ymr&ur اللَّهُ yىّ9 t7 ّ9$# وَحَرَّمَ (#4 qt/ ج hچ9$#÷. فَقَسَّمَ
الأَمْرَ قِسْمَيْنِ في المعاملة:
جائزًا. ومُحَرَّمًا فاسدًا.
وليس هناك قِسْمٌ ثالث، ويُعَضِّدُهُ ويُفَسِّرُهُ ويُوَضِّحُهُ في سبيل السُّنَّةِ ما ثَبَتَ في الصحيح: =أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الرِّبَا، خَرَجَ رَسُولُ اللهِ * إلَى الْمَسْجِدِ، فَحَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْر+. وهذا فَصْلٌ لم يَتَفَطَّنْ له إلا أَبُو حَنِيفَةَ ومَالِكٌ، وغَابَ عنه الشَّافِعِيُّ على فِطْنَتِهِ، فلم يَكُنْ في مَعْرِفَتِهِ.
فَأَذِنَ الله في البيع، وهو نَقْلُ الأَمْلاَكِ والأموال الْمَأْذُونِ في الانتفاع بها من حَدٍّ إلى حَدٍّ، وتحويلها من استيلاء إلى استيلاء بِعِوَضٍ مُقَدَّرٍ، وتَوَلَّى الشارع سبحانه تقدير أَعْوَاضِ بَعْضِ الأموال، ووَكَلَ تَقْدِيرَ بعضها إلى الْمُتَنَاقِلِينَ، والرِّبَا: هو كل زيادة لم يُقَابِلْهَا عِوَضٌ.
والتجارة: كل مُعَاوَضَةٍ تَقَابَلَتْ فيها الأَعْوَاضُ الشرعية.
وما عَدَاهَا أَكْلُ المال بالباطل، فَاقْتَضَتْ الآيَتَانِ كِتَابَ الْبُيُوعِ كُلَّهُ على العموم والشُّمُولِ دون التفصيل، وفَصَّلَهُ النبي * في سِتَّةٍ وخَمْسِينَ حديثًا، فإن أَرَدْتَ اليقين في التَّبْيِينِ، والْبَلاَغَ الشَّافِيَ الْمُعِينَ، فعليك بكتاب =الأحكام+ إن شاء الله، فهو الْمُسْتَعَانُ لِلْمُسْتَعِينِ، لا رَبَّ غَيْرُهُ.
بَابُ التَّغْلِيظِ فِي الْكَذِبِ وَالزُّورِ
[1207] ذَكَرَ حديث أَنَسٍ في الكبائر: =الشِّرْكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَقَوْلُ الزُّورِ+. صحيح حَسَنٌ. يَرْوِيهِ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عنه.
قال الإمام الحافظ: الباب عظيم، قد بَيَّنَّاهُ في =التفسير+، ورَبَطْنَاهُ في =قانون التأويل+. والمراد منه هَهُنَا قَوْلُ الزُّورِ، وهو الْكَذِبُ.
وحقيقته: الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه. حَرَّمَتْهُ
الشَّرَائِعُ، وكَرِهَتْهُ النُّفُوسُ؛ لِمَا فيه من فَسَادِ القانون في القول والفِعْلِ لو تَوَصَّلَ إلى غَرَضِهِ به، فكيف إذا لم يُوصِلْ إلى غَرَضٍ؟!
وأَشَدُّهُ: الْكَذِبُ على الله.
وثَانِيهِ: الْكَذِبُ على رسول الله *. وَهُوَ هُوَ، أو نَحْوُهُ.
وثَالِثُهُ: الْكَذِبُ على الناس. وهي شَهَادَةُ الزُّورِ في إثبات ما ليس بثابت على أحد، أو إسقاط ما هو ثابت، ففيه الْكَذِبُ والْمَضَرَّةُ، وتَصْوِيرُ الباطل في صورة الْحَقِّ، في مَجْلِسِ الْحَقِّ، عند نائب الْحَقِّ، فَتَضَاعَفَتِ الْخَطَايَا الْخَمْسُ وتَنَاصَرَتْ، فَعَظُمَ أَمْرُهَا، وتَضَاعَفَ بِتَضَاعُفِهَا إثْمُهَا؛ ولذلك كان النبي * إذا حَذَّرَ عنها يقول: =وَقَوْلُ الزُّورِ، وَقَوْلُ الزُّورِ، وَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا، حَتَّى قَالَ الصَّحَابَةُ: لَيْتَهُ سَكَتَ+.
ورَابِعُهَا: الْكَذِبُ لِلنَّفْسِ. وهو أمر طويل لكثرة متعلقاته، ومن أشده الْكَذِبُ في المعاملات، وهو أحد أركان الفساد الثلاثة فيها، وهي: كَذِبٌ. عَيْبٌ. غِشٌّ.
فإذا خَلَصَتِ المعاملة عن هذه الثلاثة، فهي التجارة التي أَذِنَ الله فيها، وهي التي مَدَحَ اللهُ صاحبها فِي =
[1209] [1209ـ م] =الْحَدِيثِ الذي خَرَّجَهُ أَبُو عِيسَى وغَيْرُهُ عن الْحَسَنِ، عن أَبِي سَعِيدٍ، قال رسول الله *: =التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّقِينَ وَالشُّهَدَاءِ+. وهذا الحديث وإن لم يَبْلُغْ دَرَجَةَ الْمُتَّفَقِ عليه من الصحيح، فإن معناه صحيح؛ لأنه جَمَعَ الصِّدْقَ والشَّهَادَةَ بِالْحَقِّ والنُّصْحَ لِلْخَلْقِ وامْتِثَالَ الأَمْرِ الْمُتَوَجِّهِ إليه من قِبَلِ الرسول *. وإن زَاغَ عن هذا، بُعِثَ =
[1210] =كما قال في الحديث الذي رَوَاهُ وصَحَّحَهُ عن رِفَاعَةَ:
=أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ * إلَى الْمُصَلَّى، فَرَأَى النَّاسَ يَتَبَايَعُونَ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ. فَاسْتَجَابُوا لِرَسُولِ اللهِ *، (فَقَالَ: إنَّ التُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّارًا، إلاَّ مَنِ اتَّقَى اللهَ، وَبَرَّ وَصَدَقَ+.
[1208] [1208ـ م] كما رَوَى عنه قَيْسُ بْنُ [أَبِي] غَرَزَةَ قال: =خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ *)، وَنَحْنُ نُسَمِّي السَّمَاسِرَةَ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ، إنَّ الشَّيْطَانَ وَالإثْمَ يَحْضُرَانِ الْبَيْعَ، فَشُوبُوا بَيْعَكُمْ بِالصَّدَقَةِ+. خَرَّجَهُ أيضًا أَبُو عِيسَى وصَحَّحَهُ.
وفي رواية: =فَسَمَّانَا بِاسْمٍ، هُوَ أَحْسَنُ مِنِ اسْمِنَا، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ+.
قال الإمام الحافظ: يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ * أَخَذَهُ من قوله سبحانه: × Hw خ) أَنْ acq ن3 s? تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ ِNن3Zد iB÷. فَاشْتَقَّ لهم اسْمًا مِمَّا أَخْبَرَ اللهُ سبحانه أنه فِعْلُهُمْ. ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ الْوَحْيُ نَزَلَ عليه بهذا الاسم. وكِلاَ الْوَجْهَيْنِ صحيح جائز.
ومَعْنَى قوله: =يُبْعَثُونَ فُجَّارًا+. أَيْ: عُصَاةً. وفي الحديث: =عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فإنه يَهْدِي إلَى البِرِّ، وَالبِرُّ يَهْدِي إلَى الجَنَّةِ، وَإيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإنَّهُ يَهْدِي إلَى الْفُجُورِ، وَالْفُجُورُ يَهْدِي إلَى النَّارِ، يُقَالُ: صَدَقَ وَبَرَّ، وَكَذَبَ وَفَجَرَ+.
وقوله: =إنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ الْبَيْعَ+. صحيح أَنَّهُ تَخْرُجُ الشَّيَاطِينُ، فَتَضْرِبُ الرَّايَاتِ فِي الأَسْوَاقِ. وتَنْبَثُّ في الْخَلْق، وتَدُورُ مع كل سُوقِيٍّ ومُتَسَوِّقٍ، يَدُ الشيطانِ بِيَدِهِ، وحَرَكَتُهُ بِحَرَكَتِهِ، ولِسَانُهُ بِلِسَانِهِ، ووَسْوَاسُهُ بحديث قَلْبِهِ، ولا يَزَالُ يُلاَبِسُهُ ويَجْذِبُهُ، حتى يُوقِعَهُ في مُغَوَّاةٍ مُهْلِكَةٍ، إلا مَنْ عَصَمَ اللهُ.
وقوله: =وَالإثْمُ+. مَجَازٌ، والْمَعْنَى: أنه إذا حَضَرَ الشيطان الدَّاعِي
إلى الإثْمِ، فقد حَضَرَ الإثْمُ، كما يقال: إن الْحَرْبَ يَحْضُرُهَا الْقَتْلُ والْمَوْتُ، أوِ السَّيْفُ والْمَوْتُ. فَيَكُونُ حضور السَّبَبِ ـ وهو الْقَاتِلُ والسِّلاَحُ ـ سَبَبًا لحضور الْقَتْلِ والْمَوْتِ، فيقال: إنه حَضَرَ.
والأمثال والأشعار في ذلك كثيرة، قال الشاعر:
يَا أَيُّهَا الرَّاكِبُ الْمُزْجِي مَطِيَّتَهُ ... سَائِلْ بَنِي أَسَدٍ مَا هَذِهِ الصَّوْتُ
وَقُلْ لَهُمْ بَادِرُوا بِالْعُذْرِ وَالْتَمِسُوا ... قَوْلاً يُبَرِّئُكُمْ إنِّي أَنَا الْمَوْتُ
تركيب:
[1211] وأَشَدُّ ما يَجْرِي في البيع الْحَلِفُ الْكَاذِبُ، رَوَى أَبُو عِيسَى، عن خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، عن أَبِي ذَرٍّ، قال النبي *: =ثَلاَثةٌ لاَ يَنْظُرُ اللهُ إلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. فَقُلْتُ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ خَابُوا وَخَسِرُوا؟ فَقَالَ: الْمَنَّانُ، وَالْمُسْبِلُ إزَارَهُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ+. قال أَبُو عِيسَى: هذا حديث حَسَنٌ صحيح.
الإسناد:
قال الإمام الحافظ: هذا باب فيه مَسَانِيدُ صِحَاحٌ من طُرُقٍ، لا أُطَوِّلُ بِذِكْرِهَا هَهُنَا، فَوَاحِدٌ يَكْفِي منها.
الْمَعْنَى:
=الْمَنَّانُ+: هو الذي يُعْطِي؛ لِيَأْخُذَ أَكْثَرَ، والذي يُعَدِّدُ عَطَاءَهُ على الْمُعْطَى؛ تَفَاخُرًا عليه به وتَكَبُّرًا. كأنه يَرْجِعُ إلى الأول؛ لأنه يَطْلُبُ منه الاستخدام به والاستذلال له.
=وَالْمُسْبِلُ إزَارَهُ+: هو الذي يَتَجَاوَزُ به الْكَعْبَيْنِ شَرْعًا.
=وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبَةِ+: هو الذي يَحْلِفُ على سلعته بِالجَوْدَةِ والسلامة من الْعَيْبِ، والْكَذِبِ في الصِّفَةِ.
فأما الأول، فإن الذي يَطْلُبُ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى، فإنه جائز، وإن كان دَيْنًا، وقد بَيَّنَّاهُ في قوله تعالى: ×! $ tBur آَتَيْتُمْ مِنْ $\/ح h (#uqç/÷} zچ د j9 خ û أَمْوَالِ النَّاسِ xxsù (#qç/ ِچ t' y0Y دم "! $#÷. فَلْيُنْظَرْ هنالك.
وأما الذي يَطْلُبُ التَّفَاخُرَ، فهو الذي يُبْطِلُ عَمَلَهُ بقوله ذلك، كما بَيَّنَّاهُ في قوله: ×$ yg"'r'¯"t' الَّذِينَ آَمَنُوا xw تُبْطِلُوا Nن3د G"s%y0|¹ بِالْمَنِّ 3 sRF {$#ur÷. وقد بَيَّنَّا ذلك في موضعه، وأَخْبَرْنَا بالدليل أن الإبطال إنما يَكُونُ بِالْمُوَازَنَةِ، لا بِمُجَرَّدِ الإحباط كما قالته الْمُبْتَدِعَةُ.
والذي يَمُنُّ بعطائه ويُعَدِّدُ نِعَمَهُ هو الْمَوْلَى الأَعْظَمُ على الْعَبْدِ الأَحْقَرِ، فَمُحَاوِلُ ذلك مُتَعَاطٍ صِفَةً لا تَنْبَغِى إلا لله وَحْدَهُ.
وأما الْمُسْبِلُ إزَارَهُ، فَيَرْجِعُ إلى الْفَخْرِ والْخُيَلاَءِ والتعظيم للنفس، وذلك من الكبائر، فإن صفة التَّعَظُّمِ والتَّكَبُّرِ لا تَكُونُ إلا لله، قال *: =قَالَ اللهُ: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا، قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ+.
وأما الْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ، فلا يَخْلُو أن يَحْلِفَ على حَقٍّ. أو يَحْلِفَ على باطلٍ.
فإن حَلَفَ في سِلْعَتِهِ على حَقٍّ لِيُنَفِّقَهَا، فإنه مكروه، وليس بحرام؛ لأن الله سبحانه نَزَّهَ ذِكْرَهُ عن الْعُرْضَةِ في التَّبَرُّرِ والتَّقْوَى والإصلاحِ بين الناس، فكيف في الزيادة في الكَسْبِ؟!
وإن كان حَلِفُهُ على باطل، فقد بَيَّنَّا قَبْلُ وَجْهَ تَضَاعُفِ الإثْم فيه، وفي الصحيح: =الْيَمِينُ الْفَاجِرَةُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْبَرَكَةِ+. فإنها
وإن رَغَّبَتِ الْمَتَاعَ وكَثَّرَتِ الرِّبْحَ، فذلك مَحْقٌ في الْمَعْنَى؛ لأنها تَأْكُلُ الحسنات وتَأْخُذُهَا من يَدَيْ صاحبها، وتُعْطِيهَا للمحلوف له، المكذوب في معاملته.
وربما كانت مَمْحَقَةً في المال في الحال والمَآلِ، فَيَذْهَبُ عنه حَظُّ الدنيا الذي حَرَصَ عليه، ودَخَلَ في ذلك لأَجْلِهِ، ويَذْهَبُ عنه حَظُّ الآخِرَةِ، فَيَخْسَرُ الْوَجْهَيْنِ، ويَفُوتُهُ الْمَقْصُودُ في الدَّارَيْنِ.
[الأصول:]
الفَائِدَةُ العُظْمَى في هذا الحديث مِنْ حَظِّ الأصول ما تَضَمَّنَ (من الخَبَرِ الوَعِيد) العظيم مِنْ أَنَّ اللهَ لا يَنْظُرُ إليه، ولا يُزَكِّيهِ، وله عذاب أليم.
وقد مَهَّدْنَا في غير موضع أَحَادِيثَ الوَعِيدِ ومَقَاصِدَهَا، وبَيَّنَّا أن الله يُنْفِذُ وَعْدَهُ ووَعِيدَهُ حَقًّا، لا بُدَّ من ذلك، ولا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ للمؤمنين إن شَاءَ. والْمَعْنَى في ذلك: أن آيَاتِ الْوَعِيدِ مُتَشَابِهَةٌ محتملة، وآيَاتِ الْوَعْدِ مُحْكَمَةٌ. وقد بَيَّنَ الله، وبَيَّنَ على لسان نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ * ـ وتَعَالَى رَبُّنَا وتَقَدَّسَ ـ أن الله يَغْفِرُ لمن يَشَاءُ من عباده، فَيَكُونُ الْوَعِيدُ نَافِذًا في بعض الأحوال، وفي بعض الأشخاص، وفي بعض الأعمال، وعند عَدَمِ ما يُقَابِلُهُ من الطاعات، أو يُرْبِي عليه من حُسْنِ النِّيَّاتِ، كما بَيَّنَّاهُ في =التفسير+ والأصول.
كالذي رُوِيَ في الصحيح: =رَحِمَ اللهُ امْرَأً سَمْحًا إنْ بَاعَ، أَوِ اشْتَرَى، أَوِ اقْتَضَى+. هذا لفظ الْبُخَارِيِّ.
ورَوَى التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ: أن النبي * قال: =مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا، أَوْ وَضَعَ لَهُ، أَظَلَّهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إلاَّ ظِلُّهُ+. من حديث أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ.
وذَكَرَ من حديث شَقِيقٍ، عن أَبِي مَسْعُودٍ؛ أن رسول الله * قال: =حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ، إلاَّ أَنَّهُ كَانَ رَجُلاً مُوسِرًا، وَكَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ، فَكَانَ يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ أَنْ يَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُعْسِرِ، فَقَالَ اللهُ: نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ، تَجَاوَزُوا عَنْهُ+. وهذا كله صحيح مُتَّفَقٌ عليه، مُخَصِّصٌ للعموم الْوَارِدِ في آيَاتِ الوَعِيدِ، ولذلك قال * ـ كما تَقَدَّمَ ـ: =إنَّ هَذَا الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ الشَّيْطَانُ وَالإثْمُ، فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ+. فإن الْحَسَنَاتِ يَغْلِبْنَ السَّيِّئَاتِ، والْوَعْدُ يَقْضِي على الْوَعِيدِ؛ لاحْتِمَالِهِ، وليس الْوَعِيدُ كَالْوَعْدِ في جَزْمِهِ وعمومه واسْتِرْسَالِهِ كما قالت الْمُبْتَدِعَةُ، وقد بَيَّنَّاهُ، والله أعلم.
وأَشَدُّ ما رُوِيَ في هذا الباب الْحَدِيثُ الصحيح ـ واللفظ لِلْبُخَارِيِّ ـ: =أَنَّ رَجُلاً أَقَامَ سِلْعَتَهُ، وَهْوَ فِي السُّوقِ، فَحَلَفَ بِاللهِ: لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا مَا لَمْ يُعْطَ؛ لِيُوقِعَ فِيهَا رَجُلاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَنَزَلَتْ: רbخ) الَّذِينَ tbrç} tIô±o- د0 ôgyè خ/ اللَّهِ ِNحkب] " yJ÷'r&ur ثَمَنًا ¸ x9 خ= s%÷ الآيَةَ+.
وهذا الحديث بِلَفْظِهِ ومعناه خَارِجٌ عن الأصل الذي قَدَّمْنَاهُ من الوقت والحال والحالف والنِّيَّةِ، وربما خَرَجَ به الْقَصْدُ إلى الاستهانة بالشريعة والاستحقار للأمر والنَّهْيِ، فَزَلَّ عن مَنْزِلَةِ الإيمانِ، وكان الْوَعِيدُ فيه على العموم، وهذه مَعَانٍ لا يَفْهَمُهَا إلا شَبْعَانُ مِنْ طُعْمِ التحقيق، رَيَّانُ من بَحْرِ الأخبار. والسَّغِبُ الطَّيَّانُ والظَّمْآنُ بِمَعْزَلٍ عن هذا كُلِّهِ.
بَابُ التَّبْكِيرِ فِي التِّجَارَةِ
[1212] ذَكَرَ فيه أَبُو عِيسَى حديث صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ ـ لم يَرْوِ غَيْرَهُـ قال: يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ، عن عُمَارَةَ بْنِ حَدِيدٍ، عن صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ قال: قال
رسول الله *: =اللَّهُمَّ بَارِكْ لأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا. قَالَ: وَكَانَ إذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا، بَعَثَهُمْ أَوَّلَ النَّهَارِ، وَكَانَ صَخْرٌ رَجُلاً تَاجِرًا، وَكَانَ إذَا بَعَثَ تِجَارَةً، (بَعَثَ بِهَا) أَوَّلَ النَّهَارِ، فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ+.
قال الإمام الحافظ: يُرْوَى عن ابْنِ عَبَّاسٍ وغَيْرِهِ: أَنَّ مَا بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ وَقْتٌ يَقْسِمُ اللهُ فِيهِ الرِّزْقَ بَيْنَ الْعِبَادِ.
وثَبَتَ أنه وَقْتٌ يُنَادِي فيه الْمَلَكُ: =اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَأَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا+. وهو وَقْتُ ابْتِدَاءِ الْحِرْصِ، ونَشَاطِ النَّفْسِ، ورَاحَةِ الْبَدِنِ، وصَفَاءِ الْخَاطِرِ، فَيَقْسِمُ لأَجْلِ ذلك كُلِّهِ وأَمْثَالِهِ، وقد رُوِّينَا هذا الحديثَ من طُرُقٍ كثيرة، تَقَيَّدَ كُلٌّ منها في موضعه.
بَابُ الرُّخْصَةِ فِي الشِّرَاءِ إلَى أَجَلٍ
[1213] ذَكَرَ أَبُو عِيسَى حديث عُمَارَةَ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ، عن عِكْرِمَةَ، عن عَائِشَةَ قالت: =كَانَ عَلَى رَسُولِ اللهِ * ثَوْبَانِ قِطْرِيَّانِ غَلِيظَانِ، فَكَانَ إذَا قَعَدَ فَعَرِقَ، ثَقُلاَ عَلَيْهِ، فَقَدِمَ بَزٌّ مِنَ الشَّامِ لِفُلاَنٍ الْيَهُودِيِّ، فَقُلْتُ: لَوْ بَعَثْتَ إلَيْهِ، فَاشْتَرَيْتَ مِنْهُ ثَوْبَينِ إلَى الْمَيْسَرَةِ. فَأَرْسَلَ إلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُ مَا يُرِيدُ، إنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِمَالِي، أَوْ بِدَرَاهِمِي. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ *: كَذَبَ؛ قَدْ عَلِمَ أَنِّي مِنْ أَتْقَاهُمْ وَأَدَّاهُمْ لِلأَمَانَةِ+.
[1214] وذَكَرَ حديث هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: =تُوفِّيَ النَّبِيُّ * وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ بِعِشْرِينَ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَخَذَهُ لأَهْلِهِ+. (حديث حَسَنٌ صحيح.
[1215] وذَكَرَ قَتَادَةُ، عن أَنَسٍ قال: =مَشَيْتُ إلَى النَّبِيِّ * بِخُبْزِ شَعِيرٍ وَإهَالَةٍ سَنِخَةٍ، وَلَقَدْ رُهِنَ لَهُ دِرْعٌ مَعَ يَهُودِيٍّ بِعِشْرِينَ صَاعًا، أَخَذَهُ لأَهْلِهِ)، وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ ذَاتَ يَوْمٍ يَقُولُ: مَا أَمْسَى عِنْدَ آلِ مُحَمَّدٍ صَاعُ
تَمْرٍ، وَلاَ صَاعُ حَبٍّ. وَإنَّ عِنْدَهُ يَوْمَئِذٍ لَتِسْعُ نِسْوَةٍ+. وهو حديث حَسَنٌ صحيح.
وعَضَّدَ الْحَدِيثَ الأَوَّلَ بأن (شُعْبَةَ سُئِلَ عن) حديث عُمَارَةَ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ هذا، فقال: =لَسْتُ أُحَدِّثُكُمْ، حَتَّى تَقُومُوا إلى حَرَمِيِّ بْنِ عُمَارَةَ، فَتُقَبِّلُوا رَأْسَهُ، قال: وحَرَمِيٌّ في القوم+. قال أَبُو عِيسَى: =إعجابًا بهذا الحديث+.
قال الإمام الحافظ: وبِرًّا بِوَلَدِهِ حَرَمِيٍّ حُرْمَتِهِ؛ لإفادته هذا الحديث. وعلى حَالِهِ، لم يُخَرِّجْهُ الصحيح.
العربية فيه:
الْقِطْرُ: نَوْعٌ من الْبُرُودِ يُصْنَعُ بِالْيَمَنِ.
الْبَزُّ: الثياب التي لها قَدْرٌ.
الإهَالَةُ: هي الْغِلاَلَةُ من الدُّهْنِ، تَكُونُ على الْمَرَقَةِ رَقِيقَةً.
السَّنِخَةُ: الْمُتَغَيِّرَةُ الرَّائِحَةِ.
الأحكام:
في سبع مسائل:
الأولى: في مَعْنَى التَّرْجَمَةِ، وهي الرُّخْصَةُ في الابتياع إلى أَجَلٍ. فَجَعَلُوهَا رُخْصَةً، وهي في الظاهر عَزِيمَةٌ؛ لأن الله تعالى يقول في مُحْكَمِ كتابه: ×$ yg"'r'¯"t' a ْïد%©! $# آَمَنُوا # sR خ) Lن êZt'#y0s? Aû ّ ïy0 خ/ # n< خ) أَجَلٍ wK|، "B çnqç7çF ٍ2$$ sù÷. فَأَنْزَلَهَا أصلاً في الدَّيْنِ، ورَتَّبَهَا على كثير من الأحكام.
ولَكِنِ الْمَعْنَى في ذلك: أن الْمَرْءَ لَمَّا كان لا يَعْلَمُ هل يُوَافِي ذلك
الأَجَلَ حَيًّا غَنِيًّا، فَتَبْرَأُ ذِمَّتَهُ مما الْتَزَمَ، أم يَأْتِيهِ فقيرًا لا شيء له، أو مَيِّتًا، فلا يُؤَدِّي ما عليه، وتَبْقَى ذِمَّتُهُ مُرْتَهَنَةً به، ولكن أَذِنَ الله في ذلك، إذا خَلَصَتِ النِّيَّةُ في الْعَزْمِ على الأَدَاءِ، ففي الصحيح قال رسول الله *: =مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا، أَدَّى اللهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إتْلاَفَهَا، أَتْلَفَهُ اللهُ+. فإذا ادَّانَ بهذه النِّيَّةِ، جَعَلَ الله له مَخْرَجًا في الدنيا والآخرة.
الثانية: =كَانَ رَسُولُ اللهِ * يَلْبَسُ الْخَشِنَ وَيَأْكُلُ الْبَشِعَ+. لِتَقَلُّلِهِ من الدنيا، وإيثاره ما عند الله تعالى.
الثالثة: مُدَايَنَةُ النبي * لليهود مع أنهم يَأْكُلُونَ الرِّبَا كما أَخْبَرَ الله عنهم: × ô0s%ur نُهُوا çm÷Zt م÷. دليل على أن الله تعالى قد عَفَا لنا عَمَّا يَعْتَقِدُونَهُ، وجُعِلُوا في حَقِّنَا حَلاَلاً ـ وإن كان في حَقِّهِمْ حَرَامًا ـ بانتقاله إلينا منهم بِالْوَجْهِ الجائز بَيْنَنَا وبَيْنَهُم، والانتقالات في التَّمَلُّكَاتِ تُخَالِفُ بين الْمُحَلَّلاَتِ والْمُحَرَّمَاتِ كَشَاةِ بَرِيرَةَ، لَمَّا انْتَقَلَتْ، حَلَّتْ.
وهم عندنا مُخَاطَبُونَ بفروع الشريعة على كل حال، وقد أَخَذَ النَّبِيُّ * ـ كما رَوَى أَبُو عِيسَى ـ شَعِيرًا مِنْ يَهُودِيٍّ، وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ. فَبَيَّنَ جواز معاملتهم مع تجارتهم بِالرِّبَا والْخَمْرِ، وسَاقَاهُمْ خَيْبَرَ عَلَى شَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا.
وكَرِهَ بعض العلماء مُسَاقَاةَ الذِّمِّيِّ في الْكَرْمِ، إلا أَنْ يَأْمَنَ أن يَعْمَلَ منه خَمْرًا. وهذا مِمَّا لا يَلْزَمُ في الدِّينِ؛ فإنه مِمَّا عَفَا الله عنه عند المسلمين، وأَبَاحَهُ لهم منهم؛ فَعَامِلْهُمْ، وسَاقِهِمْ، وخُذْ أموالهم؛ فقد سَنَّ رسول الله * ذلك فيهم.
الرابعة: قوله: =وَلَقَدْ أَمْسَى آلُ مُحَمَّدٍ فِي تِسْعَةِ أَبْيَاتٍ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ لاَ صَاعُ تَمْرٍ، وَلاَ صَاعُ بُرٍّ+. قد كَانَ يُقِيمُ الأَيَّامَ الثَّلاَثَةَ كَذَلِكَ،
وَالشَّهْرَ لاَ تُوقَدُ عِنْدَهُمْ نَارٌ. والأَنْوَارُ تَغْشَاهُمْ من فوقهم، ومن تحتهم، وعن أَيْمَانِهِمْ، وعن شَمَائِلِهِم، ومن أمامهم، ومن خَلْفِهِمْ.
الخامسة: رَهْنُهُ دِرْعَهُ دليل على جواز رَهْنِ آلَةِ الْحَرْبِ في بَلَدِ الجهاد عند الحاجة إلى الطعام، ويُقَدَّمُ ذلك على الحاجة إليها في الحماية لِلْبَيْضَةِ، والدفاعِ عن الْمِلَّةِ؛ لأنه إذا تَعَارَضَ أمران، قُدِّمَ الأَهَمُّ، والحاجة إلى الْقُوتِ أَهَمُّ، فَقُدِّمَتْ.
السادسة: قول عَائِشَةَ رَضِيَ الله عنها: =إلَى الْمَيْسَرَةِ+. لم تُرِدْ به: إلى أن تَسْتَغْنِيَ بما يُؤْتِيكَ الله؛ لأنه أَجَلٌ مجهول، ولا يَجُوزُ بإجماع من الأُمَّةِ. وإنما تَعْنِي به: إلى وَقْتِ رَجَاءِ الْمَيْسَرَةِ، وذلك في وقت الْجَدَادِ والْحَصَادِ، والْبَيْعُ إليه جائز عندنا.
وقال الشَّافِعِيُّ وأَبُو حَنِيفَةَ: هو مجهول، ولا يَجُوزُ أن يُجْعَلَ وَاحِدٌ منهما أَجَلاً.
قلنا: بل هو معلوم بلا إشكال، ويُجْعَلُ الأَدَاءُ فيه ـ إذا سُمِّيَ ـ في مُعْظَمِهِ وأَكْثَرِهِ، وقد بَيَّنَّاهُ في =مسائل الخلاف+.
السابعة: رَهْنُ السلاح مع الحاجة إليها في زمن الجهاد عند الحاجة إلى الطعام. فَيُقَدَّمُ الأَهَمُّ، فَالأَهَمُّ، والله أعلم.
بَابُ كِتَابَةِ الشُّرُوطِ
قال الإمام الحافظ أَبُو بَكْرِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ ": الشَّرْطُ في العربية: هو الْعَلاَمَةُ، ومنه أَشْرَاطُ السَّاعَةِ، وهو عبارة عن كل شيء يَدُلُّ على غيره، ويُعْلَمُ من قِبَلِهِ.
ولَمَّا كانت الْعُقُودُ يُعْرَفُ بها ما جَرَى، سُمِّيَتْ شروطًا. وسُمِّيَتْ وَثَائِقَ، من الْوَثِيقَةِ، وهي رَبْطُ الشيء؛ لِئَلاَّ يَتَفَلَّتَ ويَذْهَبَ. وسُمِّيَتْ
عُقُودًا؛ لأنها رُبِطَتْ كِتَابَةً، كما رُبِطَتْ قَوْلاً.
وقد أَمَرَ الله بذلك في كتابه العزيز بقوله سبحانه: ×# sR خ) Lن êZt'#y0s? Aû ّ ïy0 خ/ # n< خ) أَجَلٍ wK|، "B çnqç7çF ٍ2$$ sù÷. وقد أَتَيْنَا بِحَمْدِ الله على جُمْلَةٍ من البيان، تُوفِي على الغاية بالإنسان في هذه الآية في كتاب تفسير القرآن: =أَحْكَامِهِ+، و=نَاسِخِهِ ومَنْسُوخِهِ+. وذَكَرْنَا اختلاف الناس في ذلك.
والصحيح منه: أن الْحَقَّ في الكتابة والشهادة لِلْمُتَعَامِلَيْنِ، فَمَنْ دَعَا منهما إليها، لَزِمَ الآخَرَ الإجَابَةُ إليه، وإذا ابْتَدَرَاهَا، كانت [مُسْتَحَبَّةً].
[1216] وقد ذَكَرَ أَبُو عِيسَى في الباب حديث الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدِ بْنِ هَوْذَةَـ وليس في الباب غَيْرُهُ ـ مُخْتَصَرًا.
وكذلك ما أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ الأَزْدِيُّ، قال: أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ، قال: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ (أَحْمَدَ بْنِ مَهْدِيٍّ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ، فَذَكَرَ أَسَانِيدَ منها:
وحَدَّثَنَا (عُثْمَانُ بْنُ) أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ) عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ لَيْثٍ صَاحِبُ الْكَرَابِيسِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ وَهْبٍ (أَبُو وَهْبٍ)، قال: قال لِيَ الْعَدَّاءُ بْنُ خَالِدِ بْنِ هَوْذَةَ: =أَلاَ أُقْرِئُكَ كِتَابًا كَتَبَهُ لِي رَسُولُ اللهِ *؟ +. فَذَكَرَهُ.
وقال: =عَبْدًا، أَوْ أَمَةً. شَكَّ عَبَّادُ بْنُ لَيْثٍ+. وهو صَاحِبُ الْكَرَابِيسِ، لم يَرْوِهِ غَيْرُهُ، قال أَبُو عِيسَى: حديث حَسَنٌ غريب.
[الفوائد:]
وفيه تِسْعُ فوائد:
الأولى: البداية باسم الناقص قَبْلَ الكامل في الشروط، والأَدْنَى قَبْلَ الأَعْلَى؛ لِمَعْنَى أنه الذي اشْتَرَى. فلما كان هو الذي طَلَبَ، أَخْبَرَ عن الحقيقة كما وَقَعَتْ وكَتَبَ، حتى يُوَافِقَ الْمَكْتُوبُ الْمَقُولَ، ويُذْكَرَ على وَجْهِهِ في الْمَنْقُولِ.
الثانية: الفائدة في كَتْبِ رَسُولِ الله * ذلك له ـ وهو مِمَّنْ يُؤْمَنُ عَهْدُهُ، ولا يَجُوزُ عليه أبدًا نَقْضُهُ ـ التَّعْلِيمُ لِلْخَلْقِ. حتى إذا كان هو مع أَمْنِ ذلك فيه يَفْعَلُهُ، فكيف بغيره الذي لا يُؤْمَنُ عليه تَبَدُّلُ الأحوال عند تَقَادُمِ الأزمان، وتَغَيُّرُ القلوب عن الْحَقِّ، وتَرَدُّدُهَا بين الإقرار والإنكار بِنَزَغَاتِ الشيطان؟!
الثالثة: أَنَّ ذلك على الاستحباب؛ لأنه قد بَاعَ وابْتَاعَ حتى من الْيَهُودِ، ولم يَكُنْ في الصَّفْقَةِ شُهُودٌ. ولو كان أمرًا مفروضًا في الشريعة، لَقَامَ به * قبل الْخَلْقِ.
الرابعة: يَكْتُبُ الرَّجُلُ اسْمَهُ واسْمَ أَبِيهِ وجَدِّهِ، حتى يَنْتَهِيَ إلى جَدٍّ يَقَعُ به التعريف، ويَرْتَفِعُ الاشتراك الْمُوجِبُ للإشكال عند الاحتياج إلى النَّظَرِ؛ أَلاَ تَرَى إلى قوله: =مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ+. فَوَقَعَ التعريف، وارْتَفَعَ الإشكالُ بِالاسْمَيْنِ، فلم يَزِدْ عليه.
الخامسة: لا يُحْتَاجُ إلى ذِكْرِ النَّسَبِ، إلا إذا أَفَادَ تعريفًا، ورَفَعَ إشكالاً.
والنَّاسُ اليوم يَكْتُبُونَهُ افْتِخَارًا، ورُبَّمَا قَصَدَ به مَنْ ليس بمشهور إلى ذِكْرِهِ لِحِيَازَتِهِ لَهُ. ولا يُحْتَاجُ إلى ذِكْرِ الْبَلَدِ، إلا لِرَفْعِ الإشكالِ عند تَوَقُّعِ الاشتراك.
السادسة: قوله: =هَذَا مَا اشْتَرَى الْعَدَّاءُ مِنْ رَسُولِ اللهِ، اشْتَرَى مِنْهُ+. فَكَرَّرَ لفظ =اشْتَرَى+، وقد كان الأول يَكْفِي، ولكنه لَمَّا كانت
الإشارة بـ=هذا+ إلى الْمَكْتُوبِ، ذَكَرَ الاشتراء في الْقَوْلِ الْمَنْقُولِ.
السابعة: قوله: =عَبْدًا+. ولم يَصِفْهُ، ولا ذَكَرَ الثَّمَنَ ولا قَبْضَهُ، ولا قَبْضَ (الْعَدَّاءِ للذي) اشْتَرَى، واقْتَصَرَ على قوله: =لاَ دَاءَ+. وهو ما كان في الْجَسَدِ والْخِلْقَةِ. =وَلاَ خِبْثَةَ+. وهو ما كان في الْخُلُقِ. =وَلاَ غَائِلَةَ+. وهو سكوت البائع على ما يَعْلَمُ مِنْ مكروه في الْمَبِيعِ.
(وهذا الذي) قَصَدَ النبي * ـ والله أعلم ـ إلى كِتْبَةِ الشُّرُوطِ لِسَبَبِهِ؛ لِيُبَيِّنَ كيف يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَمَلُ الْمُسْلِمِ في بَيْعِهِ.
فأما تلك الزيادات، فإنما أَحْدَثَهَا الشُّرُوطِيُّونَ لما حَدَثَ في العالم من التَّخَاذُلِ والْخِيَانَةِ، فَكُلُّ مَعْنًى يُتَوَقَّعُ أن يَقُومَ به، جَعَلُوا له وَصْفًا، وعَيَّنُوا فيه فَصْلاً، وأَدْخَلُوهُ شَرْطًا، حتى أَدْخَلُوا من ذلك ما لا يَجُوزُ، وتَحَيَّلُوا فيه؛ لِيَجُوزَ، فلم يَجُزْ، ولا يَجُوزُ أبدًا وإنْ أَمْضَوْهُ وجَوَّزُوهُ، فالله ورسوله كَانَ أَحَقَّ أن يُرْضُوهُ.
الثامنة: قوله: =بَيْعَ الْمُسْلِمِ الْمُسْلِمَ+. (قال في صَدْرِ الْعَقْدِ: =اشْتَرَى+. ثم قال: =بَيْعَ الْمُسْلِمِ الْمُسْلِمَ+). لِيُبَيِّنَ أن الشِّرَاءَ والْبَيْعَ واحد. وقد فَرَّقَ بينهما أَبُو حَنِيفَةَ، وجَعَلَ لكل واحد حُكْمًا منفردًا، والْكَلاَمُ في ذلك طويل، وإنْ قَلَّ فيه التَّحْصِيلُ، وقد بَيَّنَّاهُ في =مسائل الخلاف+.
التاسعة: في هذا الحديث تَوَلِّي الرَّجُلِ الْبَيْعَ بِنَفْسِهِ. وذَكَرَ بعضهم في حديث الْيَهُودِيِّ تَوَلِّيَ الرَّجُلِ الشِّرَاءَ بِنَفْسِهِ. وكَرِهَهُ بعضهم؛ لِئَلاَّ يُسَامَحَ ذُو الْمَنْزِلَةِ، فَيَكُونَ نَقْصًا مِنْ أَجْرِهِ، (وجَازَ ذلك للنبي *؛ لِعِصْمَتِهِ في نَفْسِهِ).
بَابُ المِكْيَالِ وَالمِيزَانِ
[1217] ذَكَرَ حديث عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قال: =قَالَ رَسُولُ اللهِ
* لأَصْحَابِ الْكَيْلِ وَالْمِيزَانِ: إنَّكُمْ قَدْ وُلِّيتُمْ أَمْرَيْنِ هَلَكَتْ فِيهِمَا الأُمَمُ السَّالِفَةُ قَبْلَكُمْ+. وقال: يَرْوِيهِ حُسَيْنُ بْنُ قَيْسٍ، عن عِكْرِمَةَ، وهو يُضَعَّفُ في الحديث، والصحيح وَقْفُهُ على ابْنِ عَبَّاسٍ.
قال الإمام الحافظ: الأصل في أمر الْمِكْيَالِ والْمِيزَانِ الْقُرْآنُ، قال الله سبحانه: ×~ wr& تَطْغَوْا خ û ب b#u چ دJّ9$#÷. وما ذَكَرَ الله مُخْبِرًا عن شُعَيْبٍ [-] مع قومه في ذلك.
وقد رَوَى مَالِكٌ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا مَقْطُوعًا: =مَا نَقَصَ قَوْمٌ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ، إلاَّ قُطِعَ عَنْهُمُ الرِّزْقُ+. قال علماؤنا: أَرَادُوا التَّكْثِيرَ من المال بغير طريقه، فَقَطَعَ الله عنهم الرِّزْقَ من عنده.
وقد رُوِيَ: =الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَالْمِيزَانُ مِيزَانُ أَهْلِ مَكَّةَ+. وقال النبي * (في الْمَدِينَةِ): =اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ+. وقال مَالِكٌ لأَشْهَبَ: =الْبَرَكَةُ في صَاعِنَا أكثر مِمَّا عندكم+.
بَابُ بَيْعِ مَنْ يَزِيدُ
[1218] ذَكَرَ حديث الأَخْضَرِ بْنِ عَجْلاَنَ، عن عَبْدِ اللهِ الْحَنَفِيِّ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: =أَنَّ رَسُولَ اللهِ * بَاعَ حِلْسًا وَقَدَحًا، فِيمَنْ يَزِيدُ، وَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِي هَذَا الْحِلْسَ وَالْقَدَحَ؟ فَقَالَ رَجُلٌ: أَخَذْتُهُمَا بِدِرْهَمٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ *: مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ؟ فَأَعْطَاهُ رَجُلٌ دِرْهَمَيْنِ، فَبَاعَهُمَا مِنْهُ+. قال: وقد رَوَاهُ عن الأَخْضَرِ غَيْرُ وَاحِدٍ من كبار الناس.
قال الإمام الحافظ: هذا مُبِيِّنٌ لحديث النَّهْيِ عَنِ الْبَيْعِ عَلَى بَيْع أَخِيهِ. وأَنَّ ذلك مخصوص عند التَّرَاكُنِ والاقتراب من الإنفاذ، فأما حَالُ التَّسْوِيقِ وطَلَبِ الزيادة قَبْلَ ذلك، فلا بأس به، وعليه يَدُلُّ الحديث.
وقد ذَكَرَ أَبُو عِيسَى عن بعضهم أنه يَجُوزُ في الْغَنَائِمِ والْمَوَارِيثِ.
والباب وَاحِدٌ، والْمَعْنَى مُشْتَرَكٌ، لا تَخْتَصُّ به غَنِيمَةٌ ولا مِيرَاثٌ.
بَابُ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ
[1219] ذَكَرَ حديث عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: =أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ+. وذَكَرَ الحديث.
ولفظ الْبُخَارِيِّ في الصحيح: =أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ دَبَّرَ مَمْلُوكًا لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ *، فَدَعَا بِهِ، وَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ، فَأَخَذَ ثَمَنَهُ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ. قَالَ جَابِرٌ: عَبْدًا قِبْطِيًّا مَاتَ عَامَ أَوَّلَ+.
زَادَ غيره في الصحيح: =فَدَفَعَهَا إلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: ابْدَأْ بِنَفْسِكَ، فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإنْ فَضِلَ شَيْءٌ، فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإنْ فَضِلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ، فَهَكَذَا وَهَكَذَا. يَقُولُ: مِنْ بَيْنِ يَدَيْكَ، وَعَنْ يَمِينِكَ، وَعَنْ شِمَالِكَ+.
وفي رواية: =مِنْ بَنِي عُذْرَةَ+.
الإسناد:
قال علماؤنا: إنما صوابه: نُعَيْمٌ النَّحَّامُ؛ (لأن النبي * قال لِنُعَيْمٍ هذا: =دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، فَسَمِعْتُ نَحْمَةً، فَالتَفَتُّ، فَإذَا هُوَ أَنْتَ. فَبِهِ سُمِّيَ النَّحَّامَ+). والنَّحْمَةُ: السَّعْلَةُ.
العارضة:
(في فوائد):
الأولى: في حقيقة التَّدْبِيرِ. وهو عِتْقُ الرَّجُلِ مَمْلُوكَهُ بعد موته، إما بلفظ التَّدْبِيرِ، وإما بأن يقول له: إذا مِتُّ، فَأَنْتَ حُرٌّ، فإن الْمَعْنَى وُجِدَ، وإن لم يَكُنْ لَفْظٌ، والأحكام إنما تَثْبُتُ بمعاني الألفاظ، لا بِقُشُورِهَا.
وهو عَقْدٌ لازم عندنا، لا يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ الرجوع فيه، وبه قال أَبُو حَنِيفَةَ.
وقال الشَّافِعِيُّ: هو غير لازم، ويَرْجِعُ فيه متى شَاءَ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ، والدليل على أنه بِمَنْزِلَتِهَا الْحَقِيقَةُ والْحُكْمُ، أما الحقيقة؛ فلأن عِتْقَهُ بعد موته، وأما الْحُكْمُ؛ فلأنه في الثُّلُثِ بالإجماع، إلا عند مَسْرُوقٍ، ولولا كَوْنُهُ وَصِيَّةً لا تُعْتَبَرُ إلا بعد الموت، لَخَرَجَ من رأس المال كَالْمُعْتَقِ إلى أَجَلٍ.
قال علماؤنا: لَمَّا عَلَّقَ الْعِتْقَ على صِفَةٍ، اسْتَحَقَّهُ ضَرُورَةً، وإنما قُضِيَ فيه بِالثُّلُثِ؛ لأنه حُكْمٌ يَظْهَرُ بعد الموت، وكل حُكْمٍ يَظْهَر بعد الموت، فهو في الثُّلُثِ، كان وَصِيَّةً أو تَدْبِيرًا.
فإن تَعَلَّقُوا بالحديث الْمُتَقَدِّمِ.
قلنا: هذا الحديث ليس من النبي * بِمَقَالٍ يَلْزَمُ الانقياد إليه على كل حال، وإنما هو قَضِيَّةٌ في عَيْنٍ، وحِكَايَةٌ في حال، فلا تُعَدَّى إلى غيرها إلا بدليل، هكذا إذا كانت مُجَرَّدَةً من الاحتمال، وإذا تَطَرَّقَ إليها التأويل، سَقَطَ منها الدليل.
والذي يَدُلُّ على الاحتمال فيها وأنها خارجة عن طريق الاحتجاج قَوْلُهُ: =وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُ+. ولو كان بَيْعُهُ؛ لأَنَّ التَّدْبِيرَ لا يَقْتَضِي مَنْعًا، ولا يُوجِبُ عِتْقًا، لم يَكُنْ لِذِكْرِ الرَّاوِي قَوْلَهَ: =وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُ+. مَعْنًى، ولا يَجُوزُ إسقاط بعض الحديث والتَّعَلُّقُ ببعضه.
ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ سَفِيهًا، فَرَدَّ النبي * فِعْلَهُ، وعليه حَمَلَهُ الْبُخَارِيُّ وبَوَّبَ بِهِ، وأَدْخَلَهُ في الباب.
وقال بعض العلماء: بَاعَهُ في دَيْنٍ. وهذا باطل؛ فَإنَّا قد بَيَّنَّا في
الصحيح أنه دَفَعَهُ إليه، وأَمَرَهُ أن يَعُودَ به على قَرابَتِهِ وعليه في مَعَاشِهِ ودِينِهِ.
وقد قال جماعة من العلماء: تُرَدُّ أفعال السَّفِيهِ، والله أعلم.
بَابُ كَرَاهِيَةِ تَلَقِّي الْبُيُوعِ
[1220] خَرَّجَ عن أَبِي عُثْمَانَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَُِلٍّ الْنَّهْدِيِّ، عن ابْنِ مَسْعُودٍ، عن النبي *: =أَنَّهُ نَهَى عَنْ تَلَقِّي الْبُيُوعِ+.
[1221] وذَكَرَ عن أَبِي هُرَيْرَةَ: =أَنَّ النَّبِيَّ * نَهَى أَنْ يُتَلَقَّى الْجَلَبُ، فَإنْ تَلَقَّاهُ إنْسَانٌ فَابْتَاعَهُ، فَصَاحِبُ السِّلْعَةِ فِيهَا بِالْخِيَار، إذَا وَرَدَ السُّوقَ+. وصَحَّحَ حديث ابْنِ مَسْعُودٍ، واسْتَغْرَبَ حديث أَبِي هُرَيْرَةَ وحَسَّنَهُ، وأَدْخَلَ معه ثَمَانِيَةَ أَحَادِيثِ أُصُولٍ في ثَمَانِيَةِ أبواب من الْمَنَاهِي.
وقد بَيَّنَّا في كتاب =الأحكام+ أن النبي * نَهَى عن سِتَّةٍ وخَمْسِينَ بَيْعًا، منها في الصحيح ( ... )، وباقيها في الْحِسَانِ. ونحن نَسُوقُ ذلك في هذه العارضة على الاختصار، فنقول:
البيع الأول: بَيْعُ التَّلَقِّي.
قد بَيَّنَّا في كتاب =الْقَبَسِ+ أن النَّهْيَ عن تَلَقِّي الرُّكْبَانِ مَبْنِيٌّ على قاعدة المصالح من القواعد الْعَشْرِ التي انْبَنَتْ عليها أحكام المعاوضات، فإنها تَرْجِعُ إلى مراعاة حَقِّ الْجَالِبِ في حِفْظِهِ من الْغَبْنِ في سِلْعَتِهِ، أو إلى مراعاة حَقِّ الْبَلَدِيِّ في مَنْعِهِ من الظَّفَرِ بِطَلِبَتِهِ. وقد اخْتَلَفَ العلماء في ذلك على قولين:
فَرَآهُ مَالِكٌ والْحَنَفِيُّ لِحَقِّ الْبَلَدِيِّ.
ورَآهُ اللَّيْثُ والأَوْزَاعِيُّ والشَّافِعِيُّ لِحَقِّ الْجَالِبِ.
وقال مَالِكٌ: يُنَكَّلُ مَنْ فَعَلَ ذلك. وقال ابْنُ الْقَاسِمِ: يُؤَدَّبُ، إلا أن يُعْذَرَ
بِالْجَهْلِ، ويَكُونُ أهل السُّوقِ أَشْرَاكًا له ـ إنْ كان لها سُوقٌ ـ (إن شَاءُوا، فإن لم يَكُنْ لها سُوقٌ)، عُرِضَتْ على الناس.
وقال مَالِكٌ في حَدِّ التَّلَقِّي: الْمِيلَ في رواية. والْفَرْسَخَيْنِ في أخرى. والْيَوْمَيْنِ في رواية ابْنِ وَهْبٍ.
وقال الشَّافِعِيُّ: هو بِالْخِيَارِ إذا بَلَغَ السُّوقَ واطَّلَعَ على الْغَبْنِ. قال اللَّيْثُ: ويُبَاعُ له إذا رُئِيَ الْغَبْنُ عليه، ولم يَعْلَمْ هو به. وهذا هو مَذْهَبُ أَبِي هُرَيْرَةَ، على ما وَرَدَ من تفسيره في الحديث؛ فإنه مِنْ قوله.
وقال الْغَيْرُ: يُفْسَخُ الْبَيْعُ؛ لأنه عَمَلٌ على غير الأَمْرِ كما قال *: =مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا، فَهْوَ رَدٌّ+.
والصحيح عندي أنه لمراعاة الْحَقَّيْنِ؛ لأن اجتماعهما لا يَتَنَاقَضُ، ولا يَجُوزُ الإضرار بواحد منهما، ولا يُفْسَخُ إنْ نَزَلَ؛ لِمَا قَرَّرْنَاهُ في الأصول و=مسائل الخلاف+ وغير ذلك.
وقال ابْنُ الْقَاسِمِ: لا يُفْسَخُ إذا فَاتَ. وهذا يَقْتَضِي الْفَسْخَ قبل الْفَوْتِ، والأول أَصَحُّ.
[1224] الثاني: =الْمُحَاقَلَةُ+. وهي مُشْتَقَّةٌ من الْحَقْلِ، وهو الْقَرَاحُ من الأرض.
الثالث: =الْمُزَابَنَةُ+. وقد فسرنا في الحديث الصحيح من تفسير الصاحب الراوي لها: =فَالْمُحَاقَلَةُ: اكْتِرَاءُ الأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ. وَالْمُزَابَنَةُ: بَيْعُ الثَّمَرِ فِي رُؤُوسِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ+. ثم حُمِلَ ذلك على كل رَطِبٍ بِيَابِسٍ، ثم حُمِلَ على كل بَيْعٍ آلَ مِنَ الْفَسَادِ إلى التَّدَافُعِ، مَأْخُودٌ مِنَ الزَّبْنِ، وهو الدَّفْعُ.
وقال مَالِكٌ: =الْمُزَابَنَةُ: كُلُّ شيء مِنَ الْجُزَافِ الذي لا يُعْلَمُ كَيْلُهُ،
ولا وَزْنُهُ، ولا عَدَدُهُ، ابْتِيعَ بشيء مِنَ الْمُسَمَّى مِنَ الْكَيْلِ والْوَزْنِ والْعَدَدِ+. واختصاره: بَيْعُ المجهول بالمعلوم. وهو نوع من الفساد، يَرْجِعُ إلى قاعدة الْغَرَرِ.
وفائدة الاختلاف في ذلك: أن يُعْلَمَ الْمُسَمَّى من النبي * بِالنَّهْيِ، ثم يُرَكَّبَ عليه غَيْرُهُ، وكأنها كانت عندهم بُيُوعٌ يَنْتَحُونَهَا، وَقَعَ الاهتمام بها لِوُقُوعِهَا، فَأَجَابَ النبي * عنها، وفُهِمَ منها سِوَاهَا.
وامْتِنَاعُ كِرَاءِ الأرض بِالْحِنْطَةِ منها يُسْتَمَدُّ من قاعدة الْغَرَرِ، وامْتِنَاعُ كِرَائِهَا بِالْحِنْطَةِ من غيرها محمول على الأَوَّلِـ ولذلك خَالَفَ فيه مَنْ لم يُوَافِقْ على الأَوَّلِ، وهو الأَكْثَرُ ـ فإما أَخَذَ بعموم الحديث، (وإما رَكَّبَ) قاعدة مَالِكٍ في الذرائع؛ فإنه يُؤَدِّي إلى طعام بطعام إلى أَجَلٍ.
وقد جَوَّزَهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وأَبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ، وهو بَحْرٌ لا يَنْزِفُ، وما رَأَيْتُ أحدًا من العلماء أَتْقَنَهُ إلا النَّسَائِيَّ، فإنه وَضَعَ فيه جزءًا مُفْرَدًا.
وأَجَازَ اللَّيْثُ كِرَاءَهَا بما يَخْرُجُ منها، وهو مَذْهَب أهل الأَنْدَلُسِ، وهو أَخَفُّ في مخالفة مَالِكٍ؛ لأنه غَرَرٌ، وليس بِرِبًا.
ومَنْ جَوَّزَهُ قال: ليس بِغَرَرٍ، إن حَصَلَ شَيْءٌ، شَارَكَهُ بِالنَّصِيبِ كَالرِّبْحِ في الْقِرَاضِ، وإن لم يَحْصُلْ له شَيْءٌ، (لم يَكُنْ له شَيْءٌ). وهذا قَوِيٌّ جِدًّا.
وأما بيع الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ، فَفِيهِ النَّصُّ، ولَسْتُ أَرَاهُ، وعليه يُحْمَلُ كُلُّ رَطِبٍ ويَابِسٍ، وجَهِلَ أَبُو حَنِيفَةَ هذا، على فَهْمِهِ وتَعَلُّقِهِ بالاستنباط، وهَبْكُمْ يا أَصْحَابَهُ أَنْكَرَ =
[1225] [1225ـ م] =حَدِيثَ زَيْدٍ أَبِي عَيَّاشٍ، فما يَصْنَع في حديث ابْنِ عُمَرَ في نَهْيِ النَّبِيِّ * عَنِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ؟!
[1222] الرابع: =بَيْعُ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي+. ثَبَتَ النَّهْيُ عنه، ولا بُدَّ من معرفة المراد به، فإن الْحَاضِرَ في العربية: مَنْ كان مُقِيمًا على الماء. والْبَادِيَ: مَنْ كان مِنْ أبناء ماء السماء. وكذلك فَسَّرَهُ فَقِيهُ الْعَرَبِ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ".
وفي النَّسَائِيِّ عن أَبِي حَازِمٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ: أن النبي * قال: =لاَ يَبِعِ (الْمُهَاجِرُ لِلأَعْرَابِيِّ+. وهو سواء في الْمَعْنَى، فإن كان الرجل من الحاضرة على الماء دَخَلَ إلى الأمصار، فإنه لا يَدْخُلُ في حديث: =لاَ يَبِعْ) حَاضِرٌ لِبَادٍ+. وكذلك أهل الْمَدَائِنِ من أهل الرِّيفِ، ليس بالبيع بأسٌ مِمَّنْ يُرَى أنه يَعْرِفُ السَّوْمَ، إلا مَنْ كان منهم يُشْبِهُ أهل البادية، قال مَالِكٌ: فلا أُحِبُّ أن يَبِيعَ لهم حَاضِرٌ.
وقد جَاءَ في الحديث مُفَسَّرًا: =لاَ يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا+. ثَبَتَ في الصحيح من تفسير الراوي.
[1223] ومَعْنَى النَّهْيِ عن ذلك غريب؛ ففي الحديث كما ذَكَرَ أَبُو عِيسَى: =لاَ يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ؛ دَعِ النَّاسَ يَرْزُقُ اللهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ+. وهذا يَقْتَضِي أن يُتْرَكَ البَْدَوِيُّ يُسَاوِمُهُ الْحَضَرِيُّ، فما أَعْطَاهُ مِمَّا يَرْضَى به الْبَدَوِيُّ، فَجَائِزٌ انعقاد الصَّفْقَةِ به، وهذا يُعَارِضُهُ حديثان:
أحدهما: الْعَامُّ قوله: =بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ * عَلَى النُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ+. وحقيقة النُّصْحِ: أَلاَّ تَرْضَى له إلا ما تَرْضَى لنفسك. وأَنْتَ لا تَرْضَى لنفسك بِغَبْنِ حَبَّةٍ، فلا تَغْبِنْهُ فيها.
الثاني: الحديث الْخَاصُّ: =لاَ تَلَقَّوُا السِّلَعَ+. على أَحَدِ التَّأْوِلَيْنِ.
فأما هذا الْمُعَارِضُ الثاني، فَوَجْهُ التَّفَصِّي منه: أن يُحْمَلَ على أن مَعْنَى: =لاَ تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ+. لِحَقِّ أهل الْحَاضِرِ.
وأما التأويل الآخَرُ الذي يُعَارِضُهُ النُّصْحُ، فقد عَسِرَ على كثير من الناس وَجْهُ الخروج عنه، قال بعضهم: قوله: =الدِّينُ النَّصِيحَةُ+. عَامٌّ، وهذا خَاصٌّ، والْخَاصُّ يَقْضِي على الْعَامِّ.
قال الإمام الحافظ: وهذا ممكن لو كان في غير الضَّرَرِ، فأما الإضرارُ بِأَحَدٍ في ماله، فلا يَجُوزُ، والْمَعْنَى فيه عندي ـ والله الْمُوَفِّقُ ـ: أنه نَهَى عن بيع الْحَاضِرِ لِلْبَادِي؛ لاختصاص الْحَاضِرِ بما يَسْتَفِيدُهُ من الْبَادِي إذا بَاعَ له، وأَحْكَمَتِ الشريعة أن يَكُونَ الْبَادِي يَتَوَلَّى بَيْعَهُ بنفسه، فإذا عَرَضَهُ ورَآهُ كُلُّ أحد، ارْتَفَعَ الْحَرَجُ عن الذي اشْتَرَاهُ وإن كان بِأَقَلَّ من القيمة.
[تركيب]:
تَرَكَّبَ على هذا مَسَائِلُ أَرْبَعٌ:
الأولى: إذا ثَبَتَ أن ذلك حَقٌّ لِلْحَضَرِيِّ، فقد قال مَالِكٌ في الْبَدَوِيِّ يَقْدَمُ الْمَدِينَةَ، فَيَسْأَلُ الْحَضَرِيَّ عن السِّعْرِ، قال: لا يُخْبِرْهُ به ـ يَعْنِي: لِحَقِّ أهل الْحَاضِرَةِ في الذي يَرْجُونَهُ من رُخْصِهِ.
والذي يُحِقِّقُ لكم المسألة ويَكْشِفُ غِطَاءَهَا أن هذا الْبَدَوِيَّ إن طَلَبَ أن يَأْخُذَ ما اتَّفَقَ له، أَخَذَهُ بِأَوَّلِ عَطَاءٍ، وإن أَرَادَ أن يَسْتَوْفِيَ الْمَشْيَ بها، حتى يَكُونَ سِمْسَارَ نَفْسِهِ، كان ذلك له، فهو إذًا تَرَكَ الاجتهاد لنفسه ـ كذا رَوَى عنه ابْنُ الْقَاسِمِ.
الثانية: تَرَكَّبَ على هذا لا يَبِيعُ حَضَرِيٌّ لِحَضَرِيٍّ. كذا قال عنه مع ابْنِ وَهْبٍ. ووَجْهُهُ الْمَعْنَى الذي في بَيْعِ الْحَضَرِيِّ لِلْبَدَوِيِّ بِعَيْنِهِ، تَرَكَّبَ على هذا، فَرُكِّبَ عليه.
الثالثة: إن أَرْسَلَ قَرِيبٌ أو صَدِيقٌ إلى قَرِيبٍ أو صَدِيقٍ له في بَلَدٍ
آخَرَ بِضَاعَةً لِيَبِيعَهَا، قال: لا يَبِعْ له؛ للعلة المذكورة.
وقال أَبُو حَنِيفَةَ: يَبِيعُ الْحَاضِرُ لِلْبَادِي، كما قال مُجَاهِدٌ: إنما كان ذلك في صَدْرِ الإسلام، ثُمَّ نُسِخَ. ومنهم مَنْ قال: كان الناس في ذلك الزمان على بَلَهٍ، فأما اليوم فقد تَحَذْلَقُوا وعَرَفُوا كُلَّ مَعْنًى وتَحَقَّقُوا.
وقد قال الأَوْزَاعِيُّ: لا يَبِيعُ له، ولكن يُخْبِرُهُ. لأن السؤال إذا وَقَعَ، فقد وَجَبَ النُّصْحُ والصِّدْقُ جَوَابًا لِلاِسْتِشَارَةِ، و=الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ+.
وقال مَالِكٌ: فِِي الْمَعَارِيضِ مَنْدُوحَةٌ؛ يَأْخُذُ له في حديثٍ آخَرَ بِحَقِّ اللفظ، مِثْلَ أن يقول له: ما سِعْرُ هذه السِّلْعَةِ؟ فيقول له: أنا لَسْتُ من أهل السُّوقِ. فَيَصْدُقُ، ولا يَكُونُ جَوَابًا لمراده.
الرابعة: إذا قلنا: لا يَبِيعُ له، فقد اخْتَلَفَ قول مَالِكٍ هل يَشْتَرِي له، وآخِرُ قوله أَلاَّ يَشْتَرِيَ له. وهو الصحيح؛ لِوَجْهَيْنِ:
أحدهما: أن الشِّرَاءَ هو الْبَيْعُ؛ قال الله تعالى: × çn÷ru} x°ur بِثَمَنٍ <ّ' r2÷. وقال النبي *: =الْمُتَبَايِعَانِ بالخِيَارِ+. وهو اختيار ابْنِ حَبِيبٍ.
وهو الصحيح في الدليل.
وقد قَدَّمْنَا أن الناس اليوم قد عَرَفُوا المعاني، فكأنه قَدِ ارْتَفَعَ مَعْنَى هذا الحديث.
[1226] الخامس: =بَيْعُ التمر قَبْلَ بُدُوِّ صلاحها+. مسألة بَدِيعَةٌ، اخْتَلَفَ العلماء فيها، فَعَنْ علمائنا فيها روايتان:
إحداهما: أنه إذا بَاعَهَا مُطْلَقًا، فَسَدَ البَيْعُ في مشهور مَذْهَبِنَا ـ وبه قال الشَّافِعِيُّ ـ حتى يَشْتَرِطَ على المُبْتَاعِ الجَدَّ في الْحِين.
وقال أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ البَيْعُ، ويُؤْمَرُ بِجَدِّهَا بِحُكْمِ العَقْدِ. وهي
الرواية الأخرى لنا. وقد ثَبَتَ أن النبي * =نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا، نَهَى البَائِعَ وَالمُبْتَاعَ+. والنَّهْيُ يَقْتَضِي التحريم وفساد المَنْهِيِّ عنه، وقد نَهَى * عن البيع ومَنَعَهُ، ومَدَّ البيع إلى غاية، هي بُدُوُّ الصلاح، فلا يَجُوزُ وجوده قبلها.
وقال المُخَالِفُ: ثَبَتَ في الصحيح عن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: =أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ الثِّمَارَ قَبْلَ بُدُوِّ صَلاَحِهَا، ثُمَّ يَقُولُونَ: أَصَابَ الثَّمَرَةَ الدُّمَانُ، أَصَابَهَا القُشَامُ ـ عَاهَاتٌ يَحْتَجُّونَ بِهَاـ فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ * ذَلِكَ كَالمَشُورَةِ لَهُمْ+.
قلنا: ثَبَتَ في الصحيح أنه قال لهم: =أَرَأَيْتَ إنْ مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ، فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟! +. وهذا قُوْلُهُ المَعْنَى الذي يَدْفَعُ الظُّنُونَ.
وقوله: =كَالْمَشُورَةِ لَهُمْ+. يَعْنِي به: إعْلاَمَهُمْ واسْتِعْلاَمَ ما عندهم من الجواب في ذلك. فلم يَكُنْ عندهم جواب، إلا أَنِ امْتَثَلُوا وأَطَاعُوا وسَمِعُوا، ولم يَأْمُرْهُمُ النبي * بِالْجَدِّ عند البيع، وإنما أَطْلَقَ القول في النَّهْيِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ على الإطلاق، وإذا وَقَعَ تحت مُطْلَقِ النَّهْيِ، وَجَبَ أن يَكُونَ فاسدًا مفسوخًا، لا يَفُوتُ بِجَدٍّ، ولا يَكُونُ له في الصِّحَّةِ جَدٌّ، وفي المسألة لعلمائنا تفريع طويل، ليس من العارضة.
تركيب:
قد فَسَّرَ النبي *: =حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا+ في الحديث الصحيح، فقال: =حَتَّى تُشْقِحَ+. وقال أيضًا: =تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ+.
[1228] وقال: =لاَ تَبِيعُوا الْعِنَبَ حَتَّى يَسْوَدَّ، وَلاَ الْحَبَّ حَتَّى يَشْتَدَّ+. وإذا فَسَّرَ النبي * شيئًا، لم يَجُزْ لأحد تفسيره، بل نقول: إذا فَسَّرَ الراوي الحديث، فهو أَوْلَى من تفسير غيره، فكيف بتفسير النبي * قَائِلِهِ؟!
وقد كَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ لاَ يَبِيعُ ثِمَارَهُ حَتَّى تَطْلُعَ الثُّرَيَّا. وليس الْحَدُّ في بيعها ذلك؛ لأن النبي * لم يَذْكُرْهُ، ولكن العادة كانت جارية عندهم بأن طلوع الثُّرَيَّا (يُؤْمَنُ على الثِّمَارِ حِينَئِذٍ الْعَاهَةُ، فكان يَرَى زَيْدٌ أنها وإن بَدَا صَلاَحُها قبل ذلك تأخيرها حتى تَطْلُعَ الثُّرَيَّا) مُنْتَصَفَ مَايُهْ مع الْفَجْرِ، فَحِينَئِذٍ يَسْتَقْبِلُ الناس زمانًا آخَرَ، ويَنْتَقِلُونَ عن منازلهم، ويَثْبُتُ ما ثَبَتَ من الثِّمَارِ، ويَسْقُطُ ما سَقَطَ منها.
قال ذُو الرُّمَّةِ:
أَقَمْنَا بِهَا حَتَّى ذَوَى الْعُودُ فِي الثَّرَى ... وَلَفَّ الثُّرَيَّا فِي مُلاَءَتِهِ الْفَجْرُ
وقد تَخْتَلِفُ العوائد في البلاد في الثِّمَارِ، فالزيتون عندنا إنما تُؤْمَنُ عليها الْعَاهَةُ إذا خَرَجَ عنها شَهْرُ =يُونْيَهْ+ الشَّمْسِيُّ الْمُتَّصِلُ =بِمَايُهْ+، وطلوع الثُّرَيَّا في الأَمْنِ من الْعَاهَةِ على النَّخْلِ، أو خروج شهر =يُونْيَهْ+ عن الزيتون إنما هو عبارة أنه قد ثَبَتَ منها ما ثَبَتَ، وسَقَطَ ما سَقَطَ، وتَبَيَّنَ حالها في الْحَمْلِ، وإلا فهي مُعَرَّضَةٌ بعد ذلك لآفَاتٍ أُخَرَ من حَرٍّ، أو بَرْدٍ، أو صِرٍّ، أو ثَلْجِ، بحسب تقدير الله، وحُكْمِهِ على رِزْقِهِ، وحِكْمَتِهِ في خَلْقِهِ.
[1227] وقوله في حديث أَبِي عِيسَى عن ابْنِ عُمَرَ: =نَهَى عَنْ بَيْعِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ، وَيَأَمَنَ مِنَ الْعَاهَةِ+. وهو قوله في =صحيح مُسْلِمٍ+: =نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ+. فإنه إذا اشْتَدَّ، ابْيَضَّ.
وقوله: =حَتَّى يَأْمَنَ مِنَ الْعَاهَةِ+. ليس بشرط زائد على الاشتداد، وإنما هو تفسير له، الْمَعْنَى: أنه إذا اشْتَدَّ وابْيَضَّ، أَمِنَ من الْعَاهَةِ.
واسْتَغْرَبَ أَبُو عِيسَى حديث أَنَسٍ، ولم يُصَحِّحْهُ؛ لانفراد حَمَّادِ بْنِ
سَلَمَةَ بِرَفْعِهِ، والله أعلم.
وقد قال الشَّافِعِيُّ: لا يَجُوزُ بيع الْحَبِّ في سُنْبُلِهِ؛ لأنه مُغَيَّبٌ، فَيَدْخُلُ في قِسْمِ الْغَرَرِ. وليس كما زَعَمَ، بل هو معلوم، فإنه إذا فُرِكَ من الْفَدَّانِ سُنْبُلَةٌ واحدة، عُلِمَ حال الباقي، عَادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ، وحَقِيقَةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، وقد نَهَى النبي * عن بيع الْحَبِّ، وجَعَلَ لِلنَّهْيِ غَايَةً أن يَشْتَدَّ، فليس لأحد أن يَجْعَلَ غَايَةً أخرى بغير دليل، وقد جَوَّزَ الشَّافِعِيُّ بَيْعَ الْجَوْزِ واللَّوْزِ والْبَيْضِ، فكيف بِالْحَبِّ؟! وقد بَيَّنَّاهُ في =مسائل الخلاف+، وتَمَامُهُ فيها إن شاء الله.
وقوله: =نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ+. فيه ثلاث فوائد:
الأولى: أنه نَهَى عن البيع؛ لأنه غَبْنٌ عليه، إذ قيمتها في ذلك الوقت بَخْسٌ، وإذا تَرَكَهَا حتى يَظْهَرَ الطِّيبُ، كان الثَّمَنُ فيها أكثر، وهذا نَهْيُ نَظَرٍ وتَنْبِيهٍ على تَثْمِيرِ المال وتَكْثِيرِهِ؛ للاستغناء به عن الناس، وتَصْرِيفِهِ في الطاعات (ونَيْلِ الْمُبَاحَاتِ).
الثانية: أنه إن بَاعَهَا على أن يَجُدَّهَا، فقد ظَلَمَ نَفْسَهُ كما قلنا، وإن بَاعَهَا وسَكَتَ، فَأَبْقَاهَا ذلك، وَقَعُوا في الْمُنَازَعَةِ كما قَدَّمْنَا.
الثالثة: في حَقِّ المشتري لِتَغْرِيرِهِ بِمَالِهِ فيما لا يَأْمَنُ عاقبته في الخسارة.
وهو إذا اشْتَرَاهَا بعد بَدْءِ الصلاح (لا يَأْمَنُ من عَاهَةٍ وجَائِحَةٍ، فكيف قبل بَدْءِ الصلاح)؟! وكان رسول الله * يُبَيِّنُ الشرائع، ويُرْشِدُ إلى المصالح *.
[1229] السادس: =بَيْعُ حَبَلِ الْحَبَلَةِ، وَهْوَ بَيْعٌ كَانَ يَتَبَايَعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَبْتَاعُ مِنَ الآخَرِ وَلَدَ وَلَدِ النَّاقَةِ+. وإنَّ بَيْعَ الْحَمْلِ لا يَجُوزُ؛ لِلْغَرَرِ في وجوده وانفصاله وصفته، فكيف وَلَدُ وَلَدِهِ؟!
[1230] السابع: =نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ وَبَيْعِ الْحَصَاةِ+. هذا حديث ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ، ولم يَذْكُرْهُ الْبُخَارِيُّ، وهو أصل هذه الأحاديث كلها، وقد بَيَّنَّا تحقيق ذلك ونُكْتَتَهُ في كتاب =التفسير+، وهي أن الله أَحَلَّ البيع مُطْلَقًا، ثم حَرَّمَ الرِّبَا، وهو كل بيع فاسد لا يَجُوزُ، بِأَيِّ وَجْهٍ دَخَلَ فيه الفساد من جِهَةِ الْعِوَضَيْنِ، أو من جِهَةِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ. وأَكَّدَ ذلك بقوله: ×$ yg"'r'¯"t' a ْïد%©! $# آَمَنُوا xw تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ acq ن3 s? تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ ِNن3Zد iB÷. فَجَعَلَ التجارة قِسْمًا، والبَاطِلَ قِسْمًا، ولم يَكُنِ الباطل مَوْكُولاً إلى نَظَرِهِمْ؛ لأنهم لا يَعْلَمُونَ أَصْلَهُ، فَضْلاً عن الإحاطة بتفاصيله، فَأَوْضَحَ الله السبيل، وبَيَّنَ الدليل، وفَصَّلَ التفاصيل، وارْتَبَطَتْ بِأَجْمَعِهَا، ودَارَتْ في الْبُيُوعِ على عَشْرِ قواعد، بَيَّنَّاهَا في =الْقَبَسِ+ وغَيْرِهِ.
وأما =بَيْعُ الْحَصَاةِ+، فهو الثامن.
[1310] وهو أحد التَّفْسِرَيْنِ في =بَيْعِ الْمُنَابَذَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ+. وذلك أنهم كانوا يَتَبَايَعُونَ بينهم على أَنَّ الرِّضَا (إنما يَكُونُ) عند نَبْذِ الْحَصَا. أو على أن يَنْبِذَ كل واحد منهما إلى صاحبه ثَوْبَهُ من غير معرفة به.
ففي الأول: الْخِيَارُ إلى أَجَلٍ مجهول. وفي الثاني: الجهالة. ولأَجْلِ هذا مَنَعَ الشَّافِعِيُّ بَيْعَ الْبَرْنَامَجِ؛ لأنه من أحد تَفْسِيرَيْ وَجْهِ الْمُنَابَذَةِ الْمَنْهِيِّ عنه، إذ لا يَدْرِي الآخِذُ لِشَدِّ الْبَرْنَامَجِ ما فيه.
قال علماؤنا: إنما يَبِيعُهُ على الصِّفَةِ، والصِّفَةُ طريق إلى الْعِلْمِ (كَالرُّؤْيَةِ.
قال الشَّافِعِيُّ: وإنما تَكُونُ الصِّفَةُ طريقًا إلى الْعِلْمِ) في السَّلَمِ للضرورة؛ إذ التَّعْيِينُ فيه مُحَالٌ.
قلنا: وهذا أيضًا ضرورة؛ فإن حَلَّ الشَّدَائِدِ مَشَقَّةٌ عظيمة على التُّجَّار، فهم يَتَبَايَعُونَ على ذلك، ولا يَخْتَلِفُونَ في الأغلب، وهذا يُسْتَمَدُّ من قاعدة المصلحة في رَفْعِ الْحَرَجِ والْمَشَقَّةِ عن الْخَلْقِ.
وقد شَاهَدْتُ التَّاجِرَ يَأْتِي بِرَحْلِهِ من أَقْصَى الْمَغَارِبِ، فَيَلْقَى الآخَرَ يَأْتِي به من أَقْصَى الْمَشَارِقِ، فَيُخْرِجُ كل واحد (رَقَّ بَرْنَامَجِهِ)، ويَقِفُ صَاحِبُهُ عليه، ويُسَلِّمُ كل واحد شَدَائِدَهُ على الصِّفَةِ، ويَنْقَلِبُ كل واحد منهما إلى موضعه، فلا يَلْتَقِيَانِ أبدًا، وبَلَغَنِي أنه لا يَجِدُ خلافًا عَمَّا فيه، وهي أمانة عظيمة، وعادة كريمة.
[1231] التاسع: =بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ+. وهو ثابت من طريق أَبِي هُرَيْرَةَ، واخْتَلَفَ الناس في تفسيره على ستة أقوال:
الأول: قال الشَّافِعِيُّ: هو أن يقول: أَبِيعُكَ دَارِي هذه بكذا على أن تَبِيعَنِي غُلاَمَكَ بكذا، فإذا وَجَبَ لِي غُلاَمُكَ، وَجَبَتْ لك دَارِي. وهذا تَفَارُقٌ على بيع بِثَمَنٍ مجهول، لا يَدْرِي كل واحد منهما على ما وَقَعَتْ عليه صَفْقَتُهُ.
الثاني: أن يقول له: أَبِيعُكَ ثَوْبِي هذا بِنَقْدِ عَشَرَةٍ، أو بِتَأَخِيرِ عِشْرِينَ، ولا يُفَارِقُهُ على إحدى الْبَيْعَتَيْنِ. هكذا قال أَبُو عِيسَى.
ونحن نُحَقِّقُهُ ـ إن شاء الله تعالى ـ بِتَعْدِيدِ صُوَرِهِ، وذِكْرِ الأقوال فيه، وهي ستة:
الأول: أنه بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ. إذا جَاءَ الرجل فقال لِلآخَرِ: اشْتَرِ لِي، (أو اشْتَرِ سِلْعَةً) بكذا، أو بما اشْتَرَيْتَهَا، وبِعْهَا مِنِّي بكذا.
الثاني: قال مَالِكٌ: من صُوَرِهَا أن يقال: بِعْنِي سِلْعَتَكَ بدينار، أو بِشَاةٍ موصوفة إلى أَجَلٍ. فهذا في الثَّمَنِ.
الثالث: في الْمَثْمُونِ. قال مَالِكٌ: يقول له: بِعْنِي الصَّيْحَانِىَّ عَشَرَةَ آصُعٍ بدينار، أو الْعَجْوَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ بدينار.
الرابع: أن يقول له: أَبِيعُكَ هذا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ نَقْدًا، أو بِأَلْفَيْنِ إلى سَنَةٍ، أو أَبِيعُكَ عَبْدِي بِأَلْفٍ، على أن تَبِيعَنِي دَارَكَ بِأَلْفٍ، إذا وَجَبَ لك عَبْدِي، وَجَبَتْ لِي دَارُكَ.
الخامس: قال أَبُو حَنِيفَةَ: إذا اشْتَرَى شيئًا إلى أَجَلَيْنِ، ثم تَفَرَّقَا على ذلك، لم يَجُزْ، وإن قال: هو بِالنَّقْدِ بكذا، (أو بالنَّسِيئَةِ بكذا)، وافْتَرَقَا على الْقَطْعِ لأَحَدِ الْبَيْعَيْنِ، فذلك جائز، ولو بَاعَهُ عَبْدَهُ، على أن يَبِيعَهُ الآخَرُ عَبْدَهُ بِثَمَنٍ ذَكَرَهُ، لم يَجُزْ.
السادس: أن يقول له: بِعْتُكَ هذا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، على أن تُعْطِيَنِي بها صَرْفَهَا دَرَاهِمَ، فقال أكثر الفقهاء: الشَّافِعِيُّ، وأَبُو حَنِيفَةَ، وأَحْمَدُ، وإسْحَاقُ، وأَبُو ثَوْرٍ: هذا من باب بَيْعَتِينِ في بَيْعَةٍ.
هذا لُبَابُ الأقوال، وقد تَرَكْنَا ما كَثُرَ منها وطَالَ.
التَّوْجِيهُ لهذه الأقوال:
أما تفسيره بِبَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ، فَيَدْخُلُ فيه بالاشتقاق، ويَتَأَكَّدُ ذلك الْحَدِيثُ ويَصِحُّ بحديث: =بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ+ إذا فُسِّرَ به. ولا يُمْكِنُ تفسيره به على التصريح، إلا إذا شَارَطَهُ عليه، والْتَزَمَ له ما يَشْتَرِي، وأما إذا فَاوَضَهُ فيه، ووَاعَدَهُ عليه، فليس يَكُونُ حرامًا مَحْضًا، ولكنه من باب شُبْهَةِ الحرام، والذَّرِيعَةِ به. وقد بَوَّبَ مَالِكٌ: =النَّهْي عن بَيْعَتَيْنِ في بَيْعَةٍ+، ثم أَدْخَلَ فيه بيع ما ليس عِنْدَكَ؛ لِلْمَعْنَى الذي أَشَرْنَا إليه.
وأما إذا قال له: أَبِيعُكَ بدينار أو بِشَاةٍ ـ في الثَّمَنِ ـ أو قال له: صَيْحَانِيًّا بدينار أو عَجْوَةً أَكْثَرَ منه أو أَقَلَّ، وفَارَقَهُ على أنه قد لَزِمَهُ أَحَدُهُمَا، فَيَدْخُلُهُ بِاتِّفَاقٍ الْغَرَرُ، لا يَدْرِي البائع ما انْعَقَدَ عليه البيع صَيْحَانِيًّا أو عَجْوَةً في الْمَثْمُونِ، دينارًا أو شَاةً في الثَّمَنِ، وليس يَدْخُلُهُ سواه بحال، وقد بَيَّنَّا فساد غير ذلك في =المسائل+.
وأما الرابع، فقد تَقَدَّمَ القول في أحد مِثَالَيْهِ (وهو إذا قال له: أَبِيعُكَ هذا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ نَقْدًا، أو بِأَلْفَيْنِ إلى سَنَةٍ. وأما الْمِثَالُ الثاني)، وهو إذا قال له: أَبِيعُكَ عَبْدِي بِأَلْفٍ، على أن تَبِيعَنِي دَارَكَ بِأَلْفٍ، فذلك جائز، لا دُخْلَةَ فيه.
وأما الخامس، فقد دَخَلَ الجواب عنه في الكلام، وقوله فيه: ولو بَاعَهُ عَبْدَهُ، على أن يَبِيعَهُ عبدًا آخَرَ بِثَمَنٍ ذَكَرَهُ، قال أَبُو حَنِيفَةَ: لا يَجُوزُ. ولا شَيْءَ أَجْوَزُ منه؛ فإنه حَصَلَ من إحدى الْجِهَتَيْنِ عَبْدٌ، ومن الْجِهَةِ (الأخرى ... ) معلوم، وهذا مما لا دُخْلَةَ فيه.
وأما السادس، فَجَوَّزَهُ مَالِكٌ؛ لأن هو له على ما يَؤُولُ إليه الكلام، والشَّافِعِيُّ والْفُقَهَاءُ أَصْحَابُهُ نَظَرُوا إلى أنه بَاعَهُ وصَرَفَهُ. ولم يَكُنْ ذلك، إنما ذَكَرَ دينارًا، ثم ذَكَرَ الدَّرَاهِمَ، فَالْتَغَى الذَّهَبُ، ورَجَعَ الأَمْرُ إلى الْفِضَّةِ، كما لو قال له: أَبِيعُكَ عَبْدِي بِعَبْدِكَ، على أن تُعْطِيَنِي في عَبْدِكَ دَارَكَ. فهذا قد اشْتَرَى دَارَهُ بَعَبْدِهِ، وذلك جائز.
[1232] [1233] [1235] العاشر: =بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ+. صحيح وإن لم يُدْخِلْهُ أهل الصحيح، ثَبَتَ من طريق حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ. فَسَّرَهُ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، فقال: =سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ *، فَقُلْتُ: الرَّجُلُ يَأْتِينِي، فَيَسْأَلُنِي مِنَ الْبَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدِي، أَبْتَاعُ لَهُ مِنَ السُّوقِ، ثُمَّ أَبِيعُهُ مِنْهُ؟ قَالَ: لاَ تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ+.
وهو على الوجوب كما قلنا أو على مَذْهَبِ مَالِكٍ على أن يَكُونَ إذا كَلَّفَهُ الشِّرَاءَ من السوق، فقد صَارَ وكيلاً له، فَيَكُونُ كأنه اشْتَرَى له قَفِيزَ طعام بِخَمْسَةٍ أَسْلَفَهُ إيَّاهَا، وكَتَبَ عليه إلى أَجَلٍ فيها عَشَرَةً، فقد أَعْطَاهُ خَمْسَةً بِعَشَرَةٍ، (أو أَعْطَى عنه خَمْسَةً بِعَشَرَةٍ)، وكِلاَ الْوَجْهَيْنِ فَسَادٌ ظاهر، والله أعلم.
[1234] الحادي عشر: رَوَى عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أن رسول الله * قال: =لاَ يَحِلُّ سَلَفٌ وبَيْعٌ، وَلاَ شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلاَ رِبْحُ مَا لَمْ يَضْمَنْ، وَلاَ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ+. فهذا تَمَامُ ثَلاَثةَ عَشَرَ نَهْيًا.
قال الإمام الحافظ أَبُو بَكْرِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ ": النَّهْيُ عن بَيْعٍ وسَلَفٍ على ضَرْبَيْنِ:
نَهْيٌ عن صَرِيحٍ؛ بأن يقول: بِعْنِي وأَسْلِفْنِي.
أو ذَرِيعَةٍ؛ وهو أن يُؤَدِّيَ إليه.
ولا يَخْلُو أن يَكُونَ من البائع ـ كما قلنا ـ أو من المُبْتَاعِ، واخْتَلَفَ الناس في تعليله، فمنهم من قال: الْمَعْنَى فيه أنه جَمَعَ بين عَقْدَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ: السَّلَفُ مَعْرُوفٌ أُرْخِصَ فيه للحاجة إليه. والْبَيْعُ جِهَةٌ وُضِعَتْ للتجارة والاكتساب والتَّشَاحِّ والمعانية. تَخْتَلِفُ مقاصدها، وتَتَضَادُّ أحكامها، فلا يُجْمَعُ بينها.
وقِيلَ: إنما مُنِعَ من ذلك لِمَا فيه من رِبَا الْفَضْلِ، إن كانت في أَمْوَالٍ رِبَوِيَّةٍ، أو رِبَا الْفَضْلِ والنَّسَا، والسَّلَفُ في أَصْلِهِ لا يَجُوزُ في الْوَضْعِ؛ لأنه ذَهَبٌ (بِذَهَبٍ، أو قُوتٌ بِقُوتٍ، غَيْرُ يَدٍ) بِيَدٍ، وذلك حرام، فإذا أَخْرَجَهُ عن طريقه، وأَدْخَلَهُ في البيع، عَادَ إلى أصله من التحريم.
فإن كان السَّلَفُ في غير الأموال الرِّبَوِيَّةِ، لم يَجُزْ عند مَالِكٍ؛
لصورة إدخال الْعَقْدَيْنِ الْمُتَضَادَّيْنِ في عَقْدٍ؛ وعُمُومِ لفظ النَّهْيِ عند علمائنا.
وقال الشَّافِعِيُّ: هو جائز؛ لأَجْلِ أنه عَرِيَ عن عِلَّةِ التحريم في جَمْعِهِ. وذَهِلَ عن أصل من أصول الفقه، وهو: =أن التعليل للفظ إذا تَنَاوَلَ بَعْضَ ما تَنَاوَلَهُ اللفظ، هل يُخَصُّ به، أم لا؟ +. وقد بَيَّنَّاهُ هنالك إن شاء الله.
وقد صَوَّرَ أَحْمَدُ لقوله في الْبَيْعِ والسَّلَفِ صورة حَسَنَةً، وهي أن يَكُونَ أَسْلَفَ إليه في شيء، يقول: إن لم يَتَهَيَّأْ عندك، فهو بَيْعٌ عليك. فهذا من (ناحيته من بَيْعِ) الْعُرْبَانِ، وليس من اجتماع السَّلَفِ والبيع، وإنما هو من باب قَلْبِ السَّلَفِ إلى البيع حَقِيقَةً، فإنه إن رَدَّهُ بَيْعًا إلى أَجَلٍ، كان دَيْنًا في دَيْنٍ، وإن رَدَّهُ في بَيْعِ نَقْدٍ، دَخَلَتْهُ الْجَهَالَةُ في أول الْعَقْدِ، وإذا انْعَقَدَ الْعَقْدُ على جَهَالَةٍ، فَسَدَ في أصله، ولم يَتَرَكَّبْ عليه شيء.
وأما =شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ+. فإن شَرْطًا واحدًا في بَيْعٍ مِمَّا اخْتَلَفَ العلماء فيه على ثلاثة أقوال.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الأَزْدِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُسْلِمٍ اللَّيْثِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحِيرِيُّ والْبَحِيرِيُّ.
[ح] وأَخْبَرَنَا إسْمَاعِيلُ ابْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قالوا: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ قال: =قَدِمْتُ مَكَّةَ، فَوَجَدْتُ فيها أَبَا حَنِيفَةَ وابْنَ أَبِي لَيْلَى وابْنَ شُبْرُمَةَ، فَسَأَلْتُ أَبَا حَنِيفَةَ عن رجل بَاعَ بيعًا، وشَرَطَ شَرْطًا، فقال: البيع باطل، والشرط باطل. ثم أَتْيْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى، فَسَأَلْتُهُ، فقال: البيع جائز، والشرط باطل. ثم أَتَيْتُ ابْنَ شُبْرُمَةْ، فَسَأَلْتُهُ، فقال: البيع جائز، والشرط جائز.
فَقُلْتُ: سبحان الله! ثَلاَثَةٌ من فقهاء العراق اخْتَلَفُوا في مسألة واحدة!
فَأَتَيْتُ أَبَا حَنِيفَةَ، فَأَخْبَرْتُهُ، فقال: لا أَدْرِي ما قالا، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ * نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ. البيع باطل، والشرط باطل.
فَأَتَيْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى، فَأَخْبَرْتُهُ، فقال: ما أَدْرِي ما قالا، حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ قالت: أَمَرَنِي النَّبِيُّ * أَنْ أَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ وَأُعْتِقَهَا، وَقَالَ: اشْتَرِطِي الْوَلاَءَ لأَهْلِهَا. البيع جائز، والشرط باطل.
ثم أَتَيْتُ ابْنَ شُبْرُمَةَ، فَأَخْبَرْتُهُ، فقال: ما أَدْرِي ما قالا، حَدَّثَنِي مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ، عن مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قال: بِعْتُ النَّبِيَّ * نَاقَةً أَوْ جَمَلاً، وَشَرَطْتُ لِي حُمْلاَنَهَا إلَى الْمَدِينَةِ. البيع جائز، والشرط جائز+.
ورَجَعَ تحقيق هذا النَّظَرِ إلى (أن هؤلاء) العلماء الثلاثة اخْتَلَفُوا في هذه المسألة على الْجُمْلَةِ، قال غَيْرُهُمْ: إن هذا يَفْتَقِرُ إلى تفصيل، وذلك أن الشرط في البيع على ضَرْبَيْنِ:
إما أن يَقْتَضِيَهُ البيع بِحُكْمِهِ؛ فَذِكْرُهُ تأكيد له وتقوية.
وإما أَلاَّ يَقْتَضِيَهُ، ولكنه من مَصْلَحَتِهِ؛ فَيَجُوزُ.
وإما أَلاَّ يَقْتَضِيَهُ، وليس من مَصْلَحَتِهِ؛ فلا يَجُوزُ.
فالأول كتسليم الْمَبِيعِ، والرَّدِّ بِعَيْبٍ إنِ اطَّلَعَ عليه، وشِبْهِهِ.
والثاني كالرَّهْنِ، والْكَفِيلِ، وشَرْطِ الْخِيَارِ، والأَجَلِ.
الثالث: أَلاَّ يَبِيعَ، ولا يَتَصَرَّفَ، ونحوه. وهذه جُمْلَةٌ مُفَصّلَةٌ مُتَّفَقٌ عليها.
وقد أَذِنَ النبي * في شَرْطِ الْعِتْقِ، وهو يُخَالِفُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ، وبَاعَ جَابِرٌ جَمَلَهُ مِنَ النَّبِيِّ *، وَاشْتَرَطَ ظَهْرَهُ إلَى الْمَدِينَةِ. ويَأْتِي ذلك في
موضعه، إن شاء الله.
ولو شَرَطَ البائع عليه أنه إن بَاعَهَا، فهو أَحَقُّ بها، فهذا مما اتَّفَقَ على جوازه ابْنُ عُمَرَ وابْنُ مَسْعُودٍ. ويَرْجِعُ إلى الْخِيَارِ هذا ومَسْأَلةُ جَابِرٍ. وتَرْجِعُ مسألة عِتْقِ الجارية إلى أنه فَكَّهَا من الرِّقِّ، فَاحْتُمِلَ ذلك فيها لِخَلاَصِهَا.
وجَعَلَ الشَّافِعِيُّ مَنِ اشْتَرَى ثوبًا بِشَرْطِ أن يُخَاطَ له، أو فِلْعَةً بِشَرْطِ الحَذْوِ مَنْهِيًّا عنه فاسدًا، من باب بَيْعٍ وشَرْطٍ. وهذا تَعَسُّفٌ؛ فإنه مَبِيعٌ معلوم، وحَقِيقَتُهُ بَيْعٌ وإجارةٌ، وابْتِيَاعُ عَيْنٍ ومَنْفَعَةٍ في عَقْدٍ واحد.
وعَجَبًا لأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ كيف يُتَابِعُ عليه الشَّافِعِيَّ في النَّظَرِ، أو تَابَعَهُ عليه الشَّافِعِيُّ، ولا دليل لهما عليه بحال.
قال الإمام الحافظ: أما الراوي الذي رَوَى عن النبي * شَرْطَ ظَهْرِ الْجَمَلِ إلَى الْمَدِينَةِ، والآخَرُ الذي رَوَى شَرْطَ الْعِتْقِ فِي البَيْعِ، فقد أَرَاحَ؛ لأنه ذَكَرَ نَصَّ الْقِصَّةِ من قول النبي *، أو فِعْلِهِ.
وأما الذي رَوَى: أَنَّ النَّبِيَّ * نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ، فلم يُبَيِّنْ، ولم يَصِحَّ الْحَدِيثُ. ولو صَحَّ، لَحَمَلْنَاهُ على شَرْطٍ يُنَاقِضُ البيع، ثم صَارَ الناس أَيَادِيَ سَبَا في الذي يَبِيعُ بيعًا، ويَشْتَرِطُ شرطًا، فمنهم مَنْ أَفْسَدَهُ بكل حال. ومنهم مَنْ صَحَّحَ البيع، إذا أَسْقَطَ ذو الشَّرْطِ شَرْطَهُ. وطَالَ الْخَطْبُ في ذلك لِمَسَالِكَ، بَيَانُهَا في كُتُبِ الفقه.
الذي يُرِيحُكَ منها: أن تَحْكُمَ بفساد كل بيع دَخَلَهُ ما لا يَجُوزُ، ولا يَصْلُحُ بإسقاط الْمُفْسِدِ، حتى يُنْشَأَ ويُجَدَّدَ، إذِ الْفَصْلُ يَعْسِرُ.
وأما =شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ+. فلا أَعْلَمُ خلافًا في أن مَنْ شَرَطَ الْخِيَارَ والأَجَلَ في عَقْدٍ واحد جَازَ، بل لو زَادَ عليه الضَّامِنَ والرَّهْنَ، لم يَمْتَنِعْ،
وقَدِ اجْتَمَعَ فيه أربعة شروط، فما ظَنُّكَ بِأَحْمَدَ الذي قال: (إذا قال) له: أَبِيعُكَ هذا الثَّوْبَ، وعَلَيَّ قِصَارَتُهُ، جَازَ، فإن قال: وخِيَاطَتُهُ، بَطَلَ؛ لأنهما شَرْطَانِ في بَيْعٍ! وهذه صورة لا فِقْهَ تحتها، ويَلْزَمُهُ عليها الْخِيَارُ والأَجَلُ.
وأما =رِبْحُ مَا لَمْ يَضْمَنْ+. فهو بِعَيْنِهِ =بَيْعُ مَا لَمْ يَقْبِضْ+ـ وهو الرابع عشر ـ قد جَاءَ مُصَرَّحًا به في الحديث. واخْتَلَفَ الناس فيه على مَذَاهِبَ في مَسَالِكَ، فمنهم مَنْ حَمَلَهُ على العموم. ومنهم مَنْ حَمَلَهُ على الخصوص.
وبِالْجُمْلَةِ فلا يَخْلُو أن يَكُونَ الْمَبِيعُ الذي لم يُقْبَضْ مِمَّا يُقْدَرُ على تسليمه، (أو لا يُقْدَرُ على تسليمه). فإن كان مِمَّا يُقْدَرُ على تسليمه، جَازَ بيعه باتفاق، كبيع الدَّيْنِ مِمَّنْ هو عليه، فلا أَعْلَمُ خلافًا فيه. وكذلك لا خلاف في مَنْعِ بيع ما لم يُقْبَضْ مِمَّا لا يُقْدَرُ على تسليمه، إلا بعد تسليمه من البائع له منه؛ ولذلك لم يَكُنْ في ضَمَانِهِ، فلم يَجُزْ أن يَبِيعَهُ بِرِبْحٍ، فهذا هو رِبْحُ ما لم يَضْمَنْ، على الاختلاف في تصويره.
ومَنْ يَجْعَلُ البيع فيما لم يُقْبَضْ محمولاً على العموم، جَعَلَهُ تَعَبُّدًا. ومَنْ يَخُصُّهُ بالطعام، جَعَلَهُ تَعَبُّدًا أيضًا في الطعام، يَلْتَحِقُ بِالْمَنْعِ من الرِّبَا، فإنه تَعَبُّدٌ أيضًا فيه. ومَنْ وَقَفَهُ على ما لا يُقْدَرُ على تسليمه، جَعَلَهُ من قاعدة الغَرَرِ، فهذه أصول هذا الباب وقواعده.
[1268] الخامس عشر: رَوَى عِكْرِمَةُ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: =لاَ تَسْتَقْبِلُوا السُّوقَ، وَلاَ تُحَفِّلُوا، وَلاَ يُنَفِّقْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ+. فأما استقبال السوق، فهو التَّلَقِّي، وقد تَقَدَّمَ.
وأما التَّحْفِيلُ ـ وهو السادس عشرـ فهو تَرْكُ حَلْبِ الحيوان، حتى يَعْظُمَ ضَرْعُهُ، ثم يُدْخِلَهُ السُّوقَ؛ لِيُرَغِّبَ الْمُشْتَرِيَ في كثرة اللَّبَنِ بِكِبَرِ
الضَّرْعِ وحَفْلِهِ.
[1251] وهي الْمُصَرَّاةُ التي قال فيها قَبْلَ هذا عن أَبِي هُرَيْرَةَ: =مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً، فَهْوَ بِالْخِيَارِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَإنْ شَاءَ رَدَّهَا، وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ+.
[1252] وفي رواية عنه: =صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، لاَ سَمْرَاءَ+. وهو حديث عظيم اتَّفَقَ عليه أكثر العلماء، وخَالَفَهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ، فقال: التَّصْرِيَةُ لَيْسَ بِعَيْبٍ. وقد تَكَلَّمْنَا على الحديث في =الكتاب الأكبر+.
والعارضة فيه:
أن التَّصْرِيَةَ في العربية ـ وهي التَّحْفِيلُ ـ هي عبارة عن حَبْسِ اللَّبَنِ في الضَّرْعِ أيامًا، حتى يَتَوَهَّمَ الْمُبْتَاعُ أن ذلك حالها في كل يوم، فَيَزِيدَ في ثَمَنِهَا، مِنْ صَرَيْتُ الْمَاءَ، أَيْ: جَمَعْتُهُ.
وقد ثَبَتَ النَّهْيُ عن ذلك من حديث ابْنِ عُمَرَ، وأَبِي هُرَيْرَةَ، قال النبي *: =لاَ تُصَرُّوا الإبِلَ وَالْغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا، فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا ثَلاَثًا: إنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا. وَإنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا، وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ+.
(لَقَّنَنَا فَخْرُ الإسلام أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ بِنَهْرِ مُعَلَّى، قال): لَقَّنَنَا جَمَالُ الإسلام أَبُو إسْحَاقَ إبْرَاهِيمُ الشِّيرَازِيُّ بِالنِّظَامِيَّةِ، قال: لَقَّنَنَا أَبُو طاهر أحمد بن أَبِي طاهر بِالكَرْخِ، قال أصحاب أَبِي حَنِيفَةَ: هذا الحديث لا حُجَّةَ فيه؛ لأنه يُخَالِفُ الأصول من ثمانية أَوْجُهٍ:
الأول: أنه أَوْجَبَ الرَّدَّ من غير عَيْبٍ، ولا شَرْطٍ.
الثاني: أنه قَدَّرَ الْخِيَارَ بثلاثة أيام، والْخِيَارُ الثابت حُكْمًا لا يَتَقَدَّرُ بِمُدَّةٍ، إنما يَتَقَدَّرُ الثابت بالشرط.
الثالث: أنه أَوْجَبَ الرَّدَّ بعد ذَهَابِ جزء من الْمَبِيعِ.
الرابع: أَوْجَبَ عليه الْبَدَلَ، وهو الْعِوَضُ عن اللَّبَنِ، مع قيام الْمُبْدَلِ، وهو اللَّبَنُ.
الخامس: أنه قَدَّرَهُ بِالتَّمْرِ أو بالطعام، والْمُتْلَفَاتُ إنما تُضْمَنُ بِأَمْثَالِهَا، أو قِيمَتِهَا بِالنَّقْدِ.
السادس: أن اللَّبَنَ من ذَوَاتِ الأَمْثَالِ، فَحَكَمَ في ضَمَانِهِ في هذا الْخَبَرِ بالقيمة.
السابع: أنه يُؤَدِّي إلى الرِّبَا؛ لأنه إن بَاعَهَا بِصَاعٍ، ثم دَفَعَ اللَّبَنَ وصَاعًا، أَدَّى إلى صَاعٍ وعَيْنٍ بِصَاعٍ.
الثامن: أنه يُؤَدِّي إلى أن يَجْتَمِعَ عنده الْعِوَضُ والْمُعَوَّضُ؛ لأنه إذا بَاعَهَا بِصَاعٍ، ورَدَّهَا بِصَاعٍ، صَارَ عنده شَاةٌ وصَاعَانِ، فَاجْتَمَعَ الْعِوَضُ والْمُعَوَّضُ.
فالجواب: أَنَّا نقول: لا نُسَلِّمُ أن التَّصْرِيَةَ ليست بِعَيْبٍ، (بل هي عَيْبٌ)؛ لأنه نُقْصَانٌ من المال، ولأَجْلِهَا زِيدَ في الثَّمَنِ.
جواب ثان: وذلك أنه قد ثَبَتَ الْعَيْبُ بِالغَرَرِ والتَّدْلِيسِ.
جواب ثالث: وذلك أن تقديره بثلاثة أيام موافق للأصول؛ فإن اليوم الأول يَحْلُبُهَا، فَيَجِدُ اللَّبَنَ صَاعًا، فإذا حَلَبَهَا في اليوم الثاني، وَجَدَ النَّقْصَ، فَاتَّهَمَ مَرَضًا، أو سُوءَ رَعْيَةٍ، فَيَبْحَثُ عن ذلك، فَيَجِدُ في اليوم الثالث النَّقْصَ، فَيَعْلَمُ أنه تَصْرِيَةٌ، فَيَرُدُّ عند تَكَشُّفِ الْعَيْبِ وتَعَرُّفِهِ.
جواب رابع: وأما قولهم: أَوْجَبَ الرَّدَّ بعد ذَهَابِ جزء من الْمَبِيعِ، فإنما كان كذلك؛ لأَجْلِ أن التَّلَفَ كان في طريق الاطلاع على الْمَبِيعِ، كَالْجَوْزِ واللَّوْزِ إذا كُسِرَ فَوُجِدَ عَفِنًا عندهم، وفي أَحَدِ قَوْلَيْنَا.
جواب خامس: وأما رَدُّ القيمة مع قيام الْعَيْنِ، فذلك لِتَعَذُّرِ تَمَيُّزِ الْمَرْدُودِ؛ لأنه امْتَزَجَ فيه ما حَدَثَ في مِلْكِ المشتري مع ما بَاعَ البائع امتزاجًا، لا يُمْكِنُ فَصْلُهُ.
جواب سادس: وذلك الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ هو الذي أَوْجَبَ تقدير قيمته، ولم يُوكَلْ إلى الْمُقَدِّرِينَ، وإنما وَجَبَتْ طَعَامًا، ولم تَجِبْ نَقْدًا؛ لأن النَّقْدِيَّةَ إنما هي فيما يَتَمَيَّزُ، فَيُمْكِنُ تَقْوِيمُهُ بِصِفَتِهِ، أَلاَ تَرَى أن الْجَنِينَ لَمَّا لَمْ يَتَمَيَّزْ، قَدَّرَهُ بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ، أو وَلِيدَةٍ.
جواب سابع: وأما قولهم: إنه يُؤَدِّي إلى اجتماع الْبَدَلِ والْمُبْدَلِ، أو غُرْمِ الْبَدَلِ مع قيام عَيْنِ الْمُبْدَلِ، أو إلى طَعَامٍ وسَلْعَةٍ بِطَعَامٍ؛ فإنما ذلك في كل ما رَجَعَ إلى اختيار الْمُتَعَاقِدَيْنِ وقَصْدِهِمَا، فأما ما يُوجِبُهُ الشرع، ويَحْكُمُ به عليهما قَسْرًا، فلا يَدْخُلُ شيء من ذلك فيه.
جواب ثامن: قولهم: إن هذا الْخَبَرَ يُخَالِفُ الأصول. لا يَصِحُّ؛ لأن الْخَبَرَ أَصْلٌ بنفسه، فإنما يُخَالِفُهُ خَبَرٌ مِثْلُهُ، فأما القياس، فلا يُلْتَفَتُ إلى خلافه؛ لأنه خِلاَفُ فَرْعٍ لأصل، فلا يَعْتَرِضُ الْفَرْعُ على أَصْلٍ واحد.
جواب تاسع: يقال لهم: قد نَاقَضْتُمْ؛ فإنكم نَقَضْتُمُ الْوُضَوءَ بِالْقَهْقَهَةِ خِلاَفَ الأصول لِحَدِيثٍ وَاحِدٍ لم يَصِحَّ.
ولم تُوجِبُوا الْقَضَاءَ على النَّاسِي في الصوم ـ ولم تَلْتَفِتُوا ـ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: =اللهُ أَطْعَمَكَ وَسَقَاكَ+.
وكذلك أَجَزْتُمُ النَّبِيذَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ.
وأَوْجَبْتُمْ على من فَقَأَ عَيْنَ دَابَّةٍ رُبُعَ قيمتها مُقَدَّرًا بِحَدِيثِ عُمَرَ. وذلك كله خلاف الأصول، فَلْيَكُنْ هذا مِثْلَهُ.
وعَجِبْتُ لِمَنْ نَسَبَ لأَشْهَبَ أنه قال: تُرَدُّ المُصَرَّاةُ، ولا يُرَدُّ معها
شيء؛ لأن =الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ+. والْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ ليس حديثًا مَرْوِيًّا، وإنما هو خَبَرٌ عن أَمْرٍ وَقَعَ، لا تُعْلَمُ كيفيته، ولم يَصِحَّ سَنَدُهُ، فكيف رَدَّ به حديثًا مُصَرِّحًا، رَوَاهُ العلماء والثِّقَاتُ من الصحابة والتابعين والعلماء الراسخين؟! وهي رواية عنِ =العُتْبِيَّةِ+ التي ليست بِمَرْوِيَّةٍ، وإنما هي بَطَائِقُ وُجِدَتْ ونُقِلَتْ، في مِثْلِهَا قال مَالِكٌ: لا تُبَاعُ كُتُبُ الفقه. ولم يُرِدْ به الدَّوَاوِينَ الْمُصَنَّفَةَ.
فإن قِيلَ: إن هذا الحديث يَرْوِيهِ أَبُو هُرَيْرَةَ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، ولم يَكُونَا فَقِيهَيْنِ، وإنما كانا صَالِحَينِ، فروايتهما إنما تُقْبَلُ في المواعظ، لا في الأحكام. واسْتَجْرَأَ على هذا السؤال أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ، ونَسَبُوا ذلك إلى الشَّعْبِيِّ في أَبِي هُرَيْرَةَ.
قال الإمام الحافظ: هذه جُرْأَةٌ على الله، واسْتِهْتَارٌ في الدِّينِ عند ذَهَابِ حَمَلَتِهِ، وفَقْدِ نَصَرَتِهِ، مَنْ أَفْقَهُ من أَبِي هُرَيْرَةَ وابْنِ عُمَرَ؟! مَنْ أَحْفَظُ منهما؟! وخاصة أَبُو هُرَيْرَةَ؛ وَقَدْ بَسَطَ رِدَاءَهُ، وَجَمَعَهُ النَّبِيُّ * لَهُ، وَضَمَّهُ إلَى صَدْرِهِ، فَمَا نَسِيَ شَيْئًا أَبَدًا. ونَسْأَلُ الله المعافاة من مَذْهَبٍ لا يَثْبُتُ إلا بِالطَّعْنِ على الصحابة.
ولقد كُنْتُ في جَامِعِ الْمَنْصُورِ من مدينة السَّلاَمِ في مَجْلِسِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّامَغَانِيِّ قَاضِي الْقُضَاةِ، فَأَخْبَرَنِي به بعض أصحابنا ـ وقد جَرَى ذِكْرُ هذه المسألة ـ أنه تَكَلَّمَ فيها بعضهم يومًا، وذَكَرَ هذا الطَّعْنَ في أَبِي هُرَيْرَةَ، فَسَقَطَتْ من السَّقْفِ حَيَّةٌ عُظْمَى في وَسَطِ المسجد، وأَخَذَتْ في سَمْتِ الْمُتَكَلِّمِ بِالطَّعْنِ، ونَفَرَ الناس وافْرَنْقَعُوا، وأَخَذَتِ الْحَيَّةُ تحت السَّوَارِي، فلم يُدْرَ أين ذَهَبَتْ أبدًا، وارْعَوَى مِنْ بَعْدِ ذلك مَنْ يَسْتَرْسِلُ في هذا الْقَدْرِ.
وأما قوله: =لاَ يُنَفِّقْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ+ ـ وهو
(السادس عشر) ـ[1304] فهو الذي جَاءَ فيه بعد ذلك =أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّجَشِ+. والحديثان صحيحان.
والنَّفَاقُ: هو كثرة الرَّغْبَةِ في الشيء، وتَعَلُّقُ الآمال به، كَتَعَلُّقِهِمْ (بما يُنْفِقُونَ) مِمَّا لا بُدَّ لهم منه.
والنَّجَشُ: هو اسْتِثَارَةُ الشيء الكَامِنِ. وشَرْحُهُ: أن يَزِيدَ الرَّجُلُ في السِّلْعَةِ من غير رَغْبَةٍ في شرائها، وإنما ذلك لِيَغْتَرَّ به المشتري، فَيَظُنَّ أنه من رَغْبَتِهِ، فَيَرْغَبَ بِرَغْبَتِهِ، فَيُنَفِّقَهَا عنده، ويَسْتَثِيرَ من ماله ما كان كَامِنًا، لا يُخْرِجُهُ.
وهو حرام لا يَحِلُّ؛ لأَجْلِ النَّهْي عنه، واخْتَلَفَ الناس إذا وَقَعَ، فقال مَالِكٌ: هو بِالْخِيَارِ إذا عَلِمَ.
وقال أَبُو حَنِيفَةَ والشَّافِعِيُّ: لا خِيَارَ له.
والذي عندي: أنه إن كان بَلَّغَهَا قِيمَتَهَا، ورَفَعَ الْغَبْنَ عن صاحبها، فهو مأجور، ولا خِيَارَ لِمَنِ اطَّلَعَ. وإن كان أَتَى على القيمة، فهو بِالْخِيَارِ؛ لِمَا حَدَثَ من الْغَبْنِ على الْمُبْتَاعِ، ولا يَفْسُدُ البيع؛ لأن الْمَنْعَ لِمَعْنًى معقول، وهو التَّدْلِيسُ على المشتري، وحُكْمُ ابْنِ حَبِيبٍ بِفَسْخِ الْبَيْعِ خُرُوجٌ عن طريق النَّظَرِ، فَيَكُونُ كبيع الْمُصَرَّاةِ والْمَعِيبِ.
[1271] (الثامن عشر): ذَكَرَ حديث أَبِي الْمِنْهَالِ، واسَمُهُ ( ... )، عن إيَاسِ بْنِ عَبْدٍ الْمُزَنِيِّ قال: =نَهَى النَّبِيُّ * عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ+. وهو حديث حَسَنٌ صحيح.
[1272] قال الإمام الحافظ: وفي الصحيح: =لاَ تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ؛ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلأُ+. فحديث إيَاسِ بْنِ عَبْدٍ مُطْلَقٌ، وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ مُقَيَّدٌ بِالْفَضْلِ منه، واخْتَلَفَ الناس في تفسيره، فقال كل أَحَدٍ وأَطَالَ، وجُمْلَتُهُ
تَرْجِعُ إلى ثلاثة:
الأول: قال مَالِكٌ: إذا كان الماء في بِئْرٍ مملوكة، فلا مَدْخَلَ للأحاديث فيها، وإذا كانت في الصَّحَارِي، ففيها الحديث، ولكن في الشَّفَةِ، لا في الزَّرْعِ.
وقال ابْنُ حَبِيبٍ: الْفَضْلُ في الزَّرْعِ مباح، كَالْفَضْلِ في الشَّفَةِ. وقال غَيْرُهُ من أصحابنا: يُعْطِيهِ في إحْيَاءِ ثَمَرَتِهِ وزَرْعِهِ بِالثَّمَنِ.
وقال الشَّافِعِيُّ نحو قول مَالِكٍ في أنه في الآبار الْفَلَوِيَّةِ، لا المملوكة في الْعِمَارَاتِ والزَّرُوعِ.
قال الإمام الحافظ: الماء مباح الأصل؛ قال النبي * ـ مَرْوِيًّا ـ: =النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلاَثٍ: الْمَاءِ، وَالْكَلأِ، وَالنَّارِ+. أَسْكَنَ الله الماء في الأرض، فَمَنْ أَنْبَطَهُ، كان أَحَقَّ به من غيره، فإذا أَخَذَ منه حاجته، رَجَعَ الْفَضْلُ إلى أصل الإباحة والاشتراك، هذا في الأرض الْمُشْتَرَكَةِ.
فأما في الأرض المملوكة، فإن قلنا: إن المالك يَسْتَوْلِي على باطن الأرض، كَاسْتِلائِهِ على ظاهرها، فالماء له. وإن قلنا: إنه لا يَمْلِكُ إلا ظاهرها، فليس له من الماء إلا ما له في الأرض الْفَلَوِيَّةِ.
وعلى هذا الأصل بَنَى أصحاب مَالِكٍ قَوْلَهُمْ في أن مَنِ انْهَارَتْ بِئْرُهُ، واحْتَاجَ إلى ماء جاره: إنه يُعْطِيهِ له بغير ثَمَنٍ، أو بِثَمَنٍ. إذ لا خلاف من قوله في وجوب الإعطاء، وإن اخْتَلَفُوا في جِهَةِ الإعطاء.
كما اتَّفَقَ الناس على أن صاحب الماء أَحَقُّ بالأصل؛ قال النبي * وذَكَرَ حَدِيثَ هَاجِرَ حين قالت لِجُرْهُمـ وقد سَأَلُوهَا النُّزُولَ معها ـ: =عَلَى أَنَّهُ لاَ حَقَّ لَكُمْ فِي الْمَاءِ+. وقال النبي *: =وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لأَذُودَنَّ رِجَالاً عَنْ حَوْضِي، كَمَا تُذَادُ الْغَرِيبَةُ مِنَ الإبِلِ عَنِ الْحَوْضِ+.
وقال بعضهم قولاً حَسَنًا: إن ماء الْحَوْضِ قد مَلَكَهُ صاحب الْحَوْضِ بما نَزَعَهُ وأَخْرَجَهُ، فهو كَالْقِرْبَةِ تَكُونُ على الظَّهْرِ بالماء، وإنما الكلام في الذي في البئر، كما رُوِيَ عن الْحَسَنِ أنه أَجَازَ بيع الماء؛ لأَجْلِ أنه الذي أَنْبَطَهُ، فكأنه قد اخْتَزَنَهُ وجَمَعَهُ.
والأول أَصَحُّ؛ لأَجْلِ أن في قول الْحَسَنِ إسقاطًا لِجُمْلَةِ الحديث من غير دليل، وقد قال النبي *: =ثَلاَثَةٌ لاَ يَنْظُرُ اللهُ إلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. فَذَكَرَ رَجُلاً كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ، فَمَنَعَهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ+. وهذا يَدُلُّ على ترجيح إحدى رَوَايَتَيْ مَالِكٍ في تحريم مَنْعِ فَضْلِ الماء على الرواية الأخرى في الْكَرَاهِيَةِ.
وكذلك اخْتَلَفَ قَوْلُهُ في الْكَلأِ الذي يَنْبُتُ في الأرض المملوكة، هل يَجُوزُ له (بيعه، أم لا؟
فَقِيلَ: له) مَنْعُهُ؛ لأنه فَائِدُ أَرْضِهِ.
وقِيلَ: ليس له مَنْعُهُ؛ لأنه لم يَتَكَلَّفْ فيه.
والأول أَصَحُّ؛ لأنه رِزْقٌ سَاقَهُ الله إليه في خالص مِلْكِهِ، والْكَلأُ الذي حَرُمَ عليه مَنْعُ الماء؛ لأَجْلِ مَآلِهِ إلى مَنْعِهِ هو الْكَلأُ الذي ليس بِنَابِتٍ في مِلْكِهِ.
[1273] التاسع عشر: ذَكَرَ حديث ابْنِ عُمَرَ: =أَنَّ النَّبِيَّ * نَهَى عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ+. صحيح.
[1274] وذَكَرَ حديث الحسن: =أَنَّ رَجُلاً مِنْ كِلاَبٍ سَأَلَ النَّبِيَّ * عَنْ عَسْبٍ الْفَحْلِ، فَنَهَاهُ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّا نُطْرِقُ لَهُمُ الْفَحْلَ، فَنُكْرَمُ، فَرَخَّصَ لَهُمْ فِي الْكَرَامَةِ+. قال: وهو حَسَنٌ.
عَرَبِيَّتُهُ:
الْعَسْبُ هو في الحقيقة: ثَمَنُ ماء الْفَحْلِ.
والإطْرَاقُ: هو حَمْلُهُ على الناقة؛ لِيَضْرِبَهَا، مِنَ الطَّرْقِ، وهو الضَّرْبِ.
العارضة في أحكامه:
أن صفة الإجارة تَخْتَلِفُ، فإن آجَرَهُ على الطَّرْقِ حتى تَحْمِلَ، دَخَلَهُ الفساد من وَجْهَيْنِ:
أحدهما: جهالة الإجارة.
والثاني: جهالة الأَجَلِ.
ولو اسْتَأْجَرَهُ على نَزَوَاتٍ معلومة، لَجَازَ؛ لأنه مَعْنًى مُنْتَفَعٌ به، مَعْدُودٌ في نَمَاءِ الأموال، فَجَازَ بَذْلُ الْعِوَضِ فيه، كالاستخدام في الْعَبْدِ، والركوب في الْفَحْلِ، وتَزْوِيجُ الأَمَةِ على أُنْمُوذَجِهِ.
فإن لم يَسْتَأْجِرْهُ، وقَضَى حاجته فيه، جَازَ قَبُولُ الْكَرَامَةِ بِإزَائِهِ؛ لأن الْمُكَارَمَاتِ بقضاء الحاجات، ومُقَابَلَتَهَا بِالْمُشَارَكَاتِ والْمُعَاوَضَةِ جَائِزَةٌ شرعًا، وتَدْخُلُ في هِبَةِ الثَّوَابِ التي اسْتَثْنَاهَا الشرع من الأعواض المجهولة.
[1275] الْمُوفِي عِشْرِينَ وَالْحَادِي وَالثَّانِي وَعِشْرِينَ: قوله *: =كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثُ، وَثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ+. ذَكَرَهُ عن رَافِعٍ، وقال: هو صحيح.
فأما مَهْرُ الْبَغِيِّ، فلا كلام فيه. وأما كَسْبُ الْحَجَّامِ، فقد وَرَدَتْ فيه ثلاثة أحاديث، صِحَاحٌ كلها:
(الأول: =أَنَّ النَّبِيَّ * حُجِمَ، وَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ * صَاعًا مِنْ طَعَامٍ+.
[1278] ورُوِيَ: =صَاعَيْنِ+.
ورُوِيَ: =مِنْ تَمْرٍ+.
ورُوِيَ: =فَأَعْطَاهُ أَجْرَهُ+.
[1277] الثاني): =أَنَّ النَّبِيَّ * نَهَى عَنْهُ، فَلَمْ يَزَلْ يَسْتَأْذِنُهُ، حَتَّى قَالَ: اعْلِفْهُ نُضَّاحَكَ. يَعْنِي: رَقِيقَكَ+. رَوَاهُ ابْنُ مُحَيِّصَةَ الأَنْصَارِيُّ، عن أَبِيهِ.
الثالث: هو الذي تَلَوْنَاهُ آنِفًا. وكلها متعارضة، وبعضها أَخَفُّ من بعض.
أما قوله: =كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ+. فهو نَصٌّ في التحريم؛ قال سبحانه: ×مPج hچpt ن ur قOخgّ` n=t و y] ح´¯" t6y ّ9$#÷.
وأما قوله: =اعْلِفْهُ نُضَّاحَكَ+. فكأنه مُشْتَبِهٌ، فَنَزَّهَهُ عنه في ذَاتِهِ، وأَمَرَهُ بإطعامه للإبل، لا لِلرَّقِيقِ كما رَوَاهُ يَحْيَى؛ لأن ما لا يَرْضَاهُ لنفسه في الطُّعْمَةِ، لا يَرْضَاهُ لِرَقِيقِهِ؛ لأنهم مُكَلَّفُونَ في الحلال والحرام والشُّبْهَةِ بِمِثْلِ ما كُلِّفَ به، بخلاف الإبل والبقر والبهائم، فإنه لا تكليف عليهم، فَيَجُوزُ له أن يُنَاوِلَهَا ما لا يَجُوزُ له، وهي مسألة معلومة، بيانها في موضعها.
وأما إعطاؤه إياه أَجْرَهُ، فدليل على الْحِلِّ الْمُطْلَقِ؛ فإن النبي * لا يَدْخُلُ في شُبْهَةٍ؛ لِمَا هو عليه من رَفِيعِ الْمَنْزِلَةِ، ووَاجِبِ الْعِصْمَةِ، ولم يَثْبُتِ التاريخ في المتقدم منهما من المتأخر، فَيَتَعَيَّنُ الترجيح، أو التأويل.
فأما التأويل، فهو رَدُّ النَّهْيِ فيه، بِأَنْ يُحْمَلَ على أنها كانت معاملة مجهولة، يَحْتَجِمُونَ إلى وقت النِّتَاجِ، أو الْجَدَادِ، أو الْحَصَادِ، فَيُعْطَى
معلومًا، فَيَكُونُ عِوَضًا عن عَمَلٍ مجهول، أو مجهولاً، فَيَكُونُ عِوَضًا مجهولاً عن مجهول، فَأَعْلَمَهُم بتحريم ما اعْتَادُوهُ وعَرَفُوهُ بينهم، وأَعْطَاهُمْ * معلومًا عن معلوم.
وأما الترجيح، فإن الجواز أقوى من الْمَنْعِ؛ للحاجة إليه، فكان النبي * مَنَعَ منه، فلما رَأَى الحاجة إليه، رَخَّصَ فيه، وقد يُحْمَلُ النَّهْيُ عن كَسْبِ الْحَجَّامِ على ما حُمِلَ عليه النَّهْيُ عن كَسْبِ الأَمَةِ، فإنها كانت في الجاهلية تَكْسِبُ بِفَرْجِهَا، فَرَجَعَ النَّهْيُ إلى ما لا يَجُوزُ، وإذا كَسَبَتْ بِيَدِهَا جَازَ، فكذلك كَسْبُ الْحَجَّامِ كان عندهم مجهولاً، فإذا تَعَامَلُوا بمعلوم جَازَ.
أَمَا إنَّ في حديث احتجام النبي * دليلاً على أن ثَمَنَ المنافع يَجُوزُ أن يَجْرِيَ فيه الْمُتَعَامِلاَنِ على العادة والْمُرُوءَةِ، ِ فإذا عَمِلَ له، إنْ أَعْطَاهُ أَجْرَهُ الْوَاجِبَ له جَازَ، وإنْ زَادَهُ شَكَرَ، وإنْ خَاسَ به صَبَرَ، أو طَلَبَ فَبَلَّغَهُ حَقَّهُ. وهي مأخوذة من قاعدة الْعُرْفِ، إحدى القواعد الْعَشْرِ التي تَتَرَتَّبُ عليها أحكام المعاملات في الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ.
وأما ثَمَنُ الكَلْبِ، فقد تَقَدَّمَ القول في اقْتِنَائِهِ. وكُلُّ ما جَازَ اقْتِنَاؤُهُ وانْتُفِعَ به صَارَ مالاً، وجَازَ بَذْلُ الْعِوَضِ فيه، واخْتَلَفَ أصحابنا في بيعه هل هو مُحَرَّمٌ، أم مَكْرُوهٌ؟ وصَرَّحَ بِالْمَنْعِ مَالِكٌ في مواضع، والصحيح في الدليل جواز البيع، وبه قال أَبُو حَنِيفَةَ.
وقال الشَّافِعِيُّ: لا يَجُوزُ بيعه.
وظَنَّ بعضهم أن النَّهْيَ عن بيع الْكَلْبِ إنما هو في الْمَأْذُونِ في اتِّخَاذِهِ؛ لأن الْمَأْمُورَ بِقَتْلِهِ لا يُنْهَى عن بيعه.
قلنا: هذه غَفْلَةٌ؛ كان أُمِرَ بِقَتْلِهَا، ثم نُسِخَ الأمر بالقتل، وأُذِنَ في الاتِّخَاذِ، وكان بعد ذلك جَوَازُ البيع، أو النَّهْيُ عنه.
وقال بعضهم: إنه قَرَنَهُ بِحُلْوَانِ الْكَاهِنِ، فَدَلَّ على أنه حرام.
ودليل القرائن أضعف دليل، لا يَشْتَغِلُ به الْمُحَقِّقُونَ، وقد حَقَّقْنَا المسألة في كتاب =التَّخْلِيصِ+ و=الإنصافِ+ وغَيْرِهِ، وهذا لُبَابُهُ.
[1281] وقد رَوَى أَبُو عِيسَى عن أَبِي الْمُهَزِّمِ يَزِيدَ بْنِ سُفْيَانَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ: =أَنَّ النَّبِيَّ * نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، إلاَّ كَلْبَ الصَّيْدِ+. ولم يُصَحِّحْهُ.
وقد اتَّفَقَ أرباب الْمَذْهَبِ على قيمته على مَنْ قَتَلَهُ. وما لَزِمَ قِيمَتُهُ كان مالاً، وتَرَتَّبَ عليه جواز البيع.
[1276] وأما =حُلْوَانُ الْكَاهِنِ+ـ وهو الثالث والعشرون ـ فَمُحَرَّمٌ بإجماع الأُمَّةِ؛ لأن ذلك مِنْ أَكْلِ المال بالباطل، فإنه مَالٌ بُذِلَ في مقابلة فِسْقٍ، أو قُلْ: كُفْر؛ لأنه طَلَبُ غَيْبٍ انْفَرَدَ الله بِعِلْمِهِ، وهو ما يَكُونُ في غَدٍ، وطَلَبُ معرفة الْغَيْبِ يَكُونُ بوجوه، منها:
مُصَافَحَةٌ من غير واسطة.
ومنها بواسطة.
وقد كانت الجاهلية تَتَعَرَّضُ له بِالْوَجْهَيْنِ. وسَيَأْتِي الكلام عليه في موضعه بوجوهه وأحكامه، إن شاء الله.
وكانت الْعَرَبُ تُسَمِّي جَزَرَ الْكَاهِنِ حُلْوَانًا، كما كانت تُسَمِّي ثَمَنَ الضِّرَابِ عَسْبًا، كما كانت تُسَمِّي ثَمَنَ الْفَرْجِ مَهْرًا.
[1279] الخامس والعشرون: مسألة السِّنَّوْرِ. خَرَّجَ أَبُو عِيسَى حديث جَابِرٍ من طريق أَبِي سُفْيَانَ: =نَهَى النَّبِيُّ * عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ+. وقال: فيه اضطرابٌ.
[1280] وخَرَّجَهُ من طريق أَبِي الزَّبَيْرِ عنه: =أَنَّهُ نَهَى عَنْ أَكْلِ
الْهِرِّ وَثَمَنِهِ+. وغَرَّبَهُ، ولم يَشْتَهِرْ عُمَرُ بْنُ زَيْدٍ رَاوِيهِ.
وقد رَوَاهُ مُسْلِمٌ وصَحَّحَهُ، وبَيَّنَّا معناه، وأنه إنما يُرَاعَى فيه أن يَكُونَ دائرًا في الْمَنَازِلِ، لا يَأْوِي إلى أَحَدٍ، ولا تَدْخُلُ عليه يَدٌ؛ لِيَعُمَّ نَفْعُهُ، وقد نَبَّهَ النبي * على هذه الْعِلَّةِ بقوله: =إنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ، أَوِ الطَّوَّافَاتِ+. فَذَكَرَ عموم دَوَرَانِهَا، وجِهَةَ الاشتراك في مَنْفَعَتِهَا، فَطَلَبُ الاستبداد بها طَلَبُ نَقْضِ مَصْلَحَةٍ، ولذلك حين خَالَفَ الناس ذلك إذْ أَوْقَفُوهَا؛ بَطَلَ نَفْعُهَا في طَرْدِ الْفَأْرِ، أو قَلَّ، ولو أَرْسَلُوهَا لَطَرَدَتْهُ عن المدينة، أو أَجْحَرَتْهُ حتى لا يَظْهَرَ.
السادس والعشرون: بَابُ كَرَاهِيَةِ بَيْعِ الْمُغَنِّيَاتِ.
[1282] ذَكَرَ حديث أَبِي أُمَامَةَ، عن النبي * قال: =لاَ تَبِيعُوا الْمُغَنِّيَاتِ، وَلاَ تَشْتَرُوهُنَّ، وَلاَ تُعَلِّمُوهُنَّ، وَلاَ خَيْرَ فِي تِجَارَةٍ فِيهِنَّ، وَثَمَنُهُنَّ حَرَامٌ، فِي مِثْلِ ذَلِكَ نَزَلَتْ: × z` د Bur النَّاسِ مَنْ خ} tIô±t' لَهْوَ د] 'د0 ys ّ9$#÷ الآيَةَ+. وقال: إن رَاوِيَهُ عَلِيَّ بْنَ يَزِيدَ ضعيف.
قال الإمام الحافظ: قد بَيَّنَّا مَعْنَى الآية في كتاب =التفسير+. وهذا قول ضعيف، فأما بَيْعُ الْمُغَنِّيَةِ، فَيَنْبَنِي على أن الْغِنَاءَ حَرَامٌ، أو حَلاَلٌ. وليس الْغِنَاءُ بِحَرَامٍ؛ فإن النبي * قد سَمِعَهُ في بَيْتِهِ وبَيْتِ غَيْرِهِ، وقد وَقَفَ عليه في حياته.
وإنْ زَادَ فيه أَحَدٌ على ما كان في عهد النبي * عُودًا بِصَوْتٍ عليه نَغْمَةٌ، فقد دَخَلَ في قوله: =مِزْمَارُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللهِ *؟! فَقَالَ: دَعْهُمَا؛ فَإنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ+.
وإنِ اتَّصَلَ نَقْرُ طُنْبُورٍ بِهِ، فلا يُؤَثِّرُ أيضًا في تحريمه؛ فإنها كلها آلاَتٌ تَتَعَلَّقُ بها قُلُوبُ الضعفاء، ولِلنَّفْسِ عليها اسْتِرَاحَةٌ، وطَرْحٌ لِثِقْلِ
الْجِدِّ الذي لا تَحْمِلُهُ كُلُّ نَفْسٍ، ولا يَتَعَلَّقُ به كُلُّ قَلْبٍ، فإن تَعَلَّقَتْ به نَفْسٌ، فقد سَمَحَ الشَّرْعُ لها فيه.