الأسباب مخلوقة له تعالى، فهي ليست مطلقة، بل هي محكومة ومسيرة بقدرته وإرادته سبحانه وتعالى، على أنه لا ينبغي للمؤمن التوقف كثيراً عند تلك الحالات أو المواقف يمني النفس بمثلها بل عليه أن يتحرك وينطلق ساعياً في سبيل البحث عن رزقه آخذاً بالأسباب، غير متكل عليها، أو مفرط فيها متوكلاً على الله تعالى.
لقد ظن بعض المسلمين - في أوقات مختلفة، ونتيجة عوامل كثيرة - أن تلك الحالات والمواقف قاعدةٌ - وهي استثناء -، فأصبحوا يُمَنُّون النفسَ بمثلها، فسلكوا طريق التواكل، والتكاسل، وهجروا الأسباب، ولَبِسُوا الخِرَقَ، وانقطعوا عن حركة الحياة، وعن المساهمة في إثرائها والإبداع فيها مع إخوانهم المسلمين، ففاتهم وفات المسلمين بسبب فهمهم هذا خير كثير.
إن الصورة التي تمثل القدوة الصالحة التي ينبغي على المؤمن الاقتداء بها في هذا الأمر، هي ما كان عليه صفوة الخلق سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وصحابته الكرام - رضي الله عنهم - من بعده، ومن سار على دربهم، فقد تركوا لنا صورة مثلى وجميلة لحركة المؤمن في الحياة، يتمثل فيها الرشد والتوازن والنفع، فقد كانوا فرسان نهارهم، رهبان ليلهم آخذين بالأسباب، متوكلين على الله تعالى، وكانوا - رضي الله عنهم - يدركون أن الإسلام بقدر ما هو مسئولية فردية خاصة، فهو في ذات الوقت مسئولية جماعية فلم يشغلهم أمر إصلاح نفوسهم عن الاهتمام بغيرهم من إخوانهم المسلمين، فنفعوا أنفسهم، كما نفعوا غيرهم، فكانت حياتهم - رضي الله عنهم - خيراً على الإسلام والمسلمين بل وعلى البشرية جمعاء. وقد أثنى الله تعالى في كتابه العزيز على المؤمنين الذين جمعوا بين الدين والدنيا، فهم بالليل رهبان