْتَدُّ، وكان الدُّيَّانُ لا يَدْرُون متى يَحُلُّ دَيْنُهم، وكان النَّاس لا يدرون متى يَسْعَوْن لِمعايشهم، ومتى يسكنون لراحة أجسامهم، وكانت الأمةُ الضعيفة والعبد المقهور والبهيمة المُسَخَّرة ليس لهم وقت راحة.

وكان الله عز وجل أنظر لعباده وأرحم بهم، فأرسل جبريل عليه السلام، فأمر بجناحه على وجه القمر ثلاثَ مَرَّاتٍ، فمحا عنه الضوء، وبقي فيه النُّور، فذلك قوله - تعالى ذِكْرُه -: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] فالسَّوادُ الذي ترَوْنَ في القمر شبه الخطوط هو أثَرُ المَحْوِ.

وخلق الله تبارك وتعالى للشَّمس عجَلةً مِنْ نورِ العَرْشِ، لها ثلاثُ مِئَةٍ وسِتُّون عُرُوةً، وللقمرِ مِثْلَ ذلك، ووَكَّل الله - تعالى - بالشَّمس وعجَلَتِها ثلاثَ مِئَةٍ وستون ملكًا من ملائكة أهل سماء الدُّنيا، قد تعلَّقَ كلُّ ملَك منهم بِعُرُوةٍ مِنْ تلك العُرَى، والقمرُ على مِثْلِ ذلك، وخلق لهما مَشارِقَ ومَغارِبَ فِي قُطْرَي الأرضِ وكنَفَي السَّماء ثمانين ومِئَةِ عَيْنٍ في المشرق، ومِثْلَ ذلك في المغرب، فكل يوم وليلة من ذلك لها (١) مَطْلِع جديدٌ ومَغْرِبٌ جديد، ما بين أوَّلِها مَطْلِعًا وأَوَّلِها مَغْرِبًا كأطول ما يكون النَّهارُ في الصَّيفِ، إلى آخِرِها مَطْلِعًا وآخِرِها

(١) ش: ١٢٦/ ب.

الطوالات - لأبي موسى المديني · الجزء ٢ · الصفحة ٥٥٩

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الطوالات - لأبي موسى المدينيج ٢ · ص ٥٥٩