لذلك نجد مؤرخي اليعقوبيين، يصفون البطارقة التي عينتهم الدولة في أنطاكية بأنهم أضل من فرعون وأشد كفرة من بختنصر، ولما أعيد احتلال ملطية أخذ بطريرك اليعاقبة وسبعة من كبار أساقفتهم إلى القسطنطينية وسجنوا هناك، ووضع الملكانيون أيديهم على الكنيسة الكبرى في ملطية، فأما البطريرك فإنه مات منفيا على حدود بلغاريا، وكذلك مات أحد أصحابه في السجن، ورجم الثالث أمام قصر الأمبراطور، ورجع ثلاثة منهم عن المذهب اليعقوبي وأعيد تعميدهم، ولكنهم لم يجدوا السكينة التي يرجونها، وصاروا موضع السخرية كأنهم شياطين، وأخيرا لم يستطع رهبان الكنيسة السريانية أن يقيموا في مقر بطريقهم بعد دخول المذهب الملكاني - وبعد أن أعيدت
أنطاكية إلى المسيحية كما يقول الملكانيون - فاضطروا إلى الانتقال إلى آمد طلبة التسامح أكثر في بلاد المسلمين، ولقد منعت الكنيسة الرسمية نصاري بر مينية من استعمال النواقيس (294)، وكثيرا ما كان رجال السلطة المسلمون يتدخلون بين الفرق النصرانية لمنعهم من المشاجرات، حتى عين حاكم أنطاكية في القرن الثالث الهجري رجلا يتقاضى ثلاثين دينارة من النصارى في الشهر، وكان مقره قرب المذبح، وعمله أن يمنع المتخاصمين من قتل بعضهم بعضا (295). دوكان أهل الذمة يعاملون في مستشفيات بغداد معاملة المسلمين (296).
ولما كان الشرع الإسلامي خاصة بالمسلمين، فقد خلت الدولة الاسلامية بين الملل الأخرى وبين محاكمهم الخاصة بهم، والذي نعلمه من
(294) وهكذا فعلت الكنيسة الإنكليزية مع الكاثوليك حتى القرن التاسع عشر الميلادي،
ولا تزال اسبانيا وصقلية تفعلان ذلك حتى اليوم مع البروتستانت.
(295) الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري (57).
(296) الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري (57) ?