تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

÷ dr& الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ xw tbqçHs>÷ès?÷. حين لم يَجِدْهُ في كتاب الله، ولا حَفِظَهُ سُنَّةً عن رسول الله *، وقد عَلِمَ أنه قد وَقَعَ في زمان رسول الله *، ولكنه لم يَكُنْ قد عَلِمَ كَيْفِيَّةَ الْحُكْمِ في ذلك، فَجَاءَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ في

مكانه ـ وفي بَيْتِهِ يُؤْتَى الْحَكَمُـ =وَهْوَ قَائِلٌ+. يُرِيدُ: في وَقْتِ الْقَائِلَةِـ وهي

الثالثة ـ: إذ ليس في تَرْكِ الأَدَبِ قَصْدُ العالم في أَيِّ وقت وَقَعَتِ النَّازِلَةُ، أَمَا إنَّهُ إنِ اعْتَذَرَ، قُبِلَ عُذْرُهُ، وصُدِّقَ قَوْلُهُ، ولم (يُنْزَرْ، ولا عُذْرَ).

الرابعة: قوله: =فَإذَا هُوَ مُفْتَرِشٌ بَرْذَعَةَ رَحْلٍ لَهُ+. دليل على جواز افتراش الْوَلاَيَا، وقد وَرَدَ في ذلك نَهْيٌ، لم يَصِحَّ.

=فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ+ـ وهي

الخامسة ـ: دليل على دعاء العالم بِكُنْيَتِهِ تَكْرِمَةً له، (ولا زيادة على ذلك. فقال: =الْمُتَلاَعِنَانِ أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ! +. استبعادًا لِجَهْلِ ذلك، وهي كلمة) تقال عند التعجب من الإنكار، وتَعْظِيمِ الله عن أن يَكُونَ شيء إلا بِحُكْمِهِ وقضائه من خَيْرٍ أو شَرٍّ، وعِلْمٍ أو جَهْلٍ، وطاعة أو معصية، أو موجود كيفما تَصَرَّفَـ وهي

السادسة ـ: =إنَّ أَوَّلَ مَنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فُلاَنُ بْنُ فُلاَنٍ+. نَسِيَهُ الراوي ـ وهي

السابعة ـ: وهو عُوَيْمِرٌ، وقد رُوِيَ ـ كما قَدَّمْنَا ـ: =هِلاَلُ بْنُ أُمَيَّةَ+. قال الناس: هو وَهْمٌ من هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، وعليه دَارَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ بذلك وحَدِيثُ أَنَسٍ، وقد رَوَاهُ الْقَاسِمُ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، كما رَوَاهُ الناس، فَبَيَّنَ فيه الصواب.

الثامنة: قد كان جَرَى ذِكْرُ حال الْمُتَلاَعِنَيْنِ عند رسول الله * قبل أن يَسْأَلَ عُوَيْمِرٌ، وتَكَلَّمَ في ذلك عَاصِمٌ، ورَجَعَ إلى أهله، فحينئذ جَاءَهُ عُوَيْمِرٌ فَسَأَلَهُ، فقال عَاصِمٌ: =مَا ابْتُلِيتُ بِهَذَا، إلاَّ لِقَوْلِي+. يَعْنِي: أَنَّ =الْبَلاَء مُوَكَّلٌ بِالْمَنْطِقِ+، إنْ لم يَكُنْ في نفسه، ففي ذَوِيهِ.

التاسعة: قوله: =أَيَقْتُلُهُ، فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟! +. لأنها حالة عظيمة كما قال: =إنْ تَكَلَّمَ، تَكَلَّمَ بِعَظِيمٍ، وَإنْ سَكَتَ، سَكَتَ عَلَى غَيْظٍ عَظِيمٍ، وَإنْ قَتَلَ، قُتِلَ+.

وقد كَشَفَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ هذا الْمَعْنَى، فقال للنبي *: =أَأُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟! +.

وفي =صحيح مُسْلِمٍ+: =أَيَقْتُلُهُ؟ قَالَ: لاَ، قَالَ سَعْدٌ: بَلَى، وَالَّذِي أَكْرَمَكَ بِالْحَقِّ. قَالَ النَّبِيُّ *: انْظُرُوا إلَى مَا يَقُولُ سِيِّدُكُمْ! إنَّهُ لَغَيُورٌ، وَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللهُ أَغْيَرُ مِنَّا+. فَكَرَّرَ السؤال على النبي *، ولم يَرُدَّ قَوْلَهُ؛ لعله أن يَكُونَ في ذلك فَرَجٌ له.

وفي رواية: =لَأُعَاجِلُهُ ـ أو ـ أُعَالِجُهُ+. و: =لَأَضْرِبَنَّهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفِحٍ بِهِ+. كل ذلك صحيح.

وقول النبي * له: =نَعَمْ+. معناه: أَمْهِلْهُ حتى تَأْتِيَ بأربعة شهداء. ليس بتقرير لِلزِّنَا، وإنما هي نازلة عظيمة، تَقَابَلَ فيها حُكْمَانِ:

أحدهما: أَنْ يُمْهِلَ مَنْ ضَرَّهُ في أهله.

أو يَدْفَعَ الضَّرَرَ بِتَلَفِ نَفْسِهِ؛ إما بِقَتْلِ مَنْ يَضُرُّهُ، أو يَقْتُلُهُ مَنْ يَضُرُّهُ.

فَبَيَّنَ النبي * أن احتمال الأَذَى في الْعِرْضِ أَخَفُّ من احتمال الأَذَى في النفس، فَعَجِبَ النبي * من غَيْرَةِ سَعْدٍ التي حَمَلَتْهُ على إيثار عِرْضِهِ على نفسه، ولو كان الداخل على الأهل مُحْصَنًا، وتَحَقَّقَ أنه وَصَلَ إليها، وأَقْدَمَ على قَتْلِهِ في الحال، لكان ذلك أَخَفَّ عند الله من أن يَقْتُلَهُ؛ لِمُجَرَّدِ كَشْفِ السِّتْرِ بالدخول في المنزل، فإن ذلك لا يَلْزَمُ فيه القتل، فلو قَتَلَهُ، لكان قاتلاً نفسًا بغير حَقٍّ، وقد اخْتَلَفَ الناس في هذه النازلة اختلافًا بَيَّنَّاهُ

في موضعه من =شَرْحِ الْمُوَطَّأِ+.

ورَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ: =أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ * فِي رَجُلٍ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً: أَيَقْتُلُهَا، فَتَقْتُلُونَهُ، (أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟! +. يَعْنِي: أَيَقْتُلُ زوجته؟ وفي كل رواية يُذَكَّرُ الضمير، معناه: أَيَقْتُلُ الداخل، فَتَقْتُلُونَهُ).

وكما بَيَّنَّا في =الْقَبَسِ+ حُكْمَ الداخل، فالزوجة مِثْلُهُ في التنزيل الذي نَزَّلْنَاهُ في تلك المسائل، فَلْيُنْظَرْ، وَلْتُرَكَّبْ هذه النازلة عليها، والله أعلم.

العاشرة: قوله: =كَرِهَ رَسُولُ اللهِ * الْمَسَائِلَ+. قد ثَبَتَ عن النبي * أنه قال: =إنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِأَشْيَاءَ فَامْتَثِلُوهَا، وَنَهَاكُمْ عَنْ أَشْيَاءَ فَاجْتَنِبُوهَا، وَسَكَتَ لَكُمْ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً مِنْهُ، فَلاَ تَسْأَلُوا عَنْهَا+. ووَجْهُ الرحمة في هذا: أنه لم يَشْرَعْ فيها تكليفًا، فَيَكُونُ الْمَرْءُ عليها مُسْتَرْسِلاً.

الحادية عشرة: إلْحَاحُ عُوَيْمِرٍ في السؤال، يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ؛ لأن النَّازِلَةَ وَقَعَتْ عنده.

ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ؛ لأن مقدماتها كانت قد عَايَنَهَا، فَخَافَ الانتهاء إلى المكروه، وكذلك كان.

ولعله لَمَّا سَأَلَ، تَحَقَّقَ قِبَلَهُ الحال؛ لأن =الْبَلاَء مُوَكَّلٌ بِالْمَنْطِقِ+، ولذلك قال: =إنَّ الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ قَدِ ابْتُلِيتُ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ الآيَاتِ الأَرْبَعَ فِي اللِّعَانِ+. وهو بِنَاءُ =فِعَال+ الذي لا يَكُونُ إلا بين اثْنَيْنِ ـ وهي

الثانية عشرة ـ: ومَعْنَى تَسْمِيَتِهِ لِعَانًا: ما فيه مِنْ بُعْدِ الزوجين بَعْدَ فُرْقَتِهِمَا، وخروج الكاذب من رحمة الله إلى غَضَبِهِ ولَعْنَتِهِ. =فَدَعَا النَّبِيُّ * الزَّوْجَ+ ـ وهي

الثالثة عشرة ـ: بَدَأَ منه ـ وهو الْمُدَّعِي ـ لِيَنْفِيَ عن نفسه ما وَجَبَ عليه من الْحَدِّ؛ لقوله *: في الحديث للذي قَذَفَ امرأته: =الْبَيِّنَةَ، وَإلاَّ حَدٌّ

فِي ظَهْرِكَ+. ويُبْعِدَ عن نفسه الْفِرَاشَ الذي زَعَمَ أنه مَلْطُوخٌ، ويَنْفِيَ النَّسَبَ الذي ذَكَرَ أنه لم يَكُنْ منه. =فَذَكَّرَهُ، وَوَعَظَهُ+ ـ وهي

الرابعة عشرة ـ: تَوْرِيعُ الْخُصُومِ عَنِ اقْتِحَامِ الباطل، وتذكيرهم بما عند الله من الثواب لمن صَبَرَ وصَدَقَ، والْعِقَابِ لمن كَذَبَ. حتى إذا صَرَمُوا، أَنْفَذَ حُكْمَهُ في الظاهر، وحسابهم على الله في الباطن الذي لم يُجْعَلْ لأحد، وإنما هو للظاهر الباطن.

الخامسة عشرة: قوله: =ثُمَّ ثَنَّى بِالْمَرْأَةِ+. للتعديل بين الْخُصُومِ، وهو أصل القضاء، وشَرْطُ الْحُكْمِ، والْحَقُّ الذي هو موضوع الواحد الْحَقِّ في خَلْقِهِ، وصِفَتُهُ في ذَاتِهِ سبحانه.

وقال أَبُو حَنِيفَةَ: إذا (لاَعَنَتِ المرأة قبل الزوج، لم تُعِدْهُ إذا حَكَمَ به حاكم.

قلنا: إذا) حَكَمَ به الحاكم، فقد خَالَفَ النَّصَّ، فلم يُعْتَدَّ به. وحَمَلَهُ على تقديم يَمِينِ أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ عند الاختلاف في السِّلْعَةِ، وذلك لا نَصَّ فيه، فلم يَجُزْ حَمْلُ النُّصُوصِ على غير الْمَنْصُوصِ.

فلما حَقَّقَ كل واحد منهما دَعْوَاهُ، قال رسول الله *: =أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْ تَائِبٍ؟ +. أَثْبَتَ أَحَدَ الْقِسْمَيْنِ؛ لاستحالة انتفائهما جميعًا، وعَدَمِ إمكان تَعْيِينِ الْحَقِّ منهما لِلآدَمِيِّ ـ وهي

السادسة عشرة ـ: أن التقسيم إذا دَارَ بين النَّفْيِ والإثبات، فلا بُدَّ من أن يَكُونَ أَحَدُهُمَا، وقال: =هَلْ مِنْ تَائِبٍ؟ + ـ وهي

السابعة عشرة ـ: تأكيد لِلْوَعْظِ والتذكير؛ ولذلك كَرَّرَهُ ثلاث مَرَّاتٍ، وهى غَايَةُ التَّكْرَارِ في الْحَدِيثِ والْوَعْظِ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ.

الثامنة عشرة: قوله: =فَتَلاعَنَا فِي الْمَسْجِدِ+. ذُكِرَ؛ لأن القضاء

كان في الْمَسْجِدِ، وهو الْحَقُّ في كل نَازِلَةٍ، وخصوصًا في هذه التي فيها الأَيْمَانُ للتعظيم، ومَحَلُّ الْيَمِينِ الْمَسْجِدُ عند كثير من العلماء.

التاسعة عشرة: قوله: =ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا+. قال علماؤنا: من أحكام اللِّعَانِ ما يَتَعَلَّقُ بِالْتِعَانِ الزوج وَحْدَهُ، ومنه ما يَقِفُ على وجود اللِّعَانِ منهما.

فما يَقِفُ على لِعَانِ الزوج وَحْدَهُ سُقُوطُ حَدِّ الْقَذْفِ عنه، وبه قال الشَّافِعِيُّ.

وقال أَبُو حَنِيفَةَ: لا سبيل إلى حَدِّ الزوج إن لم يَلْتَعِنْ، ولا إلى حَدِّ المرأة إن لم تَلْتَعِنْ، وإنما يُحْبَسُ مَنْ أَبَى منهما اللِّعَانَ أبدًا، إلا أن يَلْتَعِنَ، أو يَمُوتَ.

والحديث نَصٌّ لم يَرَهُ، وهو قوله: =الْبَيِّنَةَ، وَإلاَّ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ+.

فأما الْفُرْقَةُ بينهما، فلا تَكُونُ إلا بِالْتِعَانِهِمَا مَعًا.

وقال الشَّافِعِيُّ: تَقَعُ الْفُرْقَةُ بِلِعَانِ الزوج أيضًا، وإن لم تَلْتَعِنِ المرأة.

وليس له شيء يَتَعَلَّقُ به؛ لأن في الحديث: =فَتَلاَعَنَا، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا+. فَذَكَرَ الْحُكْمَ وسَبَبَهُ، وقال النبي *: =لاَ سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا+. بَعْدَ الْتِعَانِهِمَا، والذي يَقَعُ فيه التَّوَقُّفُ، ويَكُونُ مَحَلاًّ لِلنَّظَرِ، هل تَقَعُ الْفُرْقَةُ بانقضاء التَّلاعُنِ، أم لا بُدَّ من حُكْمِ الحاكم بِالْفِرَاقِ بَعْدَهُ؟

وهذه مسألة ضعيفة؛ لأن اللِّعَانَ إذا انْقَضَى، فلا سبيل له إليها، سواء حَكَمَ الحاكم بِالْفِرَاقِ، أو لم يَحْكُمْ. وإنما يَكُونُ الالتفات إلى ما وَقَعَ به الْفِرَاقُ بين الْمُتَلاعِنَيْنِ بين يَدَيِ النبي *، هل كان ذلك بقول الْمُلاَعِنِ: =هِيَ طَالِقٌ ثَلاَثًا+. أم بقول النبي *: =لاَ سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا+.

والصحيح أنه وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بقولهما في لِعَانِهِمَا ـ كما بَيَّنَّا ـ لا

بطلاقه؛ لأنه لو وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بالطلاق، لكان للزوج أن يَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ زوج وإن لم يُكْذِبْ نفسه، ويَكُونُ قول النبي * ـ وهي

الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ ـ: =لاَ سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا+. إخبارًا عن حُكْمِ الله في اللِّعَانِ، لا إنْشَاءَ حُكْمٍ منه، يَفْتَقِرُ كل حاكم إلى إنْشَاءِ (مِثْلِهِ في) مِثْلِهَا.

وقوله: =ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا+. أو قوله: =فَفَارَقَهَا+ـ على اختلاف اللَّفْظَيْنِـ خَبَرٌ عن إخباره * عن الشَّرْعِ، لا عن حُكْمٍ أَنْفَذَهُ يَقِفُ على قوله: فَرَّقْتُ بينهما.

الحادية والعشرون: قوله: =مَالِي+. يُرِيدُ: صَدَاقِي. قال النبي *: =لاَ مَالَ لَكَ+. لأنك قَدِ اسْتَوْفَيْتَ ما فيه أَعْطَيْتَ المال، وهو الْوَطْءُ، فإن الْمَهْرَ تُقَابِلُهُ وَطْأَةٌ واحدة، وما زَادَ عليها لا يَكُونُ ثَمَنًا، لها منه شيء. =فَإنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا+. فَقَدِ اسْتَوْفَيْتَ الْمُثْمَنَ، فلا حَقَّ لك عليها في جِهَةِ الصَّدَاقِ، وإنما يَكُونُ الْحَقُّ لك في الذي أَحْدَثَتْ عليك. =وَإنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا، فَذَلِكَ أَبْعَدُ لَكَ+. لأنك قد ظَلَمْتَهَا في عِرْضِهَا، فلا سبيل لك إلى ظُلْمِهَا في مالها.

فإن قِيلَ: في الحديث الصحيح: =فَطَلَّقَهَا ثَلاَثًا، فَقَالَ النَّبِيُّ *: ذَاكُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ كُلِّ مُتَلاعِنَيْنِ+.

قلنا: هذا يُعَضِّدُ ما قلناه؛ فإن النبي * أَخْبَرَ بقوله: =ذَاكُمْ+. عن قوله: =لاَ سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا+. وقال: كذا حُكْمُ كُلِّ مُتَلاعِنَيْنِ.

(فإن كان الْفِرَاقُ لا يَكُونُ إلا بِحُكْمٍ، فقد نَفَذَ الْحُكْمُ فيه من الحاكم الأعظم * بقوله: =ذَاكُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ كُلِّ مُتَلاعِنَيْنِ) +. ولو أَشَارَ به إلى الطلاق، لَتَزَوَّجَهَا بعد زوج بِحُكْمِ القرآن.

الثانية والعشرون: لأَجْلِ هذا قال علماؤنا: فُرْقَةُ اللِّعَانِ فَسْخٌ، وليس

بطلاق؛ لأنهما مَغْلُوبَانِ على فَسْخِهِ.

وقال أَبُو حَنِيفَةَ: طلاق.

وهذا خلاف في لَفْظٍ، لا في مَعْنًى؛ لأنه إن كان الْفِرَاقُ بطلاق، فَلِمَ لا تَحِلُّ بَعْدَ زوج؟! وإن كان فَسْخًا، فكيف؟ وذلك إنما كان من قِبَلِ قول الزوج وإخباره باختياره، والْفَسْخُ إنما يَكُونُ بِغَلَبَتِهِ واقْتِسَارِهِ؟!

وإنما هو طلاق لم يُؤْذَنْ فيه بِرَجْعَةٍ. وقال أَبُو حَنِيفَةَ: ـ وهي

الثالثة والعشرون ـ: يَرْتَجِعُهَا إذا أَكْذَبَ نفسه. وليس له عُمْدَةٌ، إلا أن هذا حُكْمٌ من أحكام اللِّعَانِ، فَزَالَ بالتكذيب كَنَفْيِ النَّسَبِ.

قلنا: لو كان كَالنَّسَبِ، لَرَجَعَ النكاح بغير اسْتِئْنَافٍ، ولا جواب له عن هذا.

(الرابعة والعشرون): قوله: =وَكَانَتْ حَامِلاً+. دليل على أن اللِّعَانَ يَكُونُ على نَفْيِ الْحَمْلِ قَبْلَ وَضْعِهِ، خلافًا لأَبِي حَنِيفَةَ، وعَبْدِ الْمَلِكِ من أصحابنا، وأَحَدِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ؛ لأن النبي * لم يَنْتَظِرِ الْوَضْعَ.

ومُعْتَمَدُهُمْ: أن الْحَمْلَ غير مُتَيَقَّنٍ، فلا يَثْبُتُ فيه اللِّعَانُ مع الشُّبْهَةِ.

قلنا: الحديث يَرُدُّهُ كما تَقَدَّمَ، والْمَعْنَى أيضًا يَرُدُّهُ؛ لأن أحكام الْحَمْلِ تَثْبُتُ من الإنفاق، والنَّهْيِ عن وَطْئِهَا في السَّبْيِ، والنَّهْيِ عن أَخْذِهَا في الزكاة، ووُجُوبِ أَخْذِهَا في الدِّيَة، ويُؤَخَّرُ الْحَدُّ بِالْقِصَاصِ، ويُبَاحُ به الإفطار، ويُرَدُّ به البيع. والْعُمْدَةُ فيه أنه يَخَافُ (إن مات) أن يَلْتَحِقَ به.

الخامسة والعشرون: لم يَقُلِ الرجل للنبي *: (إن زَوْجِي زَنَتْ، ولا إنِّي رَأَيْتُ ذلك منه في ذلك منها، ولا قال: إنِّي اسْتَبْرَأْتُهَا بثلاث حِيَضٍ، وإنما عَرَّضَ، فَفَهِمَ منه النبي *) التَّبَرِّيَ.

وفي حديث مَالِكٍ: =أَنَّهُ انْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا+. وفي الصحيح: =وَأَنْكَرَ

حَمْلَهَا+. وهذا نَصٌّ في إنكار الْحَمْلِ، ويَحْتَمِل أن يَكُونَ خَبَرًا عَمَّا قال فيه النبي *: إنْ جَاءَتْ بِكَذَا، فَهْوَ لِكَذَا. والظاهر أنه صَرَّحَ بِالنَّفْيِ (فيه، وقد)، اخْتَلَفَ قول علمائنا في هذه المسألة:

فرواية: أنه لا يَفْتَقِرُ إلى إضافة الْقَذْفِ إلى المشاهدة. وبه قال أَبُو حَنِيفَةَ والشَّافِعِيُّ.

والثاني: أنه يَفْتَقِرُ إلى ذلك؛ لأنه أمر يَتَخَلَّصُ به من الْحَدِّ بِالْقَذْفِ؛ فَيُضِيفُهُ إلى الْمُعَايَنَةِ كالشهادة.

وهذا لا يَصِحُّ؛ لأن الشهادة إنما شُرِطَتْ فيها الْمُعَايَنَةُ؛ لأَجْلِ تَحْقِيقِ الْفِعْلِ الذي يُوجِبُ الْقَتْلَ أو الْجَلْدَ، وأما الزوج فلا يُكَلِّفُ ذلك، بل يَدْفَعُهُ، ويَنْفِي عن نفسه فِرَاشًا لم يُصَنْ بِوَصِيَّةِ النبي *: =وَلاَ يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ+. فَتَكْفِي فيه الإشارة الغالبة والرِّيبَةُ الظاهرة من ذِكْرِ الاستبراء بِحَيْضَةٍ، أو ثلاث، على اختلاف بينهم فيه.

وقال الشَّافِعِيُّ: لا وَجْهَ لِذِكْرِ الاستبراء؛ لأن الحامل تَحِيضُ. وليس عن هذا جواب يَنْفَعُ.

السادسة والعشرون: قال النبي *: إنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا، فَهْوَ كَذَا، وَإنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا، فَهْوَ كَذَا. استدلال بِالشَّبَهِ، وهو على ضَرْبَيْنِ:

خِلْقِيٌّ. وحُكْمِيٌّ.

وقد بَيَّنَّاهُ في أصول الفقه، وقَرَّرْنَا أن موضع اعتبار الشَّبَهِ الْخِلْقِيِّ جَزَاءُ الصَّيْدِ في الْحَجِّ: لِلنَّعَامَةِ بَدَنَةٌ، ولِلْحَمَامَةِ شَاةٌ، على ما عُرِفَ في موضعه.

وشَبَهُ الأبناء للأمهات والآباء أصل عظيم، =فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ+. وحَمَلَ النبي * القول في هذا الشَّبَهِ على ما تَقَدَّمَ من أحوال

النَّازِلَةِ، وما تَرَدَّدَ فيها من الكلام، ولولا ذلك، لكان لِلسَّلاَمَةِ فيها مَدْخَلٌ، ولِلْبَرَاءَةِ فيها عَمَلٌ، وقال النبي *: =لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، لَرَجَمْتُهَا+.

وقد كان الْحُكْمُ بِالشَّبَهِ في الْخَلْقِ والأخلاق معتادًا في الأُمَمِ، وخصوصًا في الْعَرَبِ، حتى كانت تقول: =مَنْ أَشْبَهَ أَبَاهُ، فَمَا ظَلَمَ+.

وكَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يُشْبِهُ النَّبِيَّ *. وكَانَ النَّبِيُّ * يُشْبِهُ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ.

وقال النبي * في المرأة التي ادَّعَتْ على زوجها أنه لا يَطَأُ، وأنَّ مَعَهُ مِثْلَ الْهُدْبَةِ، وقد جَاءَ معها فقال: =وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي لَأَنْفُضُهَا نَفْضَ الأَدِيمِ. وَنَظَرَ النَّبِيُّ * إلَى وَلَدَيْنِ مَعَهُ، فَقَالَ: لَهُمَا أَشْبَهُ بِهِ مِنَ الْغُرَابِ بِالْغُرَابِ+.

وقد نَفَى النبي * الاسترابة، إذا لم يَكُنْ لها سَبَبٌ، فَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ: =أَنَّ رَجُلاً جَاءَهُ، فَقَالَ: وُلِدَ لِي غُلاَمٌ أَسْوَدُ. فَقَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ إبِلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مَا أَلْوَانُهَا؟ قَالَ: حُمْرٌ. قَالَ: هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَنَّى ذَلِكَ؟ قَالَ: لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَهُ. قَالَ: فَلَعَلَّ ابْنَكَ هَذَا عِرْقٌ نَزَعَهُ+.

السابعة والعشرون: قال النبي * في هذه النَّازِلَةِ: =اللَّهُمَّ بَيِّنْ+. فَوَضَعَتْهُ شَبِيهًا بالرجل الذي ذَكَرَ زَوْجُهَا أنه وَجَدَ عندها، ولم يَكُنْ مَعْنَى دعاء النبي * تَعْيِينَ صِدْقِ أحدهما، وإنما مَعْنَى دعائه في الْوَضْعِ للمولود حتى يَكُونَ شِبْهَهُ؛ بيانًا لأحدهما، ولا يَنْفَشُّ أو يَمُوتُ، فلا يَكُونُ هنالك بيان. ومَعْنَى هذا رَدْعُ النِّسَاءِ عن التَّلَبُّسِ بِمِثْلِ هذا الفعل.

الثامنة والعشرون: في ألفاظ صِفَاتِ الرجال والْوَلَدِ:

الآدَمُ: هو الأَسْمَرُ. وقد رَوَى الْبُخَارِيُّ فيه: =أَسْوَدَ+. فَفَسَّرَهُ.

الْخَدْلُ: الْمُمْتَلِئُ السَّاقِ، وهو الْخَدَلَّجُ.

والأَسْحَمُ: هو الذي عليه أُدْمَةٌ تَضْرِبُ إلى السَّوَادِ.

=أَدْعَجَ الْعَيْنَيْنِ+. الدَّعَجُ: شِدَّةُ السَّوَادِ وسَعَتُهُ. وفي رواية: =أَكْحَلَ+. ورَوَى الْبُخَارِيُّ: =أَعْيَنَ+. وهو الْكَبِيرُ الْعَيْنِ. والْكَحَلُ نَحْوُهُ.

والْوَحَرَةُ: دُوَيْبَّةُ حمراء، أكثر ما تَقَعُ في اللَّبَنِ والطعام.

وقوله: =قَضِيءَ الْعَيْنِ+. هو فساد فيها، تَحْمَرُّ منه، ويَسْتَرْخِي لَحْمُ مُوقِهَا.

والْجَعْدُ: معلوم.

و=حَمْشَ السَّاقَيْنِ+. يُرِيدُ: دَقِيقَهُمَا.

وقوله: =نَكَصَتْ+. يَعْنِي: تَأَخَّرَتْ عن مقامها. ثم تَقَدَّمَتْ للقضاء السابق عليها.

التاسعة والعشرون: قول النبي *: =لَوْلاَ مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللهِ، لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ+. دليل على أن النبي * يَحْكُمُ بالاجتهاد فيما لم يَنْزِلْ فيه وَحْيٌ، فإذا نَزَلَ الْحُكْمُ، قَطَعَ النَّظَرَ، وفَصَلَ النَّظِيرَ عن النَّظِيرِ، وجَاءَ بأصل آخَرَ يُعْتَمَدُ عليه في التمثيل والتَّنْظِيرِ.

الْمُوفِيَةُ ثَلاَثِينَ: قوله: =اللَّهُمَّ افْتَحْ+. أَيِ احْكُمْ، والْفَتَّاحُ: هو الحاكم، وهو عبارة عن حَلِّ كُلِّ مُنْغَلِقٍ، وشَرْحِ كُلِّ مُبْهَمٍ، وذلك إنما هو لله وَحْدَهُ بالحقيقة.

الحادية والثلاثون: قال علماؤنا وأكثر الأُمَّةِ: للزوج أن يُلاَعِنَ وإن وَجَدَ الْبَيِّنَةَ؛ لأن الله جَعَلَ اللِّعَانَ حُجَّتَهُ، وإن كان الله تعالى قد قال: ×َ Os9ur ` ن3 t' لَهُمْ âن! # y0pkà إِلَّا ِNكgف، àےRr&÷، ولكن الآية خَرَجَتْ مَخْرَجَ الغالب، بل مَخْرَجَ

المعتاد، فإنه لم يُحَدَّ أحد في الإسلام بِبَيِّنَةٍ، ولا يُحَدُّ في ظَنِّي أبدًا؛ لِمَا أَرَادَ الله تعالى من السَّتْرِ على الْخَلْقِ، حتى يَحْكُمَ فيه بِحُكْمِهِ، فذلك من قول الله صِفَةٌ للحال، لا شَرْطٌ في الْحُكْمِ، والذي يَدُلُّكَ على صحة ذلك أن اللِّعَانَ يُفِيدُ نَفْيَ الْحَدِّ عنه، ونَفْيَ النَّسَبِ، وزَوَالَ الْفِرَاشِ الْمُتَلَطِّخِ.

الثانية والثلاثون: قوله: =وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِأُمِّهِ+. ورُوِيَ: =بِالْمَرْأَةِ+.

اخْتَلَفَ الناس في تأويل ذلك، فمنهم من قال: نَفَى عنه نَسَبَ الأَبِ، وأَبْقَى عليه الأُمَّ التي لا بُدَّ له منها، ولها في هذه الحال منه. وقِيلَ: جَعَلَهَا له أَبًا وأُمًّا.

ورُكِّبَ على ذلك اختلاف العلماء في نَسَبِهِ وميراثه، فمنهم مَنْ قال: كُلُّهُ لأُمِّهِ. ومنهم مَنْ قال: لأخوته لأُمِّهِ بِالْفَرْضِ والرَّدِّ. (ومنهم مَنْ قال: لِعَصَبَةِ أُمِّهِ). ومنهم مَنْ قال: لِبَيْتِ الْمَالِ.

وهذه الأَرْبَعَةُ الأَقْوَالِ مُحَقَّقَةٌ في الفرائض. لا سِيَّمَا وقد رُوِيَ عن وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ: =أَنَّ الْمَرْأَةَ تَحُوزُ ثَلاَثَةَ مَوَارِيثَ: عَتِيقَهَا، وَلَقِيطَهَا، وَوَلَدَهَا الَّذِي لاَعَنَتْ عَلَيْهِ+.

الثالثة والثلاثون: الْيَمِينُ الْغَمُوسُ لا كَفَّارَةَ فيها، بدليل أن النبي * قال: =إنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ+. ولم يَذْكُرْ له كَفَّارَةً، ولو كانت واجبة فيها، لَبَيَّنَهَا؛ لأنه وقت البيان.

قال الإمام الحافظ: هذه عارضة الحديث بألفاظه، ويَدْخُلُ عليه مسائل تَتَعَلَّقُ بالقرآن ـ وقد بَيَّنَّاهَا في =الأحكام+ـ وتَتَعَلَّقُ بِالتَّفْرِيعِ، وبَيَانُهَا في =المسائل+.

بَابُ مَا جَاءَ أَيْنَ تَعْتَدُّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا؟

[1204] [1204ـ م] ذَكَرَ حديث مَالِكٍ، عَنِ الْفُرَيْعَةِ. الحديث صحيح

مَلِيحٌ حَسَنٌ.

الأصول:

قوله * لها: =نَعَمْ+. في رجوعها إلى أهلها بعد وفاة زوجها، ثم قوله لها بعد ذلك: =امْكُثِي فِي بَيْتِكِ، حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ+.

تَكَلَّمَ الناس فيه، فمنهم مَنْ قال: إنه نَسْخٌ لِلْقَوْلِ الأَوَّلِ بالثاني.

ومنهم مَنْ قال: إنه كان جوابًا على أمرٍ تَبَيَّنَ بَعْدَ ذلك عنده خِلاَفُهُ، فَحَكَمَ به.

وتحقيق القول في المسألة: أن الله سبحانه حَكَمَ بإبقاء الْمُتَوَفَّى عنها زَوْجُهَا سَنَةً في بيتها × u} ِچ xî 8l#tچ÷z خ) ÷ لها منه، ثم نَسَخَ ذلك بقوله: × tûï د%©! $# ur tb ِ q©ùuqtF م' مِنْكُمْ tbrâ x9t'ur % [`؛ ur ّ r& z` َء / u} tIt' بِأَنْفُسِهِنَّ spyèt/ ِ r& أَشْهُرٍ # Z} ô³t م ur÷. فَصَارَ الأَجَلُ إلى هذه الْمُدَّةِ بِحِكْمَةٍ بالغة، وشريعة ماضية، ثم اسْتَقَرَّ الأمر على ذلك، وجَاءَتِ الْفُرَيْعَةُ، فَذَكَرَتْ للنبي * أن زوجها تُوُفِّيَ عنها، وهى في مَسْكَنٍ لا تَمْلِكُهُ، وأَرَادَتِ الرجوع إلى أهلها في بَنِي خُدْرَةَ، فقال لها: =نَعَمْ+. ثم أَمَرَهَا بالعودة إلى مكانها الذي كانت فيه؛ لأن الْمَسْكَنَ الذي تُوُفِّيَ عنها زوجها فيه، وإن كان لا يَمْلِكُهُ، إلا أنها لم تُطَالَبْ بالخروج عنه، وإنما يَكُونُ القول، إذا أَرَادَ أهل الْمَسْكَنِ مَسْكَنَهُمْ، وأما إذا سَكَتُوا عنها، فإنه لا يُخْرِجُهَا منه إلا وَجْهٌ صحيح تَقُومُ به حُجَّةٌ؛ فلذلك أَمَرَهَا النبي * بالرجوع إلى موضعها.

فإن قِيلَ: هذا خَبَرُ امرأة واحدة، يَرْوِيهِ رجل واحد مُخْتَلَفٌ في اسْمِهِ، وهو سَعْدُ بْنُ إسْحَاقَ، أو سَعِيدُ بْنُ إسْحَاقَ.

قلنا: نحن قد قَبِلْنَا حَدِيثَ بُسْرَةَ فِي مَسِّ الذَّكَرِ. وليس من بابها، فكيف لا نَقْبَلُ حَدِيثَ الْفُرَيْعَةِ في حُكْمِ الْعِدَّةِ التي هي بابها؟! وحديث النساء والآحَادِ مقبول بإجماع من الأُمَّةِ، لا أَعْلَمُ في ذلك خلافًا، إلا لِمُدْهِنٍ في الشريعة ـ فَرْدٌ في ذلك ـ لإبْطَالِهَا. والقرآن يُعَضِّدُ هذا الحديث؛ فإن الله تعالى قد أَوْجَبَ التَّرَبُّصَ على الْمُتَوَفَّى عنها زَوْجُهَا، فما إلى إخراجها سبيل، وقد قَضَى به عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: =فَكَانَ يَرُدُّ الْمُعْتَدَّاتِ مِنْ طَرِيقِ الْحَجِّ إلَى الْمَدِينَةِ+. وقد بَيَّنَّا ذلك في =الأحكام+ و=مسائل الخلاف+.

ijk

كِتَابُ الْبُيُوعِ

بَابُ تَرْكِ الشُّبُهَاتِ

[1205] [1205ـ م] ذَكَرَ حديثَ الشَّعْبِيِّ، عن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أنه قال: سَمِعْتُ رسول الله * يقول: =الْحَلاَلُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ، لاَ يَدْرِي كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَمِنَ الْحَرَامِ هِيَ، أَمْ مِنَ الْحَلاَلِ، فَمَنْ تَرَكَهَا اسْتِبْراءً لِعِرْضِهِ وَدِينِهِ، فَقَدْ سَلِمَ، وَمَنْ وَاقَعَ شَيْئًا مِنْهَا، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَ الْحَرَامَ، كَمَا أَنَّهُ مَنْ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلاَ وَإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ وَإنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ+.

قال الإمام الحافظ: زَادَ في الصحيح: =أَلاَ وَإنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إذَا صَلَحَتْ، صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ الْجَسَدُ، أَلاَ وَهْيَ الْقَلْبُ+.

العارضة:

في (أربع عشرة مسألة):

الأولى: تَكَلَّمَ الناس على هذا الحديث، فمنهم مَنْ جَعَلَهُ ثُلُثَ الإسلام، ومنهم مَنْ جَعَلَهُ رُبُعَهُ، وأَكْثَرُوا في التقسيمات. وأَكْثَرُهَا تَحَكُّمَاتٌ تَحْتَمِلُ الزيادة والنَّقْصَ، وعلى الْجُمْلَةِ، فإنَّ المعاني مُشْتَرَكَةٌ، فلو قال قائل: إنه نِصْفُ الإسلام، لَوَجَدَ لذلك وَجْهًا من الكلام، حتى لو غَالَى مُغَالٍ، فقال: إنه جُمْلَةُ الدِّينِ، لَمَا عَدِمَ وَجْهًا، وإن بَعُدَ في التَّبْيِينِ، ولكن هذه المعاني دَاخِلَةٌ، مُدْخِلَةٌ لِمُتَعَاطِيهَا في الْمُتَكَلِّفِينَ، ويَنْبَغِي أن يُؤْتَى كُلُّ شيء في بَابِهِ، ويُقَدَّرَ في نِصَابِهِ.

الثانية: الْحَلاَلُ ما أُذِنَ في تَعَاطِيهِ، والْحَرَامُ ما مُنِعَ منه، وإن الباري سبحانه بِبَدِيعِ حِكْمَتِهِ لَمَّا خَلَقَ لنا ما في الأرض جميعًا ـ كما أَخْبَرَنَا ـ قَسَّمَ الحال فيه، فمنه ما أَبَاحَهُ على الإطلاق.

ومنه ما أَبَاحَهُ في حال دون حال.

ومنه ما أَبَاحَهُ على وَجْهٍ دون وَجْهٍ.

فأما أن يَكُونَ في الأرض ممنوع، لا تَتَطَرَّقُ إليه إباحة في حال، ولا على وَجْهٍ، فلا أَعْلَمُهُ الآنَ؛ ولذلك تَمَّتْ هذه النِّعْمَةُ، واسْتَقَرَّتْ بها الْمِنَّةُ في أعناق الْخَلِيقَةِ من قوله: × uqèd د%©! $# aYn=y { لَكُمْ مَا خ û اعِ F {$# $Yè` د Jy_÷.

الثالثة: ما فَصَّلَ سبحانه فيه الْقَوْلَ فَصْلاً، وتَمَّتْ به الْكَلِمَةُ صِدْقًا وعَدْلاً، فقد فَصَّلَهُ تفصيلاً، وبَيَّنَ ما أَحَلَّ وحَرَّمَ، إلا ما اضْطُرِرْنَا إليه، فإنه يَعُودُ بالضرورة حَلاَلاً بعد أن كان حَرَامًا، وكُلُّ شيء تَتَعَاوَرُهُ الأحكام بِالْحَلاَلِ والْحَرَامِ إلا التوحيد، فإنه لا تَدْخُلُهُ إحَالَةٌ، ولا يَنْزِلُ عن دَرَجَةِ الْفَرْضِيَّةِ ومَنْزِلَةِ الوجوب والْحَتْمِ في حَالَةٍ، فَتَبَارَكَ الصَّمَدُ الْوَاحِدُ.

الرابعة: قال النبي *: =إنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِأَشْيَاءَ فَامْتَثِلُوهَا، وَنَهَاكُمْ عَنْ أَشْيَاءَ فَاجْتَنِبُوهَا، وَسَكَتَ لَكُمْ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً مِنْهُ، فَلاَ تَسْأَلُوا عَنْهَا+. والمسكوت عنه على قِسْمَيْنِ:

مُشْبِهٌ لِلْحَلاَلِ ومُشْبِهٌ لِلْحَرَامِ.

أو خَارِجٌ عن الْقِسْمَيْنِ.

فإن كان خَارِجًا عن الْقِسْمَيْنِ، فهو الْمُبَاحُ عندنا، وإن كان مُشْبِهًا لأحدهما، الْتَحَقَ بما أَشْبَهَهُ عند كَافَّة من المسلمين، إلا أنه حَدَثَ أيام الْفِتْنَةِ وظهور الْبِدَعِ مَنْ يقول: لا قَوْلَ إلا ما قال الله ورسوله. فَعَمُوا

وصَمُّوا، ولم يَتُبِ اللهُ عليهم، ثم عَمُوا وصَمُّوا، كَثِيرٌ منهم، والله بَصِيرٌ بِعَمَلِهِمْ بواسع عِلْمِهِ، وقَاطِعٌ لأَمَلِهِمْ بِغَالِبِ نَصْرِهِ. ونَحْوٌ من هذا قوله *: =الْحَلاَلُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ+ ـ وهي

الخامسة ـ: بَيَّنَ الله ما أَبَاحَ وبَيَّنَ ما حَرَّمَ في كتابه، وعلى لسان رسوله، =وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ+. ويُرْوَى هذا الْحَرْفُ على ثلاثة أَوْجُهٍ:

=مُشْتَبِهَاتٌ+ على وَزْنِ =مُفْتَعِلاَت+ بكسر الْعَيْنِ.

و=مُشَبَّهَاتٌ+ على وَزْنِ =مُفَعَّلاَت+ بتشديد الْعَيْنِ.

و=مشبهات+ على الْوَزْنِ الْمُتَقَدِّمِ، لكن الْعَيْنُ مكسورة.

فالأول معناه: اكْتَسَبَتِ الشَّبَهَ من وَجْهَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ.

ومَعْنَى الثاني: أَيْ: شُبِّهَتْ بِغَيْرِهَا مِمَّا لا يَتَبَيَّنُ به حُكْمُهَا على التَّعْيِينِ.

ومَعْنَى الثالث مِثْلُهُ، لكن أَضَافَ الْفِعْلَ إليها، وهو مَجَازٌ سَائِغٌ، عَرَبِيٌّ فَصِيحٌ. ولا يَصِحُّ أن يَكُونَ الْمِثَالُ الأول مفتوح الْعَيْنِ؛ لأن =افْتَعَلَ+ مِمَّا لا يَتَعَدَّى إلى مفعول، فَيَكُونُ منه بِنَاؤُهُ، وإنما هو من الأفعال اللاَّزِمَةِ.

فَأَطْلَقَ الشَّرْعُ الأَيْدِيَ على الْحَلاَلِ، وقَصَّرَهَا عن الْحَرَامِ، ووَرَّعَ عنِ الْمُشْتَبِهِ في قَوْلٍ، ومَنَعَ منه في آخَرَ ـ على ما يَأْتِي بيانه مختصرًا إن شاء الله ـ وفَصَّلَ آخَرُونَ ـ وهي

السادسة ـ: بَيْنَ المعاني، فقالوا: إن كان من الفواحش الكبائر، الْتَحَقَتْ فيه الشُّبْهَةُ بِالْحَرَامِ، وإن كان من غير ذلك، بَقِيَ على هذا الأصل.

فَمَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِعَشْرَةٍ إلى أَجَلٍ، ثم اشْتَرَاهَا مِمَّنْ بَاعَهَا منه بِخَمْسَةٍ

نَقْدًا، فهذا حَلاَلٌ مَحْضٌ، وعَمَلٌ صحيح، ولكنه يُشْبِهُ مَنْ أَعْطَى خَمْسَةً بِعَشْرَةٍ إلى أَجَلٍ، فَلَمَّا خَافَ من الناس ـ إذْ لم يَخَفْ من الله ـ جَاءَ بهذه الصورة، فَصَاحِبُ الدَّيْنِ صَوَّرَهَا بذلك؛ لِئَلاَّ يُنْكِرَهُ الْغَرِيمُ، والْغَرِيمُ اسْتَسْهَلَهَا لنفسه؛ قِلَّةُ دِينٍ، أو لضرورة، فقال كَثِيرٌ من العلماء: ذلك جائز. وقال كَثِيرٌ منهم: ذلك حَرَامٌ.

وما أَقْرَبَهُمَا من الشرع جميعًا! والأَقْرَبُ من الأَقْرَبَيْنِ مَنْ قال: إن ذلك حَرَامٌ؛ فإن الله لا تَخْفَى عليه خافية، و=الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ+. فهذا بَيْعٌ انْعَقَدَ على غير قانون الشرع، فكان حرامًا.

فإن قِيلَ: ولعله لم يَعْقِدْ عليه؟

قلنا: فقد آلَ إليه.

فإن قِيلَ: ومَنْ لم يَنْوِهِ، لم يُحَاسَبْ عليه، فكيف يُقْضَى بِفَسْخِهِ عليه، ولا يُفْسَخُ دِينًا إلا ما يَحْرُمُ، ويُعَاقَبُ به في الأخرى؟!

قلنا: إذا حَرَّمَ الشرع الْمَعْنَى فُسِخَ، نَوَاهُ الفاعل، أو لم يَنْوِهِ.

فإن قِيلَ: وأَنْتَ إنما حَرَّمْتَ هذا خَوْفًا من الْقَصْدِ، وأَنْتَ لم تَعْلَمْ قَصْدَهُ.

قلنا: هذه نُكْتَةُ الْمَسْأَلَةِ، وسِرُّهَا الأعظم؛ وذلك أنه لَمَّا كان هذا أَمْرًا مَخُوفًا، حُسِمَ الباب فيه، ومُنِعَ من صورته؛ لِتَعَذُّرِ الوقوف على الْقَصْدِ فيه، والشريعة إذا عَلَّقَتِ الأحكام بالأسباب الباطنة، أَقَامَتِ (الظَّاهِرَ مَقَامَهَا)، كَالْمَشَقَّةِ في السَّفَرِ التي عُلِّقَتْ عليها الرُّخَصُ، لَمَّا لم تَنْضَبِطْ، عُلِّقَتْ على صورة السَّفَرِ، والْعِدَّةِ لَمَّا وُضِعَتْ لِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ، عُلِّقَتْ على وجود الْوَفَاةِ والطلاق، ولم يُعْتَبَرْ بصورة الزوجة في إمكان الْوَطْءِ وعَدَمِهِ، وخَوْفِ الْحَمْلِ والأَمْنِ منه؛ لأن ذلك مِمَّا لا يَتَحَصَّلُ لِلْخَلْقِ.

السابعة: رَكَّبَ أصحابنا على ذلك مسائل سَمَّوْهَا: =ذَرِيعَةَ الذَّرِيعَةِ+. وسَمَّاهَا آخرون: =شُبْهَةَ الشُّبْهَةِ+. وذلك مِمَّا لا مَعْنَى له؛ فإنه ليس لِلشُّبْهَةِ شُبْهَةٌ، إنما هي وشُبْهَتُهَا شَبِيهَتَانِ مَعًا للتي صَارَتْ (تَشْبِيهًا لها) شُبْهَةً، وهذا لا يَتَفَطَّنُ له الأَعْرَاضُ، وقد بَيَّنَّاهُ في =المسائل+.

الثامنة: مَعَنَا أَصْلٌ في الحَلاَلِ، ومَعَنَا آخَرُ في الحَرَامِ. وأَجَلُّ ما تَكَلَّمَ في ذلك عَالِمُنَا وكَبِيرُنَا الحَارِثُ بْنُ أَسَدٍ، فَمِنَ الأصول التي زَعَمَ قَوْلُ السَّعْدِيُّ، عن النبي *: =لاَ يَبْلُغُ العَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ المُتَّقِينَ، حَتَّى يَتْرُكَ مَا لاَ بَأْسَ بِهِ؛ مَخَافَةَ مَا بِهِ بَأْسٌ+. ونَحْوُ هذا بَيَّنَهُ في دَرَجَةٍ.

(وبَيَّنَ في دَرَجَةٍ) أخرى، فقال عن أَبِي ذَرٍّ: =تَمَامُ التَّقْوَى أَنْ يَتَّقِيَ اللهَ العَبْدُ بِتَرْكِ بَعْضِ الحَلاَلِ؛ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا؛ حِجَابًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الحَرَامِ+.

وذَكَرَ عن إبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ أنه قِيلَ له: =أَلاَ تَشْرَبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ؟! فقال: لو كان لِي دَلْوٌ لَشَرِبْتُ+. إشارة إلى أَنَّ الدَّلْوَ من مال السلطان، وكان مال السلطان مُشْتَبِهًا.

وذَكَرَ =أَنَّ سَعْدًا أَحْرَقَ كَرْمَهُ، وَقَالَ: بِئْسَ الشَّيْخُ أَنَا، إنْ بِعْتُ الخَمْرَ+. وقال أيضًا: إنَّ مَا حَاكَ في الصدر شُبْهَةٌ تُجْتَنَبُ.

ورَوَى أَنَّ النبي * قال: =أَفْتِ نَفْسَكَ، وَإنْ أَفْتَاكَ المُفْتُونَ+. وأَطَالَ القول في ذلك، وأَفَادَ فيما أَعَادَ، وجَوَّدَ فيما طَوَّلَ؛ لولا تَعَلُّقُهُ بِأَحَادِيثَ ضِعَافٍ، وبِنَاءُ الأصول عليها، فإذا وَقَفَ عليها علماء الحديث، سَخِرُوا من ذلك، وهَزَأوا به، مع أنه لَقِيَ أَحْبَارَ الدنيا فيه كَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وغَيْرِهِ.

والذي عندي في ذلك ـ والله أعلم ـ ما رُوِّينَاهُ عن أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أنه كان يَسْتَجِيزُ لَيِّنَ الحديث في الوَرَعِ. ورَضِيَ اللهُ عنِ الْبُخَارِيِّ الذي لم يَرَ أن يَتَعَلَّقَ الْقَلْبُ، ولا يُرْبَطَ الدِّينُ، إلا بالصحيح، وبه نقول.

ولو مِلْنَا إلى مَذْهَبِ أَحْمَدَ، فلا يَكُونُ التَّعَلُّقُ بِلَيِّنِ الحديث، إلا في المواعظ التي تُرَقِّقُ القلوب، فأما في الأصول، فلا سبيل إلى ذلك، والذي تَقَيَّدَ في الأصول في باب الشُّبُهَاتِ من الحديث ( ... ):

الأول: في الأقوال. حديث عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ: =أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إهَابٍ التَّمِيمِيِّ، فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ. فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي، وَلاَ أَخْبَرْتِنِي. فَأَرْسَلَ إلَى آلِ أَبِي إهَابٍ فَسَأَلَهُمْ، فَقَالُوا: مَا أَرْضَعَتْ صَاحِبَتَنَا. فَرَكِبَ إلَى النَّبِيِّ *، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ *، فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ فُلاَنَةَ بِنْتَ فُلاَنٍ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ لِي: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، وَهْيَ كَاذِبَةٌ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ وَتَبَسَّمَ، فَأَتَيْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ، فَقُلْتُ: إنَّهَا كَاذِبَةٌ. قَالَ: وَكَيْفَ بِهَا، وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْكُمَا؟! دَعْهَا عَنْكَ، وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ: السَّبَّابَةِ، وَالْوُسْطَى+.

الثاني: عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النبي * أنه قال: =إنِّي لَأَنْقَلِبُ إلَى أَهْلِي، فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي، فَأَرْفَعُهَا لآكُلَهَا، فَأَخْشَى أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ؛ فَأُلْقِيهَا+. وعن أَنَسٍ: =مَرَّ النَّبِيُّ * بِتَمْرَةٍ سَاقِطَةٍ، فَقَالَ: لَوْلاَ أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً، لَأَكَلْتُهَا+.

الثالث: سُئِلَ عُثْمَانُ عن الأُخْتَيْنِ: هل تُجْمَعَانِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ؟ فقال: =أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ، وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ، وَالتَّحْرِيمُ أَوْلَى+. وسَاعَدَهُ على ذلك عَلِيٌّ، والزُّبَيْرُ، واتَّفَقَ الناس عليه. فَصَارَ الأول والثالث أَصْلاً في الشُّبْهَةِ.

العارضة:

لِلْعَبْدِ من الأقوال في نَوْعَيْنِ:

أحدهما: من جِهَةِ الْخَبَرِ.

والثاني ـ الذي هو الثالث من الأمثلة ـ: في تَعَارُضِ الأدلة.

وصار الثاني من الأمثلة في التَّمْرَةِ أَصْلاً في الشَّكِّ الطَّارِئِِ على الْعَبْدِ في باب الْكَسْبِ الذي وَرَّعَ النبي * فيه، وأَخْبَرَ عن فَسَادِ أَمْرِهِ في آخِرِ الزمان، فقال: =يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، لاَ يُبَالِي الْعَبْدُ فِيهِ من كَسَبَ الْمَالَ+. فهذا في الصحيح. زَادَ الناس فيه ما لم يَصِحَّ، فقالوا: =مَنْ لَمْ يُبَالِ مِنْ حَيْثُ كَسَبَ الْمَالَ، لَمْ يُبَالِ اللهُ مِنْ حَيْثُ أَدْخَلَهُ النَّارَ+. والحديث باطل.

ومن الْمُشْتَبِهِ في تَعَارُضِ الأقوال إذا قال لامرأته: أَنْتِ طَالِقٌ إلى شَهْرٍ. فقال كَثِيرٌ من أهل العلم: إذا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ، فهي طالق.

وقال مَالِكٌ: تُطَلَّقُ في الحال؛ بِنَاءً على أن هذا القول تَأْقِيتٌ لِلْحِلِّ في الْفَرْجِ، وإنْهَاءٌ له إلى أَجَلٍ، فَضَارَعَ ما لوِ ابْتَدَأَ عَقْدَ النكاح على ذلك.

وقال الْمُخَالِفُ: ليس الابتداء في ذلك كالاستدامة؛ فإنه لو عَقَدَ النكاح إلى قُدُومِ زَيْدٍ، لم يَجُزْ، ولو أَنْهَى الْحِلَّ إليه بعد النكاح ـ فقال: أَنْتِ طَالِقٌ إذا قَدِمَ زَيْدٌ ـ لم تُطَلَّقْ، فكما لم يَلْتَحِقْ به في قُدُومِ زَيْدٍ، كذلك لا يَلْتَحِقُ به في رَأْسِ الشَّهْرِ، فَانْقَطَعَ الشَّبَهُ، وزَالَتِ الْمُضَارَعَةُ. ورَجَعَتِ المسألة إلى أَنَّ مَذْهَبَ الْمُخَالِفِ أَقْوَى، وقد نَصَرْنَا المسألة في =مسائل الخلاف+ بما فيه كفاية.

ومِنَ الْمُشْتَبِهِ في المعاملات ما رَوَى مُسْلِمٌ: =أَنَّ مَعْمَرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَرْسَلَ غُلاَمَهُ بِصَاعِ قَمْحٍ، فَقَالَ: بِعْهُ، وَاشْتَرِ بِهِ شَعِيرًا. فَذَهَبَ الْغُلاَمُ، فَأَخَذَ صَاعًا وَزِيَادَةَ بَعْضِ صَاعٍ، فَلَمَّا جَاءَ مَعْمَرٌ، أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ مَعْمَرٌ: لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ؟! انْطَلِقْ فَرُدَّهُ، وَلاَ تَأْخُذْ إلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ؛ فَإنِّي كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ * يَقُولُ: الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلاً بِمِثْلٍ. وَكَانَ طَعَامُنَا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرُ. قِيلَ: فَإنَّهُ لَيْسَ بِمِثْلِهِ. قَالَ: أَخَافُ أَنْ يُضَارِعَ+.

فَعَلِمَ أنه ليس بِمِثْلِهِ، ولكنه خَافَ أن يُضَارِعَ، أَيْ: يُشَابِهَهُ. وسَنَسْتَقْصِي المسألة بَعْدُ إن شاء الله.

ورَوَى الْبُخَارِيُّ عن ابْنِ عَبَّاسٍ أنه قال: قال رسول الله *: =مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ مِثْلَهُ+.

التاسعة: قوله: =لاَ يَدْرِي كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَمِنَ الْحَلاَلِ هِيَ، أَمْ مِنَ الْحَرَامِ+. يَشْهَدُ بِتَعْيِينِ محتملٍ من محتملات الاشتباه، وهو التَّعَارُضُ في الأدلة؛ لقوله: =أَمِنَ الْحَرَامِ هِيَ، أَمْ مِنَ الْحَلاَلِ+. فَدَلَّ على أنه من أحدهما.

وقوله: =كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ+. دليل على أنه هناك قليل يَعْلَمُهَا، فَيَنْبَغِي لِلْمُقَصِّرِ أن يَقِفَ عنها، ويَرْجِعَ إلى الْعَالِمِ بها، فَيَعْمَلَ على قوله فيها، إما بِتَنْبِيهٍ على دليلها، فَيَكُونُ من باب الذِّكْرَى. وإما بِمُجَرَّدِ الإعْلاَمِ، فَيَكُونُ من التَّقْلِيدِ.

وقد تَتَعَارَضُ الأدلة على النَّازِلَةِ، فَيَكُونُ فيها للعلماء ثلاثة أقوال:

أحدها: أنها من قِسْمِ الْحَلاَلِ؛ تَوْسِعَةً ورَفْعًا لِلْحَرَجِ.

الثاني: أنها من قِسْمِ الْحَرَامِ؛ أَخْذًا بالاحتياط في التَّرْكِ.

ومن الناس من طَلَبَ دليلاً آخَرَ إن وَجَدَهَا، وإلا تَرَكَهَا. وهو الاستدلال الذي نَبَّهَ عليه فيه قَوْلُهُ: =فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ، اسْتَبْرَأَ+ ـ وهي

العاشرة ـ: ومَعْنَى =اسْتَبْرَأَ+ اسْتَفْعَلَ من الْبَرَاءَةِ، وهي ذَهَابُ الشيء الْمُلاَبِسِ لِلآخَرِ منه، وهو مُسْتَعْمَلٌ بِالْعُرْفِ في المكروه، قال الله سبحانه: ×سح_¯Rخ) بَرَاءٌ مِمَّا tbr ك0 ç7÷ès?÷. وש! $# ضن ü جچ t/ مِنَ

tûü د. خ} ô³ كJّ9$# ¼م& è! q ك" u ur÷. و×$¯Rخ) بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا tbr ك0 ç7÷ès? مِنْ ب br ك` "! $#÷. فَمَعْنَى اسْتَبْرَأَ: أَزَالَ نَفْسَهُ عن المكروه، أو أَزَالَ المكروه مِمَّا يُرِيدُ أَنْ يَتَلَبَّسَ منه.

ومن ألفاظ الصحيح: =وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ، فَمَنْ تَرَكَ مَا شُبِّهَ عَلَيْهِ مِنَ الإثْمِ، كَانَ لِمَا اسْتَبَانَ أَتْرَكَ، وَمَنِ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنَ الإثْمِ، أَوْشَكَ أَنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتَبَانَ+.

قوله: =لِعِرْضِهِ+ ـ وهي

الحادية عشرة ـ: وقد بَيَّنَّا الْعِرْضَ في موضعه. والمراد من معانيه ههنا: اعتقاد الناس فيه، وذِكْرُهِمْ له، عَبَّرَ به عنه مَجَازًا؛ لأن الْخَبَرَ عنه يَكُونُ، وذلك أن الرجل إذا رُئِيَ مُسْتَرْسِلاً، ظُنَّ به تَرْكُ الاحتراز، واحْتَمَلَ عندهم الْوُقُوعَ فيما لا يَنْبَغِي، فَبِأَقَلِّ خَبَرٍ يُقَالُ، أو عَلاَمَةٍ محتملة تَظْهَرُ، قالوا: إن الظَّنَّ به أنه يَفْعَلُ.

وإذا كان مُتَحَرِّزًا مُتَحَرِّيًا، لم يُقْبَلْ عليه خَبَرٌ، ولا اتُّهِمَ بمحتمل، وحُمِلَ على السلامة، وقُضِيَ له بِالْبَرَاءَةِ.

الثانية عشرة: قوله: =وَدِينِهِ+. الْمَعْنَى: كان دِينُهُ مَصُونًا لِمَا جَعَلَ بينه وبين الحرام من وقاية تَرْكِ الشُّبْهَةِ، بل من وقاية تَرْكِ الحلال المباح، حتى تَكُونَ النَّفْسُ (عَذُوبًا تَسْتَنْكِفُ) الْمُبَاحَ، فَضْلاً عن الشُّبْهَةِ، بَلْهَ الْحَرَامَ. وإذا اسْتَرْسَلَ على المباحات، لم يَأْمَنْ أن يَقَعَ بِاعْتِيَادِ الشهوات والتَّمَرُّسِ باللذات في مُشْتَبِهٍ، فَيَقُودُهُ ذلك إلى الحرام، وذلك معلوم بالاعتبار، مُشَاهَدٌ في الْعِبَادِ، =فَالْخَيْرُ عَادَةٌ، وَالشَّرُّ لَجَاجَةٌ+؛ فلذلك قال ـ وهي

المسألة الثالثة عشرة ـ: يَكُونُ =كَالرَّاعِي حَوْلَ الْحِمَى، أَوْشَكَ أَنْ

يُوَاقِعَهُ+. لِطُولِ الْمُجَاوَرَةِ له، ومَشَقَّةِ تَمَادِي الاحتراز منه، حتى يَمَلَّ، فَيُلْقِيَ بِيَدِهِ إلى التَّخَلِّي، فَيَقَعَ فيه، وإذا أَبْعَدَ عنه، أَمِنَ مع الاسترسال الْوُقُوعَ فيه، فَضَرَبَ النبي * في هذا مَثَلاً لأَرْبَعَةٍ بِأَرْبَعَةٍ:

الْبَارِي تعالى وله الْمَثَلُ الأَعْلَى. والْمُحَرَّمَاتِ. والْمُشْتَبِهَاتِ. والْمُتَعَبِّدِ بِالأَمْرِ والنَّهْيِ.

بِالْمَلِكِ، ولا مَلِكَ إلا الله. والْحِمَى. ما يُجَاوِرُهُ. والرَّاعِي.

فَلاَ أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ، وَمِنْ غَيْرَتِهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. فإذا حَرَّمَ الْمُتَعَبِّدُ بِالأَمْرِ والنَّهْي نَفْسَهُ على المحرمات، كان كالراعي جَانِبَ حِمَى الْمَلِكِ بِسَائِمَتِهِ، وهي نَفْسُهُ، وهو الْمَبْدَأُ الأول.

وإذا أَرْسَلَ نَفْسَهُ تَسْرَحُ في رِيَاضِ الشهوات، وأَوْطَنَهَا أَوْدِيَةَ الْغَفَلاَتِ، وسَامَحَهَا بِالْمُشْتَبِهَاتِ، كان كالراعي دَارَ بِمَاشِيَتِهِ حَوْلَ الْحِمَى، ودَنَا منه في سَرْحِهِ وتَدَلَّى، ولا يَأْمَنُ أن يَقَعَ فيه ويَتَرَدَّى، وهو الثاني.

وإذا كَبَحَهَا عن المباحات، ومَنَعَ مَتَاعَهَا من الجائزات، كان بِمَنْزِلَةِ الراعي إذا أَدْبَرَ بِمَاشِيَتِهِ وانْتَوَى، ولم يَكُنْ بشيء من أرض الْحِمَى، وهو الثالث.

فَتَنْتَظِمُ به حَالُ الراعي، وتَحْصُلُ له السلامة، وهو الْمُنْتَهَى الرابع من الأَمْثَالِ.

قد رَوَى الْحَارِثُ بْنُ أَسَدٍ: =أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَتْ لَهُ أَهْلٌ، لَمْ يَكُنْ فِي أَهْلِهِ أَوَدُّ فِي صَدْرِهِ مِنْهَا، فَلَمَّا وَلِيَ أَمْرَ النَّاسِ، قَالَ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَخْوَفَ مِنْ أَنْ يُشَارِكَنِي فِي أَمَانَتِي مِنْهَا، فَطَلَّقْتُهَا؛ مَخَافَةَ ذَلِكَ، فَلَمَّا حَفِظَ اللهُ مِنِّي مَا كُنْتُ أَخَافُ، ذَكَرْتُ وِدِّي إيَّاهَا، فَكَتَبْتُ إلَى أَهْلِهَا أَخْطِبُهَا، فَأَتَى فِي الجَوَابِ: بِأَنَّا حِينَ أَقْلَعْنَا مِنْ قَبْرِهَا، كَتَبْنَا جَوَابَكَ+.

في أُنْمُوذَجٍ مِنَ الْمُشْتَبِهِ تَقَدَّمَ ذِكْرُ صَدْرِهَا، وهي تَعَلُّقُ الْكَرْمِ ببيع الْخَمْرِ. قال بعض علمائنا: لا بأس أن تُسَاقِيَ الذِّمِّيَّ كَرْمَكَ، إذا أَمِنْتَ أن يَعْصِرَهُ خَمْرًا.

وهذا لا سبيل إلى حصول الأَمْنِ منه أبدًا، إلا بأن لا يُفَارِقَهُ حتى يَقْطَعَهُ ويُزَبِّبَهُ (ويَبِيعَ زَبِيبَهُ)، فإذا خَرَجَ عن يَدِهِ، حينئذ يَأْمَنُ أَنْ يَتَّخِذَ منه خَمْرًا.

واسْحَنْفَرَ قَوْمٌ، فقالوا: إن هذا مَبْنِيٌّ على القول بمخاطبة الكفار بفروع الشريعة، أو لا يُخَاطَبُونَ.

وقد أَجْمَعَتِ الأُمَّةُ على جواز أَكْلِ طعامهم، وهم لا يَنْتَجِسُونَ الْخَمْرَ، فَدَلَّ على أَنَّ أَمْرَهُمْ كُلَّهُ عَفْوٌ عندنا، سَمَحَ الله به لنا، فلا تَدْخُلُ معاملتهم ولا مُسَاقَاتُهُمْ في شيء من الشُّبْهَةِ.

وأَغْرَبُ من ذلك في جَذْفِهِ وأَمْثَالِهِ مِنَ الشُّبْهَةِ، وإسْقَاطِهِ من باب الْوَرَعِ أيضًا حَدِيثُ =الْمُوَطَّأِ+: =أَنَّ الصَّحَابَةَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّهُ يَأْتِينَا نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ بِلُحْمَانٍ، لاَ نَدْرِي أَسَمُّوا اللهَ عَلَيْهَا، أَمْ لاَ؟ فَقَالَ: سَمُّوا اللهَ أَنْتُمْ، وَكُلُوا+. ولم يَكُنْ حولهم ذِمِّيٌّ، وإنما كانت الْعَرَبُ أهل أَوْثَانٍ، وإشارتهم إنما كانت إلى أَنَّ أهل البادية يَغْلِبُ عليهم الْجَفَاءُ والْجَهْلُ، ولا يُدْرَى إذا جَاءُوا بها، هلِ اسْتَوْفَوا شُرُوطَ الذَّكَاةِ فيها، أم لا، فقال النبي *: =سَمُّوا اللهَ، وَكُلُوا+. الْمَعْنَى: عليكم بما يَتَوَجَّهُ عليكم من التَّسْمِيَةِ في أَكْلِكُمْ، ودَعُوا فِعْلَهُمْ، واكْتَفُوا بظاهر إسلامهم.

ولذلك جَازَ أَكْلُ لحوم الْجَزَّارِينَ، وإن لم يُوثَقْ بهم في التَّسْمِيَةِ؛ حَمْلاً على ظاهر الإسلام، إلا أن تُعَايِنَ منهم مَنْ يَتْرُكُ التَّسْمِيَةِ، فحينئذ تَجْتَنِبُ الأَكْلَ، كما جَرَى لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ حِينَ أَمَرَ غُلاَمَهُ أَنْ يُسَمِّيَ، فَقَالَ: قَدْ سَمَّيْتُ. وَأَبَى أَنْ يُعْلِنَ بِهَا كَمَا أَمَرَهُ، فَتَرَكَهَا

تَوَرُّعًا؛ لأنه لم يَثِقْ به.

الرابعة عشرة: هذا إنما ذَكَرَهُ العلماء في فَاتِحَةِ الْبُيُوعِ؛ لِيُنَبِّهُوا الْخَلْقَ على الاحتراز من كل أَمْرٍ مُشْتَبِهٍ في طريق الْكَسْبِ، يُضَارِعُ الْمُحَرَّمَ، فَيَجْتَنِبَهُ الْمُسْلِمُ الذي يُرِيدُ أن يَسْلَمَ له دِينُهُ، والله الْعَاصِمُ، لا رَبَّ غيره.

وقد قَرَأْتُ على الشَّرِيفِ الْكَامِلِ نَقِيبِ النُّقَبَاءِ أَبِي الْفَوَارِسِ طِرَادِ بْنِ مُحَمَّدٍ الزَّيْنَبِيِّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ ابْنِ بِشْرَانَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ (مُحَمَّدِ بْنِ) أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ: =أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسْتَعْمَلَ النُّعْمَانَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ نَضْلَةَ عَلَى مَيْسَانَ مِنْ أَرْضِ الْبَصْرَةِ، فَقَالَ أَبْيَاتًا لأَهْلِهِ:

(أَلاَ هَلْ) أَتَى الْحَسْنَاءَ أَنَّ حَلِيلَهَا ... بِمَيْسَانَ يُسْقَى فِي زُجَاجٍ وَحَنْتَمِ

إذَا شِئْتُ غَنَّتْنٍي دَهَاقِينُ قَرْيَةٍ ... وَرَقَّاصَةٌ تَجْذُو عَلَى كُلِّ مَنْسِمِ

فَإنْ كُنْتَ نَدْمَانِي فَبِالأَكْبَرِ اسْقِنِي ... وَلاَ تَسْقِنِي بِالأَصْغَرِ الْمُتَثَلِّمِ

لَعَلَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَسُوؤُهُ ... تَنَادُمُنَا فِي الْجَوْسَقِ الْمُتَهَدِّمِ

فَلَمَّا بَلَغَتْ أَبْيَاتُهُ عُمَرَ، قَالَ: نَعَمْ، وَاللهِ إنَّ ذَلِكَ لَيَسُوؤُنِي، فَمَنْ لَقِيَهُ، فَلْيُخْبِرْهُ أَنِّي قَدْ عَزَلْتُهُ. فَلَمَّا قَدِمَ اعْتَذَرَ، وَقَالَ: وَاللهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا صَنَعْتُ شَيْئًا مِمَّا بَلَغَكَ، وَلَكِنْ كُنْتُ امْرَأً شَاعِرًا، وَجَدْتُ فَضْلَةً مِنْ قَوْلٍ فَقُلْتُ. فَقَالَ عُمَرُ: (وَاللهِ لاَ تَعْمَلُ لِي عَمَلاً. فَعَزَلَهُ+.

وفي رواية غيره: =فَقَالَ عُمَرُ) حِينَ بَلَغَهُ ذَلِكَ: إنِّي وَاللهِ لَيَسُوؤُنِي.

(ثُمَّ عَزَلَهُ وَأَوْفَدَهُ)، فَقَالَ لَهُ: مَا فَعَلْتُ، وَإنَّمَا كَانَتْ فَضْلَةً مِنْ قَوْلٍ، وَقَالَ لَهُ: أَلَمْ تَرَ اللهَ يَقُولُ: ×âن! # tچyè ±9$#ur مNكgمèخ7® Kt' الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ خ û ب@

عارضة الأحوذي · الصفحة ١١٩٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عارضة الأحوذيص ١١٩٨