أحسن إليه، فهو عفيفٌ، شريف، معصومٌ، تقي، نقي، لا يمكن بل يستحيلُ أن يعصيَ الله، أو يفعل منكراً، وهو سيعفُّ عنها ولو أساء إليه زوجها. ولو أعدنا الضمير على زوجها لظنَّ السَّامعُ، أو القارئ أن يوسفَ عفَّ عنها لأنَّ زوجَها أحسنَ إليه، ولو لم يحسنْ إليه لأساء إليها، وهذا ما لا يجوزُ أن يخطر في بال أحد. واليهود هم الذين يسيئون لسمعة الأنبياء والرسل، والتوراةُ محشوَّةٌ بالافتراء والتزييف على الأنبياء والرسل، واتِّهامهم بما لا يليقُ. فتنبه.
والنبي حيث يقول: ﴿إنه ربي﴾ فهو لا يقرُّ بالربوبية إلا لله تعالى وحده قبل البعثة وبعدها، فإذا أدركنا هذا توصَّلنا إلى أن الضميرَ في قوله تعالى: ﴿يضل﴾ و ﴿يهدي﴾ يعود إلى ﴿من﴾ وهو أقربُ المذكور، فيصير المعنى: يضل الله من يشاء الضلالة ويهدي من يشاء الهداية.
أي: يضلُّ اللهُ فلاناً إن شاء الضَّلالة، ويهدي فلاناً إن شاء الهداية، وليست هناك قرينة تصرفُ الضمير إلى البعيد. والعدالةُ الإلهية تقتضي عودَ الضمير هنا على القريب، وهو ﴿من﴾.
وإذا أردت أن تعرفَ مثلاً على عود الضمير على البعيد لقرينة، فإليك آية سورة التوبة [24]:
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾
فالضميرُ في قوله تعالى: ﴿في سبيله﴾ يعودُ حتماً إلى الله تعالى لا إلى رسوله، أي إلى المذكور البعيد لا القريب لقرينة عفلية، وهي: أن الله تعالى نصَّ في قرآنه الكريم كما ذكر رسوله - صلى الله عليه وسلم - في أحاديثه الشريفة الصحيحة أن الجهادَ لا يكونُ، ولا يُقبل، ولا يجوزُ، ولا يُثابُ عليه صاحبُه، إلا إذا كان في سبيل الله وحده لا شريك له.
وفي القرآن الكريم آياتٌ كثيرةٌ تُعيد الضميرَ في الضلال والإِضلال على الإنسان نفسه، أو يرد في الآية هو الفاعل للضلال بإرادته، أو تبين أن ما نزل، وسينزل به، من عقاب فمرجعه ضلاله واختياره الشر دون الخبر والباطل دون الحق، والضلالة دون الهدى، أو تبين أنَّ الشيطانَ هو الذي قاد أهلَ الضَّلالة إلى كُلِّ شر وفساد حين رأى عندهم رغبة في ذلك، وبُعْداً عن الهدى وسبيله، أو ترد ذلك إلى أعوان الشيطان. من ذلك قوله تعالى في سورة النساء [60]:
﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾
﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [116]
﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [176]