وقد شنَقَ القَضواء (١) الزمام حتى إنَّ رأسَها لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِه، ويقول بيدِه اليُمْنَى: «أَيُّها النَّاسُ السَّكينة، أيُّها النَّاسُ السَّكينة» كلما انتهى حَبْلًا - كذا في هذه الرواية، وفي غيرها: كلما أتى حَبْلًا - من الحبال أَرْخَى لها قليلًا حتى تَصْعَدَ، حتى أتى المُزْدِلِفةَ، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يُصَلِّ بينهما، ثم اضطجع رسول الله ﷺ، حتى إذا طلع الفجر، فلما تبين له الصُّبْحُ صلَّى الصُّبْحَ بنداء واحد وإقامة.
ثم ركِبَ رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف، فوقف عليه، فوحد الله - تعالى - وكبره وهلله، فلم يزل حتى أسفر جدًا، ثم دفع رسول الله ﷺ وأردف الفَضْلَ بن العباس رضي الله عنهما وكان رجلًا حَسَنَ الشَّعَرِ، أبيضَ وَسِيمًا، فَمَرَّ الظُّعُنُ، فَطَفِقَ الفَضْلُ رضي الله عنه ينظُرُ إليهن، فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفَضْلِ، فصرف الفَضْلُ رضي الله عنه وجهه إلى الشَّقِّ الآخَرِ، فوضع رسول الله ﷺ يَدَه على وجهه من الشَّقِّ الآخر، فصرف الفضل رضي الله عنه وجهه إلى الشق الآخر.
فلما انتهى رسول الله ﷺ إلى المُحَسِّر حرَّك دابته قليلًا، ثم سلك رسول الله ﷺ الطَّريقَ الوُسْطَى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى (٢) الجمرة التي عند الشَّجرةِ فرماها بسَبْعِ حصياتٍ، يُكبر مع كلِّ حَصاة، ثم انصرف إلى المَنْحَرِ، فنحر ثلاثًا وسِتِّين بيده، وأعطى عليًا رضي الله عنه فنحر ما غبر، وأشركَهُ في هَدْيِه، وأمرَ مِنْ كلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ في قِدْرٍ، فأكلا من لَحْمِها، وشَرِبا من مرقها.
ثم أفاض رسول الله ﷺ إلى البيت، فصلى الظهر بمكَّةَ، فطاف بالبيت، قال: وبنو عبدِ المُطَّلِبِ يَسْقون على زمزم، فقال رسول الله ﷺ: «يا بَنِي عبد المطلب (٣)، لولا أَنْ يَغْلِبَكُم النَّاسُ على سِقايتِكُم لنزَعْتُ معكم»، قال: فناوَلُوه دَلُوا، فَشَرِب منه (٤).
(١) في مسلم وغيره: «للقصواء» وهو المناسب.
(٢) (أتى) سقطت من ب.
(٣) ش: ١/ ٩٥.
(٤) أسنده المصنف من طريق أبي داود الطيالسي، وهو في «مسنده» ٢ (١٧٧٣).