ولما كان التشريع وجميع الأحكام –شرعية كانت أو كونية قدرية- من خصائص الربوبية –كما دلت عليه الآيات المذكورة-؛ كان كل من اتبع تشريعاً غير تشريع الله؛ قد اتخذ ذلك المشروع رباً، وأشركه مع الله. والآيات الدالة على هذا كثيرة، وقد قدمناها مراراً، وسنعيد منها ما فيه كفاية، فمن ذلك وهو من أوضحه وأصرحه؛ أنه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وقعت مناظرة بين حزب الرحمن وحزب الشيطان، في حكم من أحكام التحريم والتحليل. وحزب الرحمن يتبعون تشريع الرحمن في وحيه في تحريمه، وحزب الشيطان يتبعون وحي الشيطان في تحليله. وقد حكم الله بينهما، وأفتى فيما تنازعوا فيه فتوى سماوية قرآنية تتلى في سورة الأنعام. وذلك أن الشيطان لما أوحى إلى أوليائه فقال لهم في وحيه: سلوا محمداً عن الشاة تصبح ميتة؛ من هو الذي قتلها؟ فأجابوهم أن الله هو الذي قتلها. فقالوا: الميتة إذاً ذبيحة الله، وما ذبحه الله كيف تقولون إنه حرام؟ مع أنكم تقولون إن ما ذبحتموه بأيديكم حلال، فأنتم إذاً أحسن من الله وأحل ذبيحة. فأنزل الله –بإجماع من يعتد به من أهل العلم- قوله تعالى: (وَلاَ تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ) يعني الميتة، أي: وإن زعم الكفار أن الله ذكاها بيده الكريمة بسكين من ذهب، (وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) والضمير عائد إلى الأكل المفهوم من قوله: (وَلاَ تَاكُلُوا)، وقوله: (لَفِسْقٌ) أي: خروج عن طاعة الله، واتباع لتشريع الشيطان، (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ) أي: بقولهم: ما ذبحتموه حلال وما ذبح الله حرام؛ فأنتم إذاً أحسن من الله وأحل تذكية. ثم بيّن الفتوى السماوية من رب العالمين في الحكم بين الفريقين من قوله تعالى: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)، فهي فتوى سماوية من الخالق جل وعلا صرح فيها بأن متبع تشريع الشيطان المخالف لتشريع الرحمن مشرك بالله ...
ومن الآيات الدالة على نحو ما دلت عليه آية الأنعام المذكورة قوله تعالى: (إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ)، فصرح بتوليهم للشيطان، أي: باتباع ما يزين لهم من الكفر والمعاصي مخالفاً لما جاءت به الرسل، ثم صرح بأن ذلك إشراك به في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ)، وصرح أن الطاعة في ذلك الذي يشرعه الشيطان لهم ويزينه؛ عبادة للشيطان. ومعلوم أن من عبد الشيطان فقد أشرك بالرحمن، قال تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ، وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ، وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلّاً كَثِيراً)، ويدخل فيهم متبعوا نظام الشيطان دخولاً أولياً، (أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ) ... والشيطان عالم بأن طاعتهم له المذكورة إشراك به، كما صرح بذلك وتبرأ منهم في الآخرة، كما نص الله عليه في سورة إبراهيم في قوله تعالى: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ .. ) إلى قوله: (إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا