ومعرفة ذلك وإدراكه إنما يكون بمعرفة صفات المخلوقين ملائكة، وأنبياء، وأولياء، وصالحين، قال تعالى: ((وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ)) [الأعراف:197]، فكم من نبي أوذي وكذب وقتل؛ قال تعالى: ((أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ)) [البقرة:87].
وقال تعالى: ((وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ)) [فاطر:22]، وقال تعالى: ((وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)) [النحل:20 - 21]، وفي هذه الآية نكتة عجيبة وكشف شبهة مريبة، وهو قول أهل الإشراك والقبور: إن هذه الآيات في حجارة الأصنام بالذات في عزى ومناة واللات. فهل الأحجار تبعث من القبور؟! لو كانوا يفقهون، فإن هذه الحجارة إنما هي تماثيل الصالحين وصورتهم وما سمي اللات لاتاً إلا لأنه كان رجلاً صالحاً يلت السويق للحاج، ثم انظر إلى استخدام (الذين) أداة صلة موصولة بالعقلاء على الدوام وليس لها أي علاقة بالجمادات، فتأمل ذلك فإنها توصلك إلى الصواب بإذن الله. وقال جل وعلا في ذكر العباد المؤهلين من دون الله بأن صفات العبودية لازمة لهم على كل حال: ((مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَاكُلانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)) [المائدة:75 - 76]، فتأمل أخي الكريم في قوله: ((كَانَا يَاكُلانِ الطَّعَامَ)) فإنها قاعدة مضطردة في جميع المعبودات من دون الله، فإن الآية تبين أن عيسى عليه السلام وأمه كانا يأكلان الطعام، ولا شك أن الجميع يعلم أنهما كانا يأكلان الطعام، فلا بد أن الله تعالى أراد أن يبين بهذه الآية شيئاً آخر وهو: الإشارة إلى صفة الحاجة والفقر في المسيح وأمه، وإن الحاجة والفقر لا يليقان بالإله، فتعين كونهما مخلوقين عبدين لله وإنهما لا يملكان لأنفسهما ولا لغيرهما ضراً ولا نفعاً، لذلك جاءت الآية التي تلي هذه الآية مباشرة: ((قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ))، فقس على ذلك باقي الأنبياء