تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

è% r& شَيْءٍ ç} t9 ّ. r& Zoy0"pky قُلِ اللَّهُ 709ح ky سح_ّ` t/ ِNن3 oY÷ t/ur÷.

ولا يُسَمَّى بِشَخْصٍ؛ لأن حقيقته الْمَاثِلُ من الأجسام الذي يَشْغَلُ الْحَيِّزَ، ويَسْتَقِرُّ بالمكان، ويَحْجُبُ ما وراءه عن الْعِيَانِ، وذلك كله على الله تعالى مُحَالٌ مَعْنًى، ممنوع تَسْمِيَةً، وما وَقَعَ من ذلك في حديث عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عن عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْر وَهْمٌ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ؛ قد رَوَاهُ عنه أَبُو عَوَانَةَ، فلم يَذْكُرْ هذا الْحَرْفَ، وكذلك كل مَنْ رَوَى الحديث غَيْرَهُ لم يَذْكُرْهُ، فلا تُعَوِّلُوا عليه، فربما ذَكَرَهُ بمعناه، أو تَوَهَّمَ أنه لا بأس فيه، أو جَرَى من غير قَصْدٍ على لسانه.

الثانية: قوله: =أَغْيَرُ مِنَ اللهِ+. قد ثَبَتَ بالأدلة القطعية استحالة التَّغَيُّرِ على الله سبحانه، وإذا أُخْبِرَ عنه سبحانه بلفظ يَسْتَحِيلُ ظَاهِرُهُ عليه، وَجَبَ التأويل فيه، وعَادَ إلى فائدة الْغَيْرَةِ من الْوَعِيدِ على الْفِعْلِ، أو من إيقاع العقوبة بَعْدَهُ.

وقد حَرَّمَ الله سبحانه الفواحش من غَيْرَتِهِ، وشَرَعَ الحدود على فاعلها (من حُكْمِهِ) وحِكْمَتِهِ، ومَنَعَ قومًا من المعاصي بِعِصْمَتِهِ، وذلك أشرف وجوه غَيْرَتِهِ.

الأحكام:

في مسألتين:

الأولى: أَشَدُّ المؤمنين غَيْرَةً رسول الله *، ولذلك أَمَرَ بالمعروف، ونَهَى عن المنكر، (وانْتَقَمَ لله)، ولم تَأْخُذْهُ في الله لَوْمَةُ لائم. وأصحابه تابعون له في الْغَيْرَةِ، وقد رُوِيَ أنه قال: =دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، فَرَأَيْتُ فِيهَا امْرَأَةً إلَى جَانِبِ قَصْرٍ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ؟ قَالَتْ: لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَأَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَهُ، ثُمَّ ذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ. فَبَكَى عُمَرُ، وَقَالَ: أَوَ عَلَيْكَ أَغَارُ يَا رَسُولَ اللهِ؟! +.

ومن غَيْرَةِ سَعْدٍ قال: =لَوْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلاً، لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَِحٍ+. ولم يُغَيِّرْ عليه رَسُولُ الله * ذلك ـ وهي

المسألة الثانية ـ: والمعنى أنه لو وَجَدَهُ، وهو عليها، وذلك منه في ذلك منها، فإنه كان يَكُونُ مباح الدَّمِ بِزِنَاهُ، وقد اخْتَلَفَ الناس في ذلك:

فقال الأكثر: لا يُبَاحُ دَمُهُ إلا بِزِنًا ثَابِتٍ عند الحاكم، أو بإقرار دائم، لا رجوع عنه.

وقِيلَ: هو مباح في حَقِّ مَنْ عَلِمَهُ، إذا أَدْرَكَهُ عَارٌ منه كَالزَّوْجَيْنِ، والأَوْلاَدِ في حَقِّ الأَبَوَيْنِ. وأَشَارَ إلى ذلك مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ.

ولا أَقُولُ به، وقد جِئْنَا في هذه المسألة بِبِدْعَةٍ عُظْمَى، فَلْيُنْظَرْ فيها.

ولِعِظَمِ الْخَطْبِ في هذه المسألة؛ قال عُمَرُ: إذَا وَجَدَ رَجُلٌ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً، إنْ قَتَلَهُ، فَدَمُهُ هَدَرٌ.

(وقال عَلِيٌّ ـ رِضْوَانُ اللهِ عليه ـ: عَلَيْهِ الْقَوَدُ.

وقال بعض أصحابنا: إن كان كثير التَّشَكِّي منه، فَدَمُهُ هَدَرٌ).

ولقد قال الناس: إن عليه الْقَتْلَ إن كان ثَيِّبًا، وإن كان بِكْرًا لم يُقْتَلْ. والمسألة عريضة الْمَأْخَذِ، وهذا الْقَدْرُ يَكْفِي، والله أعلم.

بَابُ كَرَاهِيَةِ أَنْ تُسَافِرَ الْمَرْأَةُ وَحْدَهَا

[1169] أَبُو صَالِحٍ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قال رسول الله *: =لاَ يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ سَفَرًا، يَكُونُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا، إلاَّ وَمَعَهَا أَبُوهَا، أَوْ أَخُوهَا، (أَوْ زَوْجُهَا)، أَوِ ابْنُهَا، أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا+.

[1170] الْمَقْبُرِيُّ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، قال رسول الله *: =لاَ تُسَافِرِ امْرَأَةٌ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، إلاَّ وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا+.

[العارضة:]

قال الإمام الحافظ: العارضة في هذا الباب: =أَنَّ النِّسَاءَ لَحْمٌ عَلَى وَضَمٍ، إلاَّ مَا ذُبَّ عَنْهُ+. كل أحد يَشْتَهِيهِنَّ، وهُنَّ لا مَدْفَعَ عِنْدَهُنَّ، بل ربما كان الأمر فِيهِنَّ إلى التَّخَلِّي والاسترسال أَقْرَبَ من الاستعصام، فَحَصَّنَ الله عليهن بِالحِجَابِ، وقَطْعِ الكلام، وتحريم السلام، ومباعدة الأشياخ، إلا مع ذَوِي المَحَارِمِ: الذي يَسْتَبِيحُهَا، وهو الزوج، أو الذي يُمْنَعُ من اسْتِيفَائِهَا بكل حال، وهُمْ أُولُو المَحْرَمِيَّةِ.

ولَمَّا لم يَكُنْ بُدٌّ من تَصَرُّفِهِنَّ، أَذِنَ الله لَهُنَّ فيه، على شَرِيطَةِ أن يَكُونَ (مَعَهُنَّ مَنْ) يَحْمِيهِنَّ ويَزَعُ عَنْهُنَّ، من ذَوِي الْمَحَارِمِ لَهُنَّ، وذلك في مكان الْمَخَافَةِ، وهو السَّفَرُ، مَقَرُّ الْخَلْوَةِ، ومَعْدِنُ الْوَحْدَةِ، وقد بَيَّنَّا في كتاب الصلاة حَدَّ السَّفَرِ وحقيقته، فَلْيُنْظَرْ هنالك، تَتَكَشَّفْ به المسألة ههنا

إن شاء الله تعالى.

وَلاَ يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَخْلُوَ بِامْرَأَةٍ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا أَحَدٌ؛ فَإنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا. ومعناه: ليس بينهما أَحَدٌ من جِنْسِهِ، إذ قد يُكُونَانِ رَجُلَيْنِ، وكل واحد منهما لا تَحِلُّ له الْخَلْوَةُ بانفراده، إلاَّ أن يَكُونَ معها مَنْ يَحْمِيهَا بِمَحْرَمِيَّةٍ أو تَقِيَّةٍ.

ولَمَّا ثَبَتَ هذا الأصل، وفَهِمَ العلماء الْعِلَّةَ، قالوا: إنها يَجُوزُ لها السَّفَرُ في الرُّفْقَةِ الْمَأْمُونَةِ الْكَثِيرَةِ الْخَلْقِ الْفُضَلاَءِ الرِّجَالِ.

وقال أَبُو حَنِيفَةَ: بل عَيْنُ الْمَحْرَمِ شَرْطٌ. وعَجَبًا له يُعَلِّلُ العبادة، ويقول: إن مَعْنَى التَّحْرِيمَةِ: التَّعْظِيمُ، والْغَرَضَ من عبادة الزكاة سَدُّ خَلَّةِ الفقراء، فَتَجْزِي فيها القيمة. ثم يَأْتِي إلى هذه المسألة، ولا يُعَلِّلُهَا، ويَدَّعِي أن الْمَحْرَمَ عَيْنٌ مُعَيَّنَةٌ فيها، إن هذا لشيء عُجَابٌ، مُعَرِّضٌ لكل مَعَابٍ.

وقد قال الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ منهم: لَمَّا حَرُمَ على المرأة الخروج في الْعِدَّةِ على الخصوص صِيَانَةً لِحُرْمَةٍ خاصة، كان مَنْعُهُنَّ من الخروج لِلْحُرْمَةِ العامة أَوْلَى، وهي صِيَانَتُهُنَّ عن الزِّنَا.

وأَجَابَ عن ذلك علماؤنا: بأن الْعِدَّةَ تَمْنَعُ أَصْلَ الخروج، وعَدَمُ الْمَحْرَمِ لا يَمْنَعُ أَصْلَ الخروج.

(قال: الحُرْمَةُ بِعَدَمِ المَحْرَمِ تَعُمُّ العُمُرَ، فَاسْتُثْنِيَ لها الخروج في مصالحها القريبة رُخْصَةً).

قلنا: الرُّخْصَةُ لا تُبِيحُ الزِّنَا، ولا أَسْبَابُهَا. فَتَتَبُّعُ هذا التعليل مُسْقِطٌ لأصل الدليل.

وقد ثَبَتَ أن النبي * قال لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: =يُوشِكُ أَنْ تَخْرُجَ الظَّعِينَةُ مِنَ الْحِيرَةِ إلَى مَكَّةَ، لاَ تَخَافُ إلاَّ اللهَ - عز وجل -، قَالَ عَدِيٌّ: فَعِشْتُ حَتَّى رَأَيْتُ

ذَلِكَ+.

ولا يُبَشِّرُ النبي * إلا بما هو حَسَنٌ عند الله، وشَرْعٌ من دِينِهِ.

وتَعَلَّقَ علماؤنا بِسَفَرِ الْهِجْرَةِ، وهو تَعَلُّقٌ فاسد؛ لأن المرأة بين الكفار كأنها في مَفَازَةٍ، فَيَلْزَمُهَا الخروج إلى الأُنْسِ والأَمْنِ. فأما الخروج من موضع الأَمْنِ لِمُتَعَرَّضِ الخَوْفِ، فلا يَجُوزُ بحال، والأصل في ذلك ما نَبَّهْنَا عليه من وجود الأَمْنِ بِأَيِّ وَجْهٍ كان.

فإن قِيلَ: لا يُؤْمَنُ في الرُّفْقَةِ في الأَسْفَارِ الْمَدِيدَةِ التَّفَرُّقُ، فَتَبْقَى وَحْدَهَا، أو مع واحد لا يُؤْمَنُ عليها.

قلنا: الْعِبْرَةُ للغالب، وإنها إذا رَأَتِ الانفرادَ، اسْتَعَانَتْ واسْتَغَاثَتْ، والأمر محمول على الغالب.

ومن هذا الباب الدخول على الْمُغِيبَاتِ.

[1171] فقد أَدْخَلَ فيه حديث عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: =إيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ قَالَ: الْحَمْوُ الْمَوْتُ+.

قال الإمام الحافظ ": كان هذا قبل نزول الْحِجَابِ، (فلما نَزَلَ الْحِجَابُ)، انْتَسَخَ النَّهْيُ بِأَعْظَمَ منه، فلا يُدْخَلُ على النساء، لا على الْمُغِيبَاتِ، ولا على الْمُحْتَضَرَاتِ.

وقوله: =الْحَمْو+. الأَحْمَاءُ من قِبَلِ الزوج: مَحَارِمُهَا. والأَخْتَانُ من قِبَلِ المرأة: مَحَارِمُهُ. والصِّهْرُ جَامِعُهَا. ويَعْنِي به: الْمَوْتَ الذي لا بُدَّ منه في مخالطتها والدخول عليها دون حجاب، كما أن الموت يَدْخُلُ إليها دون حِجَابٍ.

[1172] وأما قوله: =إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى

الدَّمِ+. فإنه وَرَدَ في الحديث الصحيح: =إذْ خَرَجَ النَّبِيُّ * يَقْلِبُ أَهْلَهُ لَيْلاً إلَى مَنْزِلِهَا، فَلَقِيَ رَجُلَيْنِ، فَقَالَ لَهُمَا: إنَّهَا صَفِيَّةُ. فَقَالاَ: سُبْحَانَ اللهِ، يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَالَ: إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، وَإنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ الشَّيْطَانُ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا، فَتَهْلَكَا+.

واخْتَلَفَ الناس في معنى هذا الكلام:

فَقِيلَ: إن الشيطان يَتَضَاءَلُ (حتى يَصِيرَ) من المقدار واللَّطَافَةِ، بحيث يَتَوَلَّجُ في الْعُرُوقِ، ويَسْرِي في الباطن سَرَيَانَ الدَّمِ.

وقِيلَ: تَسْرِي آثاره ووَسْوَاسُهُ.

أما آثاره، فَأَكْلُ الحرام، وبغير اسم الله. فكل ما مَشَى في الْعُرُوقِ من هذا الْغِذَاءِ، فإنه يَمْشِي بالمعصية، وبغير بَرَكَةٍ، (فلا تَقُومُ الجوارح إلى) طاعة، ولا يَجْرِي في الخاطر خَيْرٌ.

وأما سَرَيَانُهُ بذاته، فَبَيِّنٌ في قِسْمِ الجواز، إذا سَلَّطَهُ الله (ومَكَّنَهُ.

وفي الصحيح: =مَا مِنْ أَحَدٍ إلاَّ وَلَهُ شَيْطَانٌ. قِيلَ لَهُ: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: وَلاَ أَنَا، إلاَّ أَنَّ اللهَ) أَعَانَنِي عَلَيْهِ، فَأَسْلَمَُ؛ فَلاَ يَأْمُرُنِي إلاَّ بِخَيْرٍ+.

اخْتَلَفَ الناس في ضَبْطِهِ، فَقِيلَ: بِضَمِّ الْمِيمِ من =أَسْلَمُ+، معناه: أَسْلَمُ أَنَا؛ فإن الشيطان لا يُسْلِمُ. كذلك فَسَّرَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.

وقِيلَ: =فَأَسْلَمَ+ بفتح الميم، أي: زَالَ عن الْكُفْرِ، يَشْهَدُ لصحته قوله: =فَلاَ يَأْمُرُنِي إلاَّ بِخَيْرٍ+.

وأما قوله: =خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ الشَّيْطَانُ فِي قُلُوبِكُمَا+. فإن معناه بَيِّنٌ؛ لأنهما لو ظَنَّا بالنبي * أن تلك امرأة خاطئة معه، لَزَلاَّ عن درجة الإيمان إلى الكُفْرِ، فلذلك بَدَرَ بالبيان، لِيَقْطَعَ وَسَاوِسَ الشيطان.

[1174] وأما حديث إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عن مُعَاذٍ، فقد ضَعَّفُوهُ.

ولكن معنى حديث مُعَاذٍ صحيح مُمْكِنٌ، ظاهر في الإمكان؛ فإن المرأة إذا آذَتِ الزوج الصالح، غَضِبَ لذلك اللهُ والملائكة وأهل الْجَنَّةِ، والْكُلُّ يَلْعَنُهَا ولا شَكَّ؛ لأنه دَخِيلٌ عليها، وعَارِيَّةٌ عندها، فكان من الْحَقِّ مراعاته لِقِصَرِ مُدَّةِ الصُّحْبَةِ وما يَلْزَمُ من حُسْنِ الْعِشْرَةِ، فإذا آذَتْهُ اسْتَمَرَّتْ عليها اللَّعْنَةُ، ولم تَعْدَمْ من الملائكة ولا من أهل الْجَنَّةِ تَثْرِيبًا ولا مَعْتَِبَة، ولَعَذَابُ الآخرة أَشَدُّ وأَبْقَى.

ijk

وصَلَّى اللهُ على سَيِّدِنَا ومَوْلاَنَا مُحَمَّدٍ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ

كِتَابُ الطَّلاَقِ

بَابُ طَلاَقِ السُّنَّةِ

[1175] يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ قال: =سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَهْيَ حَائِضٌ، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ؟! فَإنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَهْيَ حَائِضٌ، فَسَأَلَ عُمَرُ النَّبِيَّ *، فَأَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا. قَالَ: قُلْتُ: فَيَعْتَدُّ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ؟ قَالَ له أَرَأَيْتَ إنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ؟! +.

الإسناد:

قال الإمام الحافظ: هذا الحديث أصل في الطلاق، تَضَمَّنَ فُصُولاً كثيرة، وأَبَانَ أحكامًا متعددة، أَدْخَلَهُ أَبُو عِيسَى من طريق يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ مُخْتَصَرًا، ولكنه ذَكَرَ معه فائدة زائدة على حديث أكثر الرواة، وهي سؤاله عن الاعتداد بتلك الطَّلْقَةِ، وله طُرُقٌ ثلاثة:

الأولى: طريق يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ الْمُتَقَدِّمَةُ.

الثانية: [1176] طريق مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ، عن سَالِمٍ. وهو مُخْتَصَرٌ أيضًا، وفيه زيادة، فإنه قال: =مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا، أَوْ حَامِلاً+. خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ، وذَكَرَهُ أَبُو عِيسَى.

الثالثة: طريق نَافِعٍ. وفيه ألفاظ مختلفة، جِمَاعُهَا في الصحيح: =طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ وَهْيَ حَائِضٌ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ * أَنْ يُرَاجِعَهَا، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ عِنْدَهُ حَيْضَةً أُخْرَى، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تُطْهُرَ مِنْ حَيْضَتِهَا، فَإنْ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَلْيُطَلِّقْهَا حِينَ تُطْهُرُ مِنْ قَبْلِ

أَنْ يُجَامِعَهَا، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ+.

(زَادَ سَالِمٌ: =فَتَغَيَّظَ رَسُولُ اللهِ *+. خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ).

زَادَ مُسْلِمٌ عن اللَّيْثِ، عن نَافِعٍ: =طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً، وَكَانَ عَبْدُ اللهِ إذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ: أَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، فَإنَّ رَسُولَ اللهِ * أَمَرَنِي بِهَذَا، وَإنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلاَثًا، فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْكَ، حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ، وَعَصَيْتَ اللهَ فِيمَا أَمَرَكَ بِهِ مِنْ طَلاَقِ امْرَأَتِكَ+.

وكذلك جَوَّدَهُ عَبْدُ اللهِ، عن نَافِعٍ، فقال: =تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً+.

وزَادَ الزُّهْرِيُّ، عن سَالِمٍ، فقال: =حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً مُسْتَقْبَلَةً، سِوَى الَّتِي طَلَّقَ فِيهَا، فَإنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا+. لم يَزِدْ عليه.

ورَوَى أَيُّوبُ، عن ابْنِ سِيرِينَ: =مَكَثْتُ عِشْرِينَ سَنَةً، فَحَدَّثَنِي مَنْ لاَ أَتَّهِمُ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاَثًا، حَتَّى لَقِيتُ أَبَا غَلاَّبٍ يُونُسَ بْنَ جُبَيْرٍ الْبَاهِلِيَّ، وَكَانَ ذَا ثَبَتٍ، فَحَدَّثَنِي أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ، فَحَدَّثَهُ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً+.

وخَرَّجَ مُسْلِمٌ فَسَمَّى السَّائِلَ لابْنِ عُمَرَ.

ورَوَى عن أَبِي الزُّبَيْرِ أنه سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَيْمَنَ مَوْلَى عَزَّةَ يَسْأَلُ ابْنَ عُمَرَ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ يَسْمَعُ: =كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهٌ وَهْيَ حَائِضٌ؟ +. وقال في آخِرِهِ: =وَقَرَأَ النَّبِيُّ *: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ+.

زَادَ النَّسَائِيُّ: =فَرَدَّهَا عَلَيَّ+.

وزَادَ من رواية الْمُعْتَمِرِ: =مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، فَإذَا اغْتَسَلَتْ، فَلْيَتْرُكْهَا

حَتَّى تَحِيضَ، فَإذَا اغْتَسَلَتْ مِنْ حَيْضَتِهَا الأُخْرَى، فَلاَ يَأْتِهَا حَتَّى يُطَلِّقَهَا، فَإنْ شَاءَ أَنْ يُمْسِكَهَا، فَلْيُمْسِكْهَا+.

(وفي =صحيح مُسْلِمٍ+: =أَيَحْتَسِبُ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ؟ قَالَ: فَمَهْ؛ أَرَأَيْتَ إنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ؟! +.

وفي الطَّحَاوِيِّ: =قُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، اعْتَدَدْتَ بِالطَّلاَقِ؟ قَالَ: وَمَا يَمْنَعُنِي، وَإنْ كُنْتُ أَسَأْتُ وَاسْتَحْمَقْتُ؟! +.

العربية:

قوله: =أَمَّا+ هو موضوع لِتَجْرِيدِ الْمُخْبَرِ عنه عن تَوَقُّعِ الاشتراك في الْخَبَرِ، وهي مُرَكَّبَةٌ مِنْ =أَنْ+ الْمَفْتُوحَةِ الأَلِفِ أَوِ الْمَكْسُورَتِهَا، على اختلاف كثير، وجَعَلُوهُ في الإفادة نائبًا مَنَابَ حرف الشرط، وعِوَضًا عن الْفِعْلِ؛ ولذلك دَخَلَتْ في جواب الفاء، والمعنى في قولك: =أَمَّا زَيْدٌ فَمُنْطَلِقٌ+ أَيْ: إنْ تَطَلَّعَ أحد للانطلاق لِيَعْلَمَهُ، أو أُخْبِرَ به مِنْ أَحَدٍ، أو عن أَحَدٍ، فَإنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ.

وقوله: =اسْتَحْمَقْتُ+. أي: صِرْتُ أَحْمَقَ ذَاهِبَ الْعَقْلِ والتحصيل. وقِيلَ: سَكِرْتُ؛ لِشُرْبِ الْحُمْقِ، وهي الْخَمْرُ. والأول أقوى).

الأحكام:

الأولى: سؤال عُمَرَ لرسول الله * عن ذلك يَحْتَمِلُ وجوها، منها:

أنهم لم يَرَوْا قَبْلَ هذه النازلة مِثْلَهَا، فَأَرَادُوا السؤال؛ لِيَعْلَمُوا الجواب.

ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ ذلك معلومًا عنده بالقرآن، وهو قوله: ×£` èdqà) د k=s ـ sù ئحkج E£0 دèد9÷، وقوله: × àM"s) ¯=s ـكJّ9$# ur a ئَء / u} tIt'

£` خgإ، àےRr' خ/ ثَلَاثَةَ &نےrمچ è%÷. وقد عَلِمَ أن هذا ليس بِقُرْءٍ، فَافْتَقَرَ إلى معرفة كيفية الْحُكْمِ فيه.

ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ سَمِعَ من النبي * النَّهْيَ.

والأوسط أقواها.

الثانية: الطلاق في دَمِ الْحَيْضِ والنِّفَاسِ لا يَجُوزُ؛ لِمَا في هذا الحديث من الْمَنْعِ منه، ولا سِيَّمَا في قوله: =فَتَغَيَّظَ رَسُولُ اللهِ+. ولا يَغْضَبُ، ولا يَسْتَحْيِي من الْحَقِّ، وسواء كان الطلاق مُجَرَّدًا، أو كان بِعِوَضٍ. فإن كَانَا مَغْلُوبَيْنِ عليه، أو معمولاً بِحُكْمٍ، كَفُرْقَةِ الْعَيْبِ في النكاح، أو عَدَمِ النفقة، فلا يَجُوزُ أيضًا. نَصَّ عليه ابْنُ الْقَاسِمِ وأَشْهَبُ.

وإن كانت فُرْقَةَ الإيلاَءِ، لم تُطَلَّقْ عليه عند أَشْهَبَ؛ لِتَعُذُّرِ الْوَطْءِ في الْحَيْضِ، وتُطَلَّقُ عند ابْنِ الْقَاسِمِ، وهو الأصح؛ لإمكان الْكَفَّارَةِ له، فَيَسْقُطُ حُكْمُ الإيلاَءِ.

الثالثة: وَقَعَ في بعض ألفاظ هذا الحديث أن السائل ابْنُ عُمَرَ، والصحيح تَنَاوُلُ السُّؤَالِ (مِنْ عُمَرَ لابْنِهِ)، ولكن قد يَجُوزُ صِدْقُهُ، ويُضَافُ السؤال إلى عَبْدِ اللهِ مَجَازًا.

الرابعة: أن الزوج هو الذي أَخْبَرَ أنه طَلَّقَ في حال الْحَيْضِ في هذه المسألة. وأما إذا قالت المرأة: طَلَّقَنِي، وأنا حائض، وقال: بل طاهر، فقال ابْنُ سَحْنُونٍ: الْقَوْلُ قَوْلُ المرأة، ويُجْبَرُ على الرَّجْعَةِ.

ورَوَى أَصْبَغُ عن ابْنِ الْقَاسِمِ: الْقَوْلُ قَوْلُهُ.

قال علماؤنا: هذا إذا ذَهَبَ الْحَيْضُ، وأما لو لم يُقَرَّ بِالطُّهْرِ، فلا.

وقد قِيلَ: إن الْقَوْلَ قَوْلُهُ بكل حال. وهو الأصح؛ لأنه لو اعْتُبِرَ قولها؛ لكان الطلاق بِيَدِهَا، لا بِيَدِهِ.

الخامسة: قوله: =فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ * أَنْ يُرَاجِعَهَا+. جَعَلَ مَالِكٌ ذلك قَضَاءً، وجَعَلَهُ غَيْرُهُ استحبابًا، والأصح ما قاله مَالِكٌ، وقد بَيَّنَّاهُ في =مسائل الخلاف+.

ودَلِيلُهُ لَفْظٌ، ومَعْنًى، أما اللفظ، فقوله: =مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا+.

وأما الْمَعْنَى؛ فلأن النَّهْيَ عن الطلاق في الْحَيْضِ إنما كان؛ لِمَا فيه من الإضرار بالمرأة في تطويل الْعِدَّةِ، والإضرار حرام، فَوَجَبَ قَطْعُهُ بِالرَّجْعَةِ.

وإنِ اتَّبَعْتَ اللَّفْظَ اللَّفْظَ، قُلْتَ: لأنه (لَمَّا طَلَّقَ)، خَالَفَ الأمر، وَمَنْ عَمِلَ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ الأَمْرُ فِي الشَّرِيعَةِ، فَهْوَ رَدٌّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ *.

ولو لم يُنْظَرْ في ذلك، حتى خَرَجَتْ من الْحَيْضِ، فقال أَشْهَبُ وَحْدَهُ: إذا خَرَجَتْ من الْحَيْضَةِ إلى الطُّهْرِ، لم يُجْبَرْ على الرَّجْعَةِ؛ لأن المعنى الْمَخُوفَ من تطويل الْعِدَّةِ قد ذَهَبَ. وهو مَعْنًى قَوِيٌّ؛ لولا أنه أُجْبِرَ على الرَّجْعَةِ؛ لِئَلاَّ تَكُونَ في حُكْمِ الْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدخول، فيقال له: إذا طَهُرَتْ، مُسَّهَا. وكذلك رُوِيَ عن نَافِعٍ، عنه: =حَتَّى إذَا حَاضَتْ بَعْدَ الْمَسِّ، ثُمَّ طَهُرَتْ، إنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإنْ شَاءَ طَلَّقَ+.

قال علماؤنا: فإن لم يَمَسَّ، كان ذلك مَحَلَّ اللَّمْسِ، حتى إذا خَرَجَ، ودَخَلَتِ الْحَيْضَةُ، قِيلَ له: أَمْسِكْ، حتى إذا طَهُرَتْ، طَلِّقْ إن شِئْتَ.

فإن قِيلَ: فلو طَلَّقَهَا في طُهْرٍ قد مَسَّهَا فيه، أنتم لا تُجْبِرُونَهُ على الرَّجْعَةِ، وإن كان قد طَوَّلَ الْعِدَّةَ.

قلنا: يَنْبَغِي أن يُجْبَرَ، ولكن قد تَقَدَّمَ من رواية النَّسَائِيِّ عن الْمُعْتَمِرِ أنه قال: =لاَ يَمَسَّهَا+. ولم يَذْكُرْ حُكْمَ ما يَكُونُ بَعْدَ الْمَسِيسِ، فَبَقِيَ على الأصل، وخَرَجَتْ حال الْحَيْضِ بِالنَّصِّ.

وقد قال الشَّعْبِيُّ: يَجُوزُ أن يُطَلِّقَهَا في طُهْرٍ جَامَعَهَا فيه. وهذا فاسد؛ لأنه إذا مُنِعَ من الطلاق في الْحَيْضِ؛ لِعَدِمِ الاعتداد به، فالطلاق في الطُّهْرِ الذي جَامَعَ فيه أَطْوَلُ منه مَدًى، وأَكْثَرُ ضَرَرًا.

السادسة: قال علماؤنا: الطلاق في الْحَيْضِ، وإن كان حرامًا، فإنه يَلْزَمُ إذا وَقَعَ، خلافًا لابْنِ عُلَيَّةَ ومَنْ تَبِعَهُ.

والدليل عليه (أن رَاوِيَ الحديث وصَاحِبَ الْقِصَّةِ حَكَمَ بلزومه، فقال: =أَرَأَيْتَ إنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ+. يَعْنِي: أَيُسْقِطُ عنه الطَّلاَقَ عَجْزُهُ، أو حُمْقُهُ، أو إسَاءَتُهُ؟! والحاسم لِدَاءِ الإشكال فيه) قَوْلُهُ: =مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا+. ولفظ الرَّجْعَةِ ـ وهو الرَّدُّ ـ يُؤَيِّدُ نُفُوذَ الطلاق بالخروج من النكاح.

السابعة: إذا كان الطلاق واحدًا، نَفَذَ وأُجْبِرَ على الرَّجْعَةِ، وإن كان الطلاق ثلاثًا، وَقَعَ ولم يُؤْمَرْ بِالرَّجْعَةِ، ويَكُونُ آثِمًا عند الله تعالى.

وزَعَمَ قَوْمٌ أن الثلاث واحدة، وأَسْنَدُوا ذلك إلى ابْنِ إسْحَاقَ، رَوَاهُ عن دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قال: =طَلَّقَ رُكَانَةُ بْنُ عَبْدِ يَزِيدَ امْرَأَتَهُ ثَلاَثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، (قَالَ: إنَّمَا تِلْكَ وَاحِدَةٌ، فَارْتَجِعْهَا إنْ شِئْتَ+. رُوِيَ عن ابْنِ إسْحَاقَ أنه قال: =إنما رَدَّهَا عليه؛ لأن الطلاق كان ثَلاَثًا في مَجْلِسٍ واحد+).

وفي =صحيح مُسْلِمٍ+: =أَنَّ الثَّلاَثَ كَانَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ * وَأَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلاَفَةِ عُمَرَ وَاحِدَةً، فَلَمَّا تَتَابَعَ النَّاسُ فِي الطَّلاَقِ فِي زَمَانِ عُمَرَ، قَالَ: مَا أَرَى النَّاسَ إلاَّ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ، كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ، فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ، (فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ) +.

قلنا: قد تَكَلَّمْنَا في هذه المسألة في =الإملاء+ وفي =التفسير+ بما فيه كفاية.

والعارضة الآنَ:

في ثلاثة مَعَانٍ:

الأول: أن الصحيح في حديث رُكَانَةَ وابْنِ عَبَّاسٍ أنه لفظ: =الْبَتَّةِ+، لا لفظ: =الثَّلاَثِ+؛ كذلك في كُتُبِ الحديث، وفي كتاب مُسْلِمٍ في الْمَبَادِي، وذَكَرَ الثَّلاَثَ في الشواهد.

والثاني: أنه مُنْبِئُكُمْ أن عُمَرَ رَدَّهُ إلى الإمضاء، وماذا تُرِيدُونَ من حديث رَدَّهُ عُمَرُ، والصحابة مُتَوَافِرُونَ، فلم يَكُنْ منهم مَنْ رَدَّ عليه؟! هذا ابْنُ عَبَّاسٍ يَرَى إمْضَاءَ الثَّلاَثِ فِي كَلِمَةٍ. وهو رَاوِي هذا الحديث الذي زَعَمْتُمْ، فهل لحديث رَدَّهُ رَاوِيهِ وعُمَرُ الْخَلِيفَةُ مُطَّلِبٌ؟! إن هذا لَسُوءُ رَأْيٍ، وخَطَأٌ في الْمَذْهَبِ.

الثالث: أنك إذا اسْتَقْرَأْتَ واسْتَقْرَيْتَ الرِّوَايَاتِ، لم تَجِدْ لهذا الْمَذْهَبِ عَضُدًا، بل تُلْفِيهِ منفردًا، فَاطْلُبْ عنه مُلْتَحَدًا.

وقد أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ، أَخْبَرَنَا الدَّارَقُطْنِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، عن عَمْرِو بْنِ أَبِي قَيْسٍ، عن إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى، عن سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قال: =كَانَتْ عَائِشَةُ الْخَثْعَمِيَّةُ عِنْدَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَلَمَّا أُصِيبَ عَلِيٌّ، وَبُويِعَ الْحَسَنُ بِالْخِلاَفَةِ، قَالَتْ: لِتَهْنِكَ الْخِلاَفَةُ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: يُقْتَلُ عَلِيٌّ، وَتُظْهِرِينَ الشَّمَاتَةَ؟! اذْهَبِي فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثًا. قَالَ: فَتَلَفَّعَتْ بِسَاجِهَا، وَقَعَدَتْ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَبَعَثَ إلَيْهَا بِعَشَرَةِ آلاَفٍ مُتْعَةً، وَبَقِيَّةً بَقِيَتْ لَهَا مِنْ صَدَاقِهَا، فَقَالَتْ: مَتَاعٌ قَلِيلٌ مِنْ حَبِيبٍ مُفَارِقٍ. فَلَمَّا بَلَغَهُ قَوْلُهَا، بَكَى، وَقَالَ: لَوْلا أَنَّي سَمِعْتُ جَدِّي، أَوْ حَدَّثَنِي أَبِي، أَنَّهُ سَمِعَ جَدِّي يَقُولُ: أَيُّمَا رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاَثًا مُبْهَمَةً، أَوْ ثَلاَثًا عِنْدَ الأَقْرَاءِ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ؛

لَرَاجَعْتُهَا+.

الثامنة: لا خلاف بين الأُمَّةِ في أن حُكْمَ النُّفَسَاءِ في هذا حُكْمُ الحائض.

وحُكِيَ عن بعض الْمَخَاذِيلِ مِمَّنْ يقول بِخَلْقِ القرآن، ولا يُعْتَبَرُ خلافه: أن النُّفَسَاءَ لا تَدْخُلُ في هذا الْحُكْمِ. ولولا مَخَافَةُ اغْتِرَارِكُمْ به، ما ذَكَرْتُهُ؛ فإن هذا لا قرآن معه، ولا سُنَّةَ، ولا عَقْلَ.

أما القرآن، فقد قال الله تعالى: ×£` èdqà) د k=s ـ sù ئحkج E£0 دèد9÷. أي: في حال يَسْتَقْبِلْنَ فيها الْعِدَّةَ. ولا يُتَصَوُّرُ ذلك في النُّفَسَاءِ إلا كَتَصَوُّرِهِ في الحائض، وذلك بعد الطُّهْرِ من الدَّمِ.

وأما السُّنَّةُ، فإن النبي * قال لزوجه حين حَاضَتْ معه في الْخَمِيلَةِ: =لَعَلَّكِ نَفِسْتِ+. فَسَمَّى الحائض نُفَسَاءَ، فَدَلَّ على أن مَعْنَى اللفظين واحد.

الثالث: أن الْمَعْنَى الذي لأَجْلِهِ حُرِّمَ طلاق الحائض موجود في النُّفَسَاءِ.

التاسعة: هذا الحديث أَصَحُّ دليل على أن الأَقْرَاءَ الأَطْهَارُ؛ لأنه أَمَرَهُ أَلاَّ يُطَلِّقَ إلا في وقت يُعْتَدُّ به في الْعِدَّةِ، وذلك طُهْرٌ، لم يَمَسَّهَا فيه، ولا إشكال في أن لفظ الْقُرْءِ يَنْطَلِقُ على الْحَيْضِ والطُّهْرِ في العربية انطلاقًا واحدًا، ولكن ذِكْرُهُ في الْعِدَّةِ لِلطُّهْرِ أَوْلَى وأَوْقَعُ من الوجوه التي بَيَّنَّاهَا في كتاب =الأحكام+ و=مسائل الخلاف+.

من عُمَدِهِ: أن أهل العربية قالوا: إذا كان المراد به الطُّهْرَ، جُمِعَ على فُعُولٍ، وإذا كان المراد به الحَيْضَ جُمِعَ على أَفْعَالٍ، قال تعالى: × àM"s) ¯=s ـكJّ9$# ur a ئَء / u} tIt'

£` خgإ، àےRr' خ/ ثَلَاثَةَ &نےrمچ è%÷. وقال *: =دَعِي الصَّلاَةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ+. وقال الأَعْشَى:

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكَا

وقَوْلُهُ لابْنِ عُمَرَ: طَلِّقْهَا فِي حَالِ كَذَا، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا. وهو الطُّهْرُ.

العاشرة: قال أَبُو حَنِيفَةَ: للزوج الذي طَلَّقَ زَوْجَهُ في الْحَيْضِ ورَاجَعَهَا أن يُطَلِّقَهَا في الطُّهْرِ الذي يَلِي الْحَيْضِ. ونَصُّ الحديث يَرُدُّهُ كما قَدَّمْنَاهُ.

فإن قِيلَ: فقد رُوِيَ: =حَتَّى تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ+ خَاصَّةً.

قلنا: تلك رواية لبعض الحديث، وكماله التكرار فيه، فلا يُعَوَّلُ على حديث ناقص.

فإن قِيلَ: فقد قال: ×£` èdqà) د k=s ـ sù ( ئحkج E£0 دèد9÷. فتقديره: فَطَلِّقُوهُنَّ) لأَطْهَارِهِنَّ.

قلنا: لا يَصِحُّ هذا؛ لأن الْعِدَّةَ ليست طُهْرًا واحدًا.

فإن قِيلَ: فما حَدُّ طلاق السُّنَّةِ عندكم؟

قلنا: ما اجتمع فيه سبعة شروط:

طلاق واحدة. مَنْ تَحِيضُ. طاهرًا. لم يَمَسَّهَا في ذلك الطُّهْرِ. ولا تَقَدَّمَهُ طلاق في حَيْضٍ. ولا تَلاَهُ طلاق في طُهْرٍ تَلاَهُ. وخَلاَ عن الْعِوَضِ.

ولذلك قلنا: إن طلاق الحائض غير المدخول بها جائز عند ابْنِ الْقَاسِمِ. ونَهَى عنه أَشْهَبُ، والأول أَصَحُّ من لفظ الْخَبَرِ ومعناه، وهذه الشروط السبعة هي صفة طلاق ابْنِ عُمَرَ في الحديث الْمُتَقَدِّمِ.

الحادية عشرة: إذا طَلَّقَهَا في طُهْرٍ، ثم ارْتَجَعَهَا، جَازَ له أن يُعْقِبَهُ طلاقًا فيه.

وقال أَبُو يُوسُفَ: ليس ذلك له؛ لأن الطَّهُرَ سَبَبُ الإباحة للطلاق في الخلاص من عُهْدَةِ النكاح، وذلك يَحْصُلُ بالواحدة، فلا يُلْحَقُ الثاني بالأول، وكان يَجِبُ أَلاَّ يَقَعَ أَصْلاً، إلا أَنَّا أَوْقَعْنَاهُ؛ لأن النكاح سَبَبُ مِلْكِهِ، والطُّهْرُ سَبَبُ إبَاحَتِهِ، فَقُضِيَ بِالْمِلْكِ على الإباحة.

الثانية عشرة: الصَّغِيرَةُ والْيَائِسَةُ إذا دُخِلَ في النكاح عليهما، جَازَ له أن يُطَلِّقَ في أَيِّ وقت شَاءَ.

وقال: زُفَرُ: لا يُطَلِّقُ حتى يَكُونَ بين الْوَطْءِ والطلاق شَهْرٌ؛ لأنهما يَعْتَدَّانِ من الطلاق، فَيُعْتَبَرُ لهما في حال الْوَطْءِ للطلاق مقدار ما يُعْتَبَرُ في الْعِدَّةِ.

والْفَرْقُ بينهما أن الْعِدَّةَ عِبَادَةٌ، حَقُّ الله، وذلك الْمُعْتَبَرُ في إيقاع الطلاق حَقٌّ لها؛ لأَجْلِ تطويل الْعِدَّةِ، وذلك معدوم هَهُنَا.

الثالثة عشرة: مَتَى تَنْقَضِي الْعِدَّةُ؟ وهذه المسألة في نَفْسِي أَبَدًا منها شيء، ولذلك لم أَذْكُرْهَا في =التفسير+، والْمَعْنَى فيها أن الله تعالى قال: × àM"s) ¯=s ـكJّ9$# ur a ئَء / u} tIt' بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ &نےrمچ è%÷. فَمَنْ قال: إنها الأَطْهَارُ، قال: ثلاثة أَطْهَارٍ. ومَنْ قال: إنها الْحِيَضُ، قال: ثلاث حِيَضٍ.

قال ابْنُ عُمَرَ: =إذَا دَخَلَتْ فِي الدَّمِ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، بَرِئَتْ مِنْهُ، وَبَرِئَ مِنْهَا+. يَعْنِي: وجَازَ لها نكاح آخَرَ. وكيف تَنْكِحُ، ولعل ذلك الدَّمَ لا يَكُونُ حَيْضَ اسْتِبْرَاءٍ، وإنما يَدُومُ يَسِيرًا، ثم يَنْقَطِعُ؟! فمن الْحَقِّ أن يُتَوَقَّفَ حتى تُكْمِلَ حَيْضَةً، وبهذا يَتَبَيَّنُ أن الْحِيَضَ هي الأَقْرَاءُ، وقد نُصَّ عليه

في =الْمُدَوَّنَةِ+ و=كِتَابِ مُحَمَّدٍ+، لكنه لا يَرَاهُ إلا الْبُصَراءُ.

وقال أَبُو حَنِيفَةَ: لا تَنْقَضِي الْعِدَّةُ، حتى تَغْتَسِلَ من الْحَيْضَةِ الثالثة لِمَا دُونَ العشرة، أو يَذْهَبَ وَقْتُ صلاة، فإن كانت أيامها عشرة ـ وهي عنده أكثر الْحَيْضِ ـ فَبَلَغَتْهَا، خَرَجَتْ من الْعِدَّةِ، وإن لم تَغْتَسِلْ.

وقال الثَّوْرِيُّ وزُفَرُ: لا بُدَّ من الْغُسْلِ.

وقال ابْنُ شُبْرُمَةَ: إذا انْقَطَعَ الدَّمُ من الْحَيْضَةِ الثالثة، بَانَتْ.

وقال ابْنُ شِهَابٍ: إذا كَمُلَ الطُّهْرُ الرابع. ولله هذا الْفَقِيهِ!

وفي حديث الْمُعْتَمِرِ: فَإذَا اغْتَسَلَتْ، فَلْتَفْعَلْ كَذَا، وَإذَا اغْتَسَلَتْ، فَلاَ يَكُونُ كَذَا. مَرَّتين، فَذَكَرَ الْغُسْلَ، ومَعْنَى ذلك: بَلَغَتْ حَدَّهُ، لا أنها فَعَلَتْهُ، وقد يَأْتِي =استفعل+ بِمَعْنَى صَحَّ منه الْفِعْلُ، وإن لم يُوجَدْ.

وقَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ أقواها وأَوْلاَهَا؛ لقوله: ×# sR خ* sù بَلَغْنَ £`ك gn=y_r&÷. وهَهُنَا انْتَهَتِ العارضة، وسَيَكُونُ التَّتَبُّعُ والاسْتِيفَاءُ إن شاء الله.

مَا جَاءَ في البَتَّةِ

[1177] ذَكَرَ حديث رُكَانَةَ قال: =أَتَيْتُ النَّبِيَّ *، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي الْبَتَّةَ، فَقَالَ: مَا أَرَدْتَ بِهَا؟ قُلْتُ: وَاحِدَةً. قَال: وَاللهِ؟ قُلْتُ: وَاللهِ. قَالَ: فَهْوَ مَا أَرَدْتَ+.

الإسناد:

قد ذَكَرَ أَبُو عِيسَى عن الْبُخَارِيِّ أنه مُضْطَرِبٌ، تارة قِيلَ فيه: =ثَلاَثًا+. وتارة قِيلَ فيه: =وَاحِدَة+.

وأَصَحُّهُ أنه طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ، وأن الثلاث ذُكِرَتْ فيه على الْمَعْنَى.

الأحكام:

قال الإمام الحافظ: هذه المسألة ـ وهي القول في الْبَتَّةِ ـ من أَعْسَرِ المسائل في أَمْثَالِهَا، وهي كل مسألة تَعَارَضَتْ فيها الأخبار الْمَرْوِيَّةُ، وتَعَارَضَتْ فيها المعاني العربية، فَاخْتَلَفَ بهذا الاختلاف فيها السَّلَفُ من الصحابة والتابعين "، ومع هذا، فلا بُدَّ من الْوُلُوجِ على آثارهم حيث وَلَجُوا، والدخولِ والخروجِ من حيث دَخَلُوا وخَرَجُوا، والله الموفق للصواب برحمته. والْمُحَرَّرُ منها ... :

الأولى: تَقْيِيدُ الأقوال. أُمَّهَاتُهَا (ثلاثة أقوال):

الأول: أن البَتَّةَ ثلاث عند مالك في أصل الْوَضْعِ، إلا أنها يَخْتَلِفُ الجواب فيها بِحَالِ النِّيَّةِ، وحَالِ مَنْ أُضِيفَتْ إليها من مدخول بها، أو غير مدخول بها.

(الثاني: هي ما نَوَى بها، واحدة، أو اثْنَتَيْنِ، أو ثلاثًا، (أو واحدة بائنة). قاله أَبُو حَنِيفَةَ. زَادَ زُفَرُ: إلا أنها بائنة.

(وقال الشَّافِعِيُّ مِثَلَهُمْ)، إلا أن يَنْوِيَ واحدة رجعية.

الثالث: أنها واحدة بائنة). قاله الأَوْزَاعِيُّ، (وقال فيها أيضًا: ثَلاَثٌ).

وقال الشَّافِعِيُّ: هي كِنَايَةٌ، فما نَوَى فيها كان، ولا يَكُونُ صريحًا.

وجُمْلَةُ أقوال السَّلَفِ فيها تَرْجِعُ إلى قولين:

أحدهما: أنها ثلاث.

الثاني: أنه يُنَوَّى ويَحْلِفُ، على ما رُوِيَ في حديث رُكَانَةَ. ومُطَّلَعُ نَظَرِ كل فريق ظاهر.

أما الشَّافِعِيُّ، فَعَوَّلَ على ما رَوَى عن عَمِّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ شَافِعٍ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ السَّائِبِ، عن نَافِعِ بْنِ عُجَيْرِ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ

رُكَانَةَ: =أَنَّ رُكَانَةَ بْنَ عَبْدِ يَزِيدَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ سُهَيْمَةَ الْبَتَّةَ ـ وَهْيَ الْمُزَنِيَّةُ ـ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ * بِذَلِكَ، قَالَ: آللهِ، مَا أَرَدْتَ إلاَّ وَاحِدَةً؟ فَقَالَ رُكَانَةُ: وَاللهِ، مَا أَرَدْتُ إلاَّ وَاحِدَةً. فَرَدَّهَا إلَيْهِ النَّبِيُّ *، فَطَلَّقَهَا الثَّانِيَةَ فِي زَمَنِ عُمَرَ، وَالثَّالِثَةَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ+.

وقال فيه أَبُو دَاوُدَ: =عن نَافِعٍ، عن رُكَانَةَ+.

وأَشْبَهُ الأسانيد ما ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ، فقد صَارَ مُخْتَلَفًا في إسناده، مُخْتَلَفًا في مَتْنِهِ، فلم تَقُمْ به حُجَّةٌ.

وقال أَبُو دَاوُدَ: حديث نَافِعِ بْنِ عُجَيْرٍ حديث صحيح.

وكيف يَجْعَلُهُ صحيحًا، وفيه ما تَرَوْنَ من الاضطراب؟! ولم يَنْقُلْهُ الْمَشَاهِيرُ، وفيه الْيَمِينُ، ولم يَقُلْ بها فقهاء الأمصار، كما لم يقولوا باستحلافه في حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ، كَمَا حَلَّفَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ.

وأما مُطَّلَعُ أَبِي حَنِيفَةَ، فَلَمَّا لم يَجِدْهَا في كتاب الله، ولا وَجَدَهَا منصوصة في صحيح حديث رسول الله *، رَجَعَ إلى الْمَعْنَى أن الطَّلاَقَ الْحَلُّ، والْبَتُّ الْقَطْعُ. وقَطْعُ الْمُتَّصِلِ كَحَلِّ الْمُرْتَبِطِ، وكما يُنَوَّى في الطلاق يُنَوَّى في الْبَتَّةِ.

وأما زُفَرُ، فَبَنَاهُ على ما إذا قال لامرأته: أنت بائن. فإنه عنده طلاق لا رَجْعَةَ فيه، وإذا سَاعَدَهُ عليه، فَيَلْزَمُهُ مِثْلُ ذلك فيه، ويَتَرَكَّبُ هذا على ما إذا قال: أَنْتِ طالق، لا رَجْعَةَ لِي عَلَيْكِ. هل يَلْزَمُ ذلك أم لا؟ وهل يَجُوزُ إسقاط الرَّجْعَةِ ـ وهي حُكْمُ الله في الطلاق الواحد ـ أم لا؟ وقد بَيَّنَّا أنه لا يَجُوزُ في =مسائل الفقه+.

وأما مُطَّلَعُ مَالِكٍ الذي قَضَى به عُمَرُ وعَلِيٌّ، فهو أن الطلاق فيه حَلُّ عُقْدَةِ النكاح، ومَثْنَوِيَّةُ الْمَرْجِعِ رُخْصَةٌ من الله، ورِفْقٌ ورَحْمَةٌ لعباده

ولُطْفٌ، فإذا عَدَلَ عن السَّبِيلِ التي شَرَعَ الله له، أُخِذَ بِمُقْتَضَى لفظه، والْبَتُّ هو الْقَطْعُ الذي لا علاقة معه باقية، من ذلك قولهم (في الْمَثَلِ: =سَكْرَانُ ما يَبُتُّ+. أي: ما يُبِينُ أمرًا. وصَدَقَةٌ بَتَّةٌ. أي: منقطعة عن أجناس الأملاك، وماضية) لا رجوع فيها، وبَتَّ الحاكم عليه. أي: قَطَعَ عليه القضاء قَطْعًا، لا كلام له معه فيه، ويقال: طَلَّقَهَا ثلاثًا بَتَّةً. ولولا أنها بمعناها ما تَبِعَتْ صِفَتَهَا.

وفي الأثر الصحيح: =لاَ صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَبُتَّ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ+. أي: يَعْزِمْ عليه عَزْمًا، لا مَثْنَوِيَّةَ فيه.

ومن الأمثال: =إنَّ الْمُنْبَتَّ لاَ أَرْضًا قَطَعَ، وَلاَ ظَهْرًا أَبْقَى+. فهذا تحقيق مَعْنَى القول فيه.

ولو أن الأقوال الْمَذْهَبِيَّةَ ثَبَتَتْ على هذا الأصل ثُبُوتَ مَالِكٍ عليه، لَظَهَرَتِ المسألة، ولَكِنَّ القوم اخْتَلَفُوا في معناها، وفي الألفاظ العائدة إليها.

وقد تَعَلَّقَ علماؤنا بما رُوِيَ: =أَنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ * ـ في آخِرِ الحديث ـ: أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ؟ لاَ، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ+.

والمشهور والذي في الصحيح أنها قالت: =طَلَّقَنِي، فَبَتَّ طَلاَقِي+. تَعْنِي: طَلَّقَنِي ثلاث تطليقات.

وفي النَّسَائِيِّ: =طَلَّقَنِي الْبَتَّةَ+. معناه: التطليقة الْبَتَّةُ.

وليس في هذا الحديث ما يَدُلُّ على أن الزوج تَلَفَّظَ بِالْبَتَّةِ، فلم تَكُنْ فيه حُجَّةٌ، وأَيُّ فَرْقٍ بين بَتَّ وأَبَانَ في تأكيد القطع؟!

وقد رُوِيَ (عن مَالِكٍ) أنه قال في الْبَائِنَةِ: إنها ثلاث.

ورَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، عن ابْنِ وَهْبٍ، أن مَالِكًا قال: هي واحدة، له الرَّجْعَةُ فيها.

وفي الْفُرُوعِ المماثلة لهذه المسألة اضطرابٌ كثير كقوله: لا سَبِيلَ لِي عَلَيْكِ، أو: خَلَّيْتُكِ.

وأَغْرَبُ منه أن يقول لها: مَلَّكْتُكِ أَمْرَكِ، فلا يَكُونُ لها إلا واحدة، وسَيَأْتِي القول عليه إن شاء الله.

وقد قال مَالِكٌ في الْبَتَّةِ، والْبَائِنَةِ، والْخَلِيَّةِ، والْبَرِيَّةِ: إنه يُنَوَّى في غير المدخول بها. ولم يَقُلْ أحد: إنه يُنَوَّى في الثلاث، فَبَانَ الْفَرْقُ، والله أعلم.

بَابُ أَمْرُكِ بِيَدِكِ

[1178] قال حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، قُلْتُ لأَيُّوبَ: =هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ أَمْرُكِ بِيَدِكِ: إنَّهَا ثَلاَثٌ، إلاَّ الْحَسَنَ؟ فَقَالَ: لاَ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ غَفْرًا، إلاَّ مَا حَدَّثَنِي قَتَادَةُ، عَنْ كَثِيرٍ مَوْلَى بَنِي سَمُرَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ *، قَالَ: هِيَ ثَلاَثٌ. قَالَ أَيُّوبُ: فَلَقِيتُ كَثِيرًا مَوْلَى بَنِي سَمُرَةَ فَسَأَلْتُهُ، فَلَمْ يَعْرِفْهُ. فَرَجَعْتُ إلَى قَتَادَةَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: نَسِيَ+.

الإسناد:

قال أَبُو عِيسَى: (قال مُحَمَّدٌ) ـ يَعْنِي الْبُخَارِيَّ ـ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ بهذا الحديث عن أَبِي هُرَيْرَةَ موقوفًا. وأَسْنَدَهُ عنه عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ. قال أَبُو عِيسَى: وعَلِيُّ بن نَصْرٍ ثِقَةٌ حافظ.

وقال النَّسَائِيُّ: هذا حديث مُنْكَرٌ.

العربية:

هذا اللفظ مُشْكِلٌ، ومعناه: أَمْرُكِ الذي هو إلَيَّ قد جَعَلْتُهُ بِيَدِكِ.

وأَمْرُهَا الذي هو بِيَدِهِ الطَّلاَقُ، وهو يَمْلِكُهُ مُفَرَّقًا ومجموعًا، وَاحِدَةً وثَلاَثًا.

الأحكام:

في سِتِّ مسائل:

الأولى: لَمَّا كان الأمر الذي جَعَلَهُ بِيَدِهَا الطَّلاَقَ، وكان يَمْلِكُهُ على الْوَجْهِ الذي ذَكَرْنَاهُ، اقْتَضَى ذلك أن تَمْلِكَهُ كما كان يَمْلِكُهُ، فما أَوْقَعَتْ من ذلك وَقَعَ، وما قَضَتْ به مَضَى، وفي ذلك للعلماء قديمًا وحديثًا أقوال جِمَاعُهَا سِتَّةٌ:

الأول: أن قضاءها يَنْفُذُ إلا إنْ نَاكَرَهَا الزوج، فَيَحْلِفُ على ما يَذْكُرُ، ويَكُونُ القضاء كما حَلَفَ. قاله ابْنُ عُمَرَ، ومَالِكٌ، وإسْحَاقُ.

الثاني: ما أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ ابْنُ أَيُّوبَ الْمَوْصِلِيُّ بدار الخلافة، عن الْبَرْقَانِيِّ في =كتاب الصحيح+ له، عن يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ: =سَأَلْتُ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ رَجُلٍ جَعَلَ أَمْرَ امْرَأَتِهِ بِيَدِهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: هِيَ طَالِقٌ ثَلاَثًا، كَيْفَ السُّنَّةِ فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ مَوْلَى بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ؛ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إيَاسِ بْنِ الْبُكَيْرِ اللَّيْثِيَّ، وَكَانَ أَبُوهُ شَهِدَ بَدْرًا+. انْتَهَى كلام الْبُخَارِيِّ.

زَادَ الْبَرْقَانِيُّ: =أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَانَتْ مِنْهُ، فَلاَ تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ. وَأَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَأَلَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِمَا+.

وبه قال ابْنُ الْمُسَيِّبِ وابْنُ أَبِي لَيْلَى والأَوْزَاعِيُّ وأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.

الثالث: أن الْقَوْلَ قَوْلُهُ فيما أَرَادَ. قاله الشَّافِعِيُّ.

الرابع: أنها واحدة بَائِنَةٌ، إلا أن يُرِيدَ غير ذلك. وبه قال سُفْيَانُ وأَبُو حَنِيفَةَ الْكُوفِيَّانِ.

الخامس: أن هذا القول لَغْوٌ.

السادس: أن القضاء ما قَضَتْ، ولا يَرْجِعُ إليه من الأمر شيء، لا إسقاط، (ولا تفسير)، ولا نِيَّةٌ. هو صريح قول أَحْمَدَ، ورواية الْمَدَنِيِّينَ عن مَالِكٍ.

الثانية: في التَّوْجِيهِ. وهو يَرْجِعُ إلى ثلاثة أمور:

أحدها: أن الذي قال هل هو توكيل أو تمليك؟ فإن كان توكيلاً، فهو يُفَسِّرُهُ. وإن كان تمليكًا، فقد خَرَجَ عن يَدِهِ إليها.

الثاني: أنه يَبْقَى هَهُنَا نَظَرٌ آخَرُ، وهو أن الذي كان يَمْلِكُهُ، منه مكروه، ومنه مُسْتَحَبٌّ، فهل يَدْخُلُ المكروه تحت التمليك، أم لا يَتَنَاوَلُ إلا الْمُسْتَحَبَّ شَرْعًا؟

الثالث: أنه إذا جَعَلَ ذلك إليها، فَاخْتَارَتْ واحدة، فإنها يَجِبُ أن تَكُونَ بَائِنَةً؛ لأن الرَّجْعَةَ متى وَجَبَتْ له، لم يَسْتَفِدْ بِجَعْلِهِ الأمر إليها مرادًا، إذ له أن يَمْلِكَهَا بعد أن مَلَّكَهَا، وإسقاط الرَّجْعَةِ لا سبيل إليه، إلا بطريقه المعروفة في الشرع، وهو الْعِوَضُ، فَوَجَبَ أن يَكُونَ القضاء فيه ثلاثًا، وإنما قال مَنْ أَفْتَى بِالْمُنَاكَرَةِ والْيَمِينِ اعتمادًا على حديث رُكَانَةَ في الْبَتَّةِ، وعلى حديث عُمَرَ في الرجل الذي قال: =حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ+. فهو أَعْدَلُ الأقاويل، والله أعلم.

وأما قول رَبِيعَةَ: إن التمليك يُوقِعُ على المرأة طلقة، قَبِلَتْ أو لم تَقْبَلْ. فلا وَجْهَ له، فلذلك لم نَعْدُدْهُ، ولا وَجَّهْنَاهُ.

الثالثة: هذا كله إذا كانت المرأة بالغة عاقلة، وأما إن كانت صغيرة، يُوطَأُ مِثْلُهَا، فذلك لها. وإن كانت مجنونة، فذلك يَصِحُّ أيضًا في حال الإفاقة، لا في حال الجنون، وفي ذلك تفريع لم أَرْضَهُ، بَيَانُهُ في كُتُبِ

المسائل.

الرابعة: من فصول هذا الباب أن كل لفظ يَكُونُ من المرأة في الجواب محمول على ما يَكُونُ من الرجل ابتداء في إيقاع الطلاق، فَرُدَّهُ إليه، فلا مَعْنَى للتطويل به.

الخامسة: قال علماؤنا: إذا نَوَى الزوج أمرًا، كان ما تَقَدَّمَ، فإن لم يَنْوِ، رَجَعَ القول والْحُكْمُ إليها. وهذا بَيِّنٌ.

السادسة: إذا صَرَّحَ بما مَلَّكَ، فَخَالَفَتْهُ.

فقال ابْنُ الْقَاسِمِ: إذا مَلَّكَهَا ثلاثًا، لم تَجُزْ منها الواحدة.

وقال الشَّافِعِيُّ: تجوز.

وهي رواية مُطَرِّفٍ عن مَالِكٍ، وهو الأقوى؛ لأنها قَبِلَتْ بعض ما مُلِّكَتْ، وذلك صحيح، وهو لم يَفُتْهُ مطلوب؛ لأنه يُوقِعُ ما نَقَصَهُ ويَسْتَدْرِكُهُ بقوله، وهذا هو الأصل الصحيح، فَخَرِّجْ عليه جميع الفروع، والله أعلم.

بَابُ الْخِيَارِ

[1179] [1179ـ م] مَسْرُوقٌ، عن عَائِشَةَ قالت: =خَيَّرَنَا رَسُولُ اللهِ *، أَفَكَانَ طَلاَقًا؟ +.

العارضة في هذا الباب:

أن السَّلَفَ اخْتَلَفُوا في هذه المسألة اختلافًا مُتَبَايِنًا، ذَكَرَ أَبُو عِيسَى جُمْهُورَهُ، ويَرْجِعُ القول فيه إلى فَصْلَيْنِ:

أحدهما: إذا اخْتَارَتْ زوجها أنه لا يَكُونُ شيئًا.

وقال عَلِيٌّ: =إنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا، فَهْيَ وَاحِدَةٌ، يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ فِيهَا+. واخْتَارَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.

ولا معنى لهذا القول؛ لأن السُّنَّةَ غَابَتْ عنهم في ذلك، وأَيُّ نازلة أعظم من نازلة يُبَيِّنُ الله أمرها على لسان رسوله في حُكْمٍ من أحكامه حَسَبَ ما رَوَتْهُ عَائِشَةُ: =أَنَّ رَسُولَ اللهِ * جَاءَهَا حِينَ أَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التَّخْيِيرِ، فَقَالَ لَهَا: إنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، وَلاَ عَلَيْكِ أَلاَّ تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ. قَالَتْ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَتَلاَ عَلَيْهَا الآيَةَ: ×$ pka0r'¯"t' النَّبِيُّ قُلْ y7 إ_؛ ur ّ X {÷. حَتَّى بَلَغَ إلَى قَوْلِهِ: ×د M"oY إ، َsك Jù= د9 مِنْكُنَّ أَجْرًا $ VJ` د àt م÷. قَالَتْ: أَفِيكَ يَا رَسُولَ اللهِ أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟! ـ أو: فِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟! ـ بَلْ أُرِيدُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، وَأَسْأَلُكَ أَلاَّ تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِكَ بِالَّذِي قُلْتُ. قَالَ: لاَ تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إلاَّ أَخْبَرْتُهَا؛ إنَّ اللهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا، وَلاَ مُتَعَنِّتًا، إنَّمَا بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا، ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ * مِثْلَ مَا فَعَلْتُ+.

وقالت: =خَيَّرَنَا رَسُولُ اللهِ *، فَاخْتَرْنَا اللهَ وَرَسُولَهُ، فَلَمْ يَعُدَّ ذَلِكَ عَلَيْنَا شَيْئًا+.

وفي رواية: =أَفَكَانَ طَلاَقًا+. ولا عِطْرَ بَعْدَ عَرُوسٍ.

الثاني: إذا اخْتَارَتْ نفسها على زوجها، فليس فيه نَصٌّ من كتاب الله، ولا خَبَرٌ عن رسول الله *، إلا ما جَرَى في قِصَّةِ بَرِيرَةَ، قالت عَائِشَةُ ـ رَضِيَ الله عنها ـ: =كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلاَثُ سُنَنٍ، إحْدَى السُّنَنِ: أُعْتِقَتْ، فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا+.

فَإنِ اخْتَارَتْ زوجها، فلا شيء في ذلك إجماعًا، وإنِ اخْتَارَتِ الفراق، فَارَقَتْهُ، ولم يَكُنْ لزوجها سبيل إليها بعد اختيارها لفراقه.

والدليل عليه الحديث الصحيح، قال ابْنُ عَبَّاسٍ: =كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ

عَبْدًا أَسْوَدَ، يُقَالُ لَهُ: مُغِيثٌ، عَبْدًا لِبَنِي فُلاَنٍ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَيْهِ يَطُوفُ وَرَاءَهَا فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ؛ يَبْكِي عَلَيْهَا، وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ * لِعَبَّاسٍ: يَا عَبَّاسُ، أَلاَ تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ، وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا؟! فَقَالَ النَّبِيُّ *: لَوْ رَاجَعْتِهِ! قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَأْمُرُنِي؟ قَالَ: إنَّمَا أَشْفَعُ. قَالَتْ: لاَ حَاجَةَ لِي فِيهِ+.

ولو مَلَكَ رَجْعَتَهَا، لَمَا احْتَاجَ إلى بكاء، ولا شفاعة، فَدَلَّ على أنه كان فراق بَيْنُونَةٍ.

وقد اخْتَلَفَ العلماء في ذلك اختلافًا كثيرًا، وقَوْلُ مَالِكٍ الأَوَّلُ: ليس لها إلا واحدة. وهو قول الأَوْزَاعِيِّ واللَّيْثِ، ومن السَّلَفِ قَتَادَةُ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ.

وقال أَبُو حَنِيفَةَ والشَّافِعِيُّ والثَّوْرِيُّ وإسْحَاقُ وأَحْمَدُ: إنه فَسْخٌ بغير طلاق.

والأول أَصَحُّ؛ لأن كل فُرْقَةٍ كانت لِسَبَبٍ يَتَعَلَّقُ بالزوجين طلاقٌ كَالْجَبِّ والْعُنَّةِ، وإنما يَكُونُ الْفَسْخُ من جِهَةِ مَعْنًى يُفَارِقُ النكاح (من أصله)، أَلاَ تَرَى أن فُرْقَةَ الإيلاَءِ طلاق؟!

وأما الثلاث فلا وَجْهَ لها، وما أَرَاهَا إلا غَلَطًا في الرواية؛ فإن الْعَبْدَ ليس له أن يُطَلِّقَ ثلاثًا، ولا يُطَلَّقَ عليه.

مَرْجِعٌ:

فإذا ثَبَتَ هذا، فَإنِ اخْتَارَتِ الْمُخَيَّرَةُ نفسها، ففيه اختلاف كثير، لُبَابُهُ: أن مَالِكًا قال: هي ثلاث.

وقال أَبُو حَنِيفَةَ: هي واحدة.

وقال الشَّافِعِيُّ: يقال لها: ما أَرَدْتِ بقولك: اخْتَرْتُ نَفْسِي، فإن قالت:

الطلاق، كان طلاقًا، وإن قالت: لم أُرِدِ الطلاق، صُدِّقَتْ.

وليس في الحديث لهذا أَثَرٌ، ولا في القرآن، وإنما هو مُقْتَضَى النَّظَرِ.

ونُكْتَةُ المسألة: أن الزوج قد خَاطَبَهَا بِالتَّخْيِيرِ بين أن تَبْقَى زَوْجَةً، أو تُفَارِقَهُ، وهي قد أَجَابَتْ بأنها قد اخْتَارَتْ نفسها، وهذا يَقْتَضِي الفراق، فَدَعْوَاهَا أنها لم تُرِدِ الطلاق، وإنما هو كلام آخَرُ، لا يُقْبَلُ؛ لا سِيَّمَا وهو طبق الكلام ووَفْقُهُ، فهذا قول ضعيف جِدًّا.

وبَقِي النَّظَرُ بعد هذا في أن الفراق يَكُونُ بواحدة، أو بثلاث. وأَنْ يَكُونَ بثلاث أَظْهَرُ؛ لأَجْلِ أنه قد خَيَّرَهَا، واخْتِيَارُهَا لنفسها يَقْتَضِي أَلاَّ يَكُونَ له إليها سبيل، وذلك يَتَحَقَّقُ بالثلاث، فَإنِ اخْتَارَتْ أَقَلَّ، لم يَكُنْ ذلك الذي جُعِلَ إليها، فلا يَنْفُذُ ذلك منها.

وقد رُوِيَ عن سَحْنُونٍ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ في أن التَّخْيِيرَ واحدة كالتمليك. ووَجْهُهُ: أن بالواحدة يَرْتَفِعُ السبيل، إذا كانت بَائِنَةً.

وهذا يَنْبَنِي على فَصْلِ إسقاط الرَّجْعَةِ، وذلك لا يَجُوزُ. ومن هَهُنَا يَتَفَرَّعُ كتاب التَّخْيِيرُ ويَجْرِي على الأصول، والله الْمُوَفِّقُ.

بَابُ الْمُطَلَّقَةِ ثَلاَثًا لاَ سُكْنَى لَهَا وَلاَ نَفَقَةَ

[1180] [1180ـ م] ذَكَرَ حديث فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: =طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلاَثًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ *، فَخَاصَمْتُهُ فِي السُّكْنَى وَالنَّفَقَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ *: لاَ سُكْنَى لَكِ وَلاَ نَفَقَةَ+.

وقال عُمَرُ: =لاَ نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا لَقَوْلِ امْرَأَةٍ؛ لاَ نَدْرِي أَحَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ+.

العارضة في الإسناد:

في مسألتين:

الأولى: في مَسَاقِ الحديث.

قال الإمام الحافظ ": هذا باب غَرِيبٌ قريب، قال العلماء أقوالاً:

أحدها: لا نَفَقَةَ لِلْمُعْتَدَّةِ الْبَائِنَةِ ولا سُكْنَى.

وقال آخرون: لا نَفَقَةَ لها، ولها السُّكْنَى.

وقال آخرون: لها النَّفَقَةُ والسُّكْنَى.

وقد حَقَّقْنَاهَا في =التفسير+ و=التَّخْلِيصِ+ تحقيقًا بالغًا. وإنما نَعْتَنِي الآنَ بالحديث المتقدم، وهو شأن فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ التي سَقَطَ حَقُّهَا من النَّفَقَةِ والسُّكْنَى.

ثَبَتَ في الصحيح عن فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أُخْتِ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ: =أَنَّ زَوْجَهَا أَبَا عَمْرِو بْنِ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيَّ طَلَّقَهَا ثَلاَثًا الْبَتَّةَ، وَهْوَ غَائِبٌ مَعَ عَلِيٍّ بِالْيَمَنِ، فَأَرْسَلَ إلَيْهَا بِطَلاَقِهَا عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، تَطْلِيقَةٍ كَانَتْ بَقِيَتْ مِنْ طَلاَقِهَا، وَأَرْسَلَ مَعَهُ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ بِنَفَقَةٍ لَهَا: خَمْسَةِ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ، وَخَمْسَةِ آصُعٍ مِنْ شَعِيرٍ، فَقُلْتُ: أَمَا لِي نَفَقَةٌ إلاَّ هَذَا؟! وَلاَ أَعْتَدُّ فِي مَنْزِلِكُمْ. فَانْطَلَقَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي نَفَرٍ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ * فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فَقَالُوا: إنَّ أَبَا حَفْصٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاَثًا، فَهَلْ لَهَا مِنْ نَفَقَةٍ؟ (فَقَالَ النَّبِيُّ *): لَيْسَ لَهَا نَفَقَةٌ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ. قَالَتْ: فَشَدَدْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي وَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ *، فَقَالَ: كَمْ طَلَّقَكِ؟ فَقُلْتُ: ثَلاَثًا، وَإنِّي أَخَافُ أَنْ يُقْتَحَمَ عَلَيَّ. قَالَ: صَدَقَ، لَيْسَ لَكِ نَفَقَةٌ، وَلاَ سُكْنَى، وَلَكِنِ اعْتَدِّي فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ. ثُمَّ أَرْسَلَ إلَيْهَا: أَنَّ أُمَّ شَرِيكٍ يَأْتِيهَا الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ، وَيَغْشَاهَا أَصْحَابِى، انْطَلِقِي إلَى ابْنِ أُمِّ

مَكْتُومٍ الأَعْمَى؛ فَإنَّكِ إنْ وَضَعْتِ خِمَارَكِ، لَمْ يَرَكِ. وَأَرْسَلَ إلَيْهَا: أَلاَّ تَسْبِقِينِي بِنَفْسِكِ، فَإذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي. فَآذَنَتْهُ، فَخَطَبَهَا مُعَاوِيَةُ وَأَبُو جَهْمٍ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ *: أَمَّا مُعَاوِيَةُ، فَتَرِبٌ صُعْلُوكٌ، لاَ مَالَ لَهُ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ، فَرَجُلٌ فِيهِ شِدَّةٌ، ضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ، لاَ يَرْفَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَلَكِنْ أُسَامَةُ. فَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا: أُسَامَةُ أُسَامَةُ! فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ *: طَاعَةُ اللهِ وَطَاعَةُ رَسُولِهِ (خَيْرٌ لَكِ). قَالَتْ: فَتَزَوَّجْتُهُ، (فَجَعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)، وَاغْتَبَطْتُ. فَقَالَ عُمَرُ: لاَ نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا، وَلاَ سُنَّةَ نَبِيِّنَا لِقَوْلِ امْرَأَةٍ؛ لاَ نَدْرِي، حَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ+.

و=طَلَّقَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ، فَانْتَقَلَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ إلَى مَرْوَانَـ وَهْوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ ـ: اتَّقِ اللهَ، وَارْدُدْهَا إلَى بَيْتِهَا. فَقَالَ مَرْوَانُ: أَوَ مَا بَلَغَكِ شَأْنُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ؟! فَقَالَتْ: لاَ يَضُرُّكَ (أَلاَّ تَذْكُرَ) حَدِيثَ فَاطِمَةَ. فَقَالَ مَرْوَانُ: إنْ كَانَ بِكِ الشَّرُّ، فَحَسْبُكِ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ مِنَ الشَّرِّ+.

وقالت عَائِشَةُ: =مَا لِفَاطِمَةَ لاَ تَتَّقِي اللهَ؟! تَعْنِي: فِي قَوْلِهَا: لاَ سُكْنَى وَلاَ نَفَقَةَ+.

=وَعَابَتْ عَائِشَةُ أَشَدَّ الْعَيْبِ ذَلِكَ، وَقَالَتْ: إنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ فِي مَكَانٍ وَحْشٍ، فَخِيفَ عَلَى نَاحِيَتِهَا؛ فَلِذَلِكَ أَرْخَصَ لَهَا النَّبِيُّ *+.

(الثانية: قال أَبُو عِيسَى في حديثه: =قَالَ مُغِيرَةُ: فَذَكَرْتُهُ لإبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: قَالَ عُمَرُ: لاَ نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا+. الحديث.

وإنما يَرْوِيهِ إبْرَاهِيمُ، عن الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ.

حَدَّثَنَاهُ أَبُو الْحُسَيْنِ الأَزْدِيُّ، (حَدَّثَنَا الطَّبَرِيُّ)، حَدَّثَنَا الدَّارَقُطْنِيُّ، حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عن إبْرَاهِيمَ، عن الأَسْوَدِ، عن عُمَرَ بْنِ

الْخَطَّابِ: =أَنَّهُ لَمَّا بَلَغَهُ قَوْلُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، قَالَ: لاَ نَدَعُ كِتَابَ اللهِ لِقَوْلِ امْرَأَةٍ؛ لاَ نَدْرِي لَعَلَّهَا نَسِيَتْ+.

ورَوَى النَّسَائِيُّ عن الأَسْوَدِ؛ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: =إنْ جِئْتِ بِشَاهِدَيْنِ يَشْهَدَانِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ * قَالَ ذَلِكَ، وَإلاَّ فَلاَ نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا، وَلاَ سُنَّةَ نَبِيِّنَا+. الحديث.

وفَاطِمَةُ: هي بِنْتُ قَيْسٍ بْنِ خَالِدٍ الْفِهْرِيَّةُ، وكانت ذَاتَ عَقْلٍ وجمال وكمال، وفي بَيْتِهَا اجْتَمَعَ أصحاب الشُّورَى عند قَتْلِ عُمَرَ.

وأُمُّ شَرِيكٍ: هي غُزَيْلَةُ ـ ويقال: غُزَيَّةُ ـ الْقُرَشِيَّةُ الْعَامِرِيَّةُ رَاوِيَةُ حَدِيثِ قَتْلِ الأَوْزَاغِ).

الأصول:

في مسألتين:

الأولى: قول عُمَرَ: =لاَ نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا، وَلاَ سُنَّةَ نَبِيِّنَا لِقَوْلِ امْرَأَةٍ؛ لاَ نَدْرِي أَحَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ+. (اخْتَلَفَ الناس) في تخصيص عموم القرآن بِخَبَرِ الواحد، والمشهور جوازه، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ في كُتُبِ الأصول.

وقد بَيَّنَّا أن عُمَرَ " لم يَذْهَبْ فيما قال مَذْهَبَ الرَّدِّ، وإنما كان يقول أَمْثَالَ هذا تَثْبِيتًا للناس، أَلاَ تَرَى أَنَّ إنْكَارَهُ عَلَى أَبِي مُوسَى لَمْ يَكُنْ عَلَى الرَّدِّ لإخَبَارِه لَهُ، وَإنَّمَا كَانَ حِمَايَةً مِنِ اسْتِرْسَالِ النَّاسِ عَلَى حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ *؛ ولاحتمال خَبَرِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ. فلا يَرُدُّ حَدِيثٌ محتمل قَوْلاً مُطَّرِدًا، لا احتمال فيه.

الثانية: قال النبي * لها: =اعْتَدِّي فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ. فَلَمَّا خَرَجَتْ، أَرْسَلَ إلَيْهَا: اعْتَدِّي فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ+. فَرَجَعَ عَمَّا كان أَمَرَهَا به إلى غيره، وليس هذا من باب النَّسْخِ، ولَكِنَّهُ من باب الرجوع عن الشيء

إلى ما هو أَوْلَى منه؛ لِمَا يُتَبَيَّنُ في العاقبة من الصواب فيه، وصَارَ هذا أصلاً لكل حاكم يَتَبَيَّنُ له خلاف ما حَكَمَ به في رجوعه عنه إلى ما ظَهَرَ، عَوْدًا بعد بَدْءٍ إليه، وقد اخْتَلَفَ في ذلك العلماء اختلافًا مُتَبَايِنًا، وسَيَأْتِي ذلك في كتاب الأقضية إن شاء الله.

الأحكام:

في (ثَلاَثَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً):

الأولى: قولها: =طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلاَثًا+. تَعَلَّقَ به بعضهم في وقوع الثلاث في كلمة. وليس بصحيح؛ لأن هذه الثلاث إنما كانت مُتَفَرِّقَاتٍ؛ بدليل قوله في آخِرِ الحديث: =تَطْلِيقَةٍ كَانَتْ بَقِيَتْ مِنْ طَلاَقِهَا+.

الثانية: قولها: =وَهْوَ غَائِبٌ بِالْيَمَنِ+. دليل على جواز طلاق الغائب، كما يَجُوزُ طلاق الحاضر، كما يَجُوزُ مُوَاجَهَةُ الرجل امْرَأَتَهُ بالطلاق، وهي ثلاث مسائل، في كل مسألة حديث.

وإذا أَرْسَلَ بالطلاق، وهو غَائِبٌ، فليس يَلْزَمُ أن يَكُونَ عليه بَيِّنَةٌ، ولكن يُعْلِمُهَا بطلاقها؛ لِتَنْظُرَ في الذي يَتَعَيَّنُ من الْعِدَّةِ عليها لله، ولنفسها، وليس يَلْزَمُهُ الإشهاد على الطلاق، وإنما يَلْزَمُ في النكاح وفي الرَّجْعَةِ، على الْوَجْهِ الذي تَقَدَّمَ بيانه من الاختلاف والْوِفَاقِ.

أَمَا إنَّهُ من التَّحْصِينِ له ولها في الذي يَقَعُ بينهما من المطالب، وفيما تَحْتَاجُ هي إليه من النكاح، إن كان عند الحاكم. وأما إن كان بين الأولياء والْمَعَارِفِ، جَازَ لهم أن يَكْتَفُوا في ذلك بِعِلْمِهِمْ؛ ولذلك أَرْسَلَ هُوَ إلَيْهَا بِطَلاَقِهَا مَعَ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ. وفي رواية: مَعَ الْحَارِثِ مَعَهُ.

الثالثة: قوله: =فَانْطَلَقَ خَالِدٌ فِي نَفَرٍ إلَى رَسُولِ اللهِ *+. دليل على اجتماع الْعَصَبَةِ في طَلَبِ حَقٍّ يَكُونُ لِلْوَلِيِّ أو الْوَلِيَّةِ. وهو أَقْوَى، ولا يُعَدُّ

عَصَبِيَّةً إذا لم يَخْرُجِ القول عن طريق الْحَقِّ، ولا عَاجَ الْمُتَكَلِّمُ الطَّالِبُ عن سبيلها، ولعلهم كانوا شهودًا بطلاقها. والأول أقوى.

الرابعة: قوله: =فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ+. دليل على أَنَّ =في بَيْتِهِ يُؤْتَى الْحَكَمُ+. والقضاء في البيت هو الأصل، وفي المسجد عند مَالِكٍ هي السُّنَّةُ والأَمْرُ القديم.

الخامسة: قال النبي *: =لاَ نَفَقَةَ لَهَا+. وهي الْفَصْلُ المطلوب بَيَانُهُ، الْمُخْتَلَفُ فيه، وليس فيه احتمال، ولا إشكال؛ فإن الله تعالى قال: ×£` èdq مZإ3َ" r& مِنْ ك] ّ9 ym OçGYs3y" مِنْ ِNن. د0÷`م r xwur £`èdr"! $x ز è? (#qà) ح h`x ز çG د9 £`حkِ} n=t م وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا £`حkِ} n=t م÷. فَبَيَّنَ حَالَهُنَّ في السُّكْنَى والنَّفَقَةِ، فَأَطْلَقَ القول في السُّكْنَى (عمومًا، وخَصَّ) النَّفَقَةَ بذوات الْحَمْلِ، فَتَغْيِيرُ هذا إبطال للتقسيم، وحَذْفٌ للفائدة.

وعُمَرُ إنما أَنْكَرَ أَمْرَ السُّكْنَى، وكذلك عَائِشَةُ، على ما تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا له، وأما النَّفَقَةُ، فلم يَكُنْ عندهم فيها إشكال، ولا وَرَدَ عن أحد فيها إنكار.

السادسة: قوله: =وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ+. هذا أصل متفق عليه؛ لأنها لِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ وصِيَانَتِهَا عن اختلاط المياه وفساد الأنساب، كما أنها تَنْتَفِي عن التي لم يُدْخَلْ بها بقوله: ×¢ OèO طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ £`خgّ` n=t ومِنْ ; o£0 دم $ pktXr 0tF÷ès?÷.

السابعة: قولها: =وَإنِّي أَخَافُ أَنْ يُقْتَحَمَ عَلَيَّ+. فَذَكَرَتِ انفرادها وعَوْرَةَ منزلها، ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُ عَائِشَةَ في البُخَارِيِّ: =إنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ فِي مَكَانٍ وَحْشٍ، فَخِيفَ عَلَيْهَا+.

ويَقُولُ مَرْوَانُ حين غَلَبَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَكَمِ في إخراج بِنْتِهِ من منزلها في زَوْجِيَّةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ: =إنْ كَانَ بكِ الشَّرُّ، فَحَسْبُكِ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ مِنَ الشَّرِّ+. وهذا يَدُلُّ على أنها خَرَجَتْ من منزلها لِعُذْرٍ يُجَوِّزُ الخروج.

والأعذار التي تُجَوِّزُ الخروج معلومة: عَوْرَةُ الْمَكَانِ. خَوْفُ الْبِذَاءِ والشَّرِّ. طَلَبُ المَعَاشِ، وهذا نَصٌّ.

وأما فَاطِمَةُ نفسها حين (أَنْكَرَتْ ذلك عَلَى مَنْ أَنْكَرَهُ عليها مِنَ الصحابة)، فَفَقِهَتْ مسألتها، واحْتَجَّتْ بما رَأَتْ عليها. ففي الصحيح: أنها كانت تقول: =بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللهِ، قَالَ اللهُ تعالى: × xw ح ô0s? لَعَلَّ اللَّهَ ك^د0ّtن y0÷èt/ y7 د9؛ sR #\چ ّ Br&÷. فَأَيُّ أَمْرٍ يُحْدِثُ بَعْدَ الثَّلاَثِ+. تُرِيدُ: أن تحريم الإخراج والخروج إنما هو في الرَّجْعِيَّةِ.

قال الإمام الحافظ ": وصَدَقَتْ. ولكن فَاتَهَا ما تَفَطَّنَ غيرها من علماء الأُمَّةِ له، وذلك أن هذا الذي شَبَّبَتْ به هو في الآية الأولى، فأما الآية الأخرى، فإن حال المُبْتُوتَةِ فيها بَيِّنٌ في السُّكْنَى والإنفاق.

فأما الرَّجْعِيَّةُ، فلها النَّفَقَةُ، ولا يَجُوزُ وإنِ انْقَطَعَتِ الآيات بأحكامها ومعانيها أن تُوصَلَ، كما لا يَجُوزُ إنِ اتَّصَلَتْ أن تُقْطَعَ.

الثامنة: قوله: =انْتَقِلِي إلَى بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ+. فَنَقَلَهَا إلى امرأة مُفْرَدَةٍ، لا زَوْجَ لها، حين لم يَكُنْ لها منزل، ولا حُرْمَةٌ خالية عن زوج.

وقد رَوَاهُ الْخَطَّابِيُّ فقال: =انْتَقِلِي إلَى أُمِّ مَكْتُومٍ+. وهو وَهْمٌ.

التاسعة: قوله: =وَأَرْسَلَ إلَيْهَا: تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي+. في ذلك وَجْهَانِ:

أحدهما: أن ذلك قبل نزول الْحِجَابِ. (وهو ضعيف؛ لأن مَغِيبَ عَلِيٍّ إلى الْيَمَنِ حين سَافَرَ معه زَوْجُ فَاطِمَةَ كان بعد نزول الْحِجَابِ) بِمُدَّةٍ.

الثاني: ـ وهو الصحيح ـ أن أُمَّ شَرِيكٍ كانت مُتَجَالَّةً رَجُلَةً، فكان المهاجرون والأنصار يُدَاخِلُونَهَا لِجَلاَلَتِهَا وجِلَّتِهَا ورُجُولَتِهَا. فلم يَكُنْ ذلك موضع تَحْصِينٍ؛ لكثرة الداخل فيه والخارج، وعُسْرِ التَّحَفُّظِ معه، فَنَقَلَهَا إلى دار امرأة لها زوج أَعْمَى، فَتَكُونُ في حَصَانَةٍ من الرجال، في سِتْرٍ من ضَرَارَةِ الرجل الْمُخْتَصِّ بذلك المنزل، ويَأْتِي تَمَامُ الكلام في موضعه إن شاء الله تعالى.

العاشرة: ذِكْرُهُ لأَبِي جَهْمٍ بتلك الأخلاق الْمَذْمُومَةِ لم يَدْخُلْ في سبيل الْغِيبَةِ؛ لأنه في سبيل النَّصِيحَةِ والتعريف لَمَنْ يَحْتَاجُ ذلك فيه، وهذا أمر مخصوص منها مع غيره، مما يُبَيَّنُ في موضعه إن شاء الله تعالى.

الحادية عشرة: أن في هذا تفسيرًا لقوله: × (#qكsإ3 Rr&ur 4 yJ"t'F {$# مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ ِ/ن. د`$ t6 دم ِ Nà6 ح! $ tB خ) ur إِنْ (# qçRq ن3 t' فُقَرَاءَ مNخgدYَّم' اللَّهُ مِنْ ¾د&خ#ôز sù÷. فإنه لم يَعْبِ الْفَقْرَ، بل أَعْرَضَ عن ذلك فيه، وعَدَلَ عنه في الحديث، بِمَعْنَى: أن أُسَامَةَ فقير، ومُعَاوِيَةَ مثله، وإذا اجْتَمَعَ فَقِيرَانِ أو غَنِيَّانِ، أُخِذَ بأفضلهما. فَمَعْنَى الحديث: مُعَاوِيَةُ تَرِبٌ، وأُسَامَةُ مثله، فَخُذْهُ قَبْلَهُ.

الثانية عشرة: قولها في الحديث: =أُسَامَةُ أُسَامَةُ! وَقَالَتْ بِيَدِهَا+. كَرَّرَتْ ذِكْرَ الاسم؛ تأكيدًا لِلْكَرَاهِيَةِ فيه، وأَشَارَتْ بِيَدِهَا: لاَ. كأنه نَفْضٌ له وطَرْحٌ، فَأَجَابَهَا النبي * بالجواب الأعظم، وهو قوله: =طَاعَةُ اللهِ وَطَاعَةُ

رَسُولِهِ خَيْرٌ لَكِ+. فَقَبِلَتْ بتوفيق الله، واغْتَبَطَتْ بفضل الله.

الثالثة عشرة: فيه جواز تزويج المَوْلَى القُرَشِيَّةَ. ونكاح زَيْدٍ لِزَيْنَبَ أصل الأصول في ذلك؛ لأنه مَوْلَى رسول الله * زُوِّجَ بِنْتَ عَمَّةِ رسول الله *. وفي بلادنا مَدِينَةٌ يُنْكِحُ أَهْلُهَا بَنَاتِهِمْ عَبِيدَهُمْ، والناس يَأْخُذُونَ في ذلك عليهم، وليس بِمَأْخَذٍ.

الرابعة عشرة: قوله: =لاَ يَرْفَعُ عَصَاهُ+. وفي رواية: =لاَ يَضَعُ عَصَاهُ+. مَجَازٌ في الكِنَايَةِ عن الشِّدَّةِ، كأنه رَاعٍ يُكْثِرُ ضَرْبَ الغَنَمِ التي كُلِّفَ حِفْظَهَا، وذلك صحيح من الكلام.

(الخامسة عشرة: قوله: =فَإذَا حَلَلْتِ، فَآذِنِينِي+. دليل على جواز التعريض في الْعِدَّةِ بالنكاح.

السادسة عشرة: جواز خروجها في مَنَافِعِهَا مِنْ سؤال عن دِينٍ، أو مَعَاشٍ في دُنْيَا؛ لحاجتها إلى ذلك.

السابعة عشرة: وإذا سَأَلَتْ أو تَنَاجَتْ، فليس كلامها عَوْرَةً في ذلك.

الثامنة عشرة: تَعَيُّنُ الاسْتِشَارَةِ في النكاح. وهو من أكثر الأمور التي يُسْتَشَارُ فيها.

التاسعة عشرة: جواز الإشارة بغير مَنِ اسْتُشِيرَ فيه، إذا رَأَى السَّدَادَ في غيره.

العشرون: يَدُلُّ قوله: =مُعَاوِيَةُ صُعْلُوكٌ+. على جواز الإخبار بالغالب من الأحوال الكامنة في الإنسان عن جَمِيعِهَا؛ لأن مُعَاوِيَةَ قد كان له الثَّوْبُ والثَّوْبَانِ، وأن أَبَا جَهْمٍ ما كان يُلاَزِمُ هذه العَصَا.

الحادية والعشرون: أن ضَرْبَ الزوجة لا يَجُوزُ، إلا في أَدَبٍ.

الثانية والعشرون: نكاحها لأُسَامَةَ دليل على أن الْكَفَاءَةَ في الدِّينِ،

لا في الحَسَبِ، على تفصيل، بَيَانُهُ في =مسائل الخلاف+).

بَابُ لاَ طَلاَقَ قَبْلَ نِكَاحٍ

[1181] عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ، قال رسول الله *: =لاَ نَذْرَ لابْنِ آدَمَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ، وَلاَ عِتْقَ لَهُ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ، وَلاَ طَلاَقَ لَهُ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ+.

الإسناد:

ليس في الصحيح لهذا الحديث أصل، بَيْدَ أن أَرْبَابَ الْمُصَنَّفَاتِ والْمَسَانِيدِ ذَكَرُوهُ، وله طُرُقٌ كثيرة قد أَوْرَدَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ، أَمْثَلُهَا ....

وقال أَبُو عِيسَى: سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ عن أَصَحِّ حديث في هذا الباب، فقال: حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ. وحَدِيثُ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عَائِشَةَ.

زَادَ فيه أَبُو دَاوُدَ: =وَمَنْ حَلَفَ عَلَى مَعْصِيَةٍ، فَلاَ يَمِينَ لَهُ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى قَطِيعَةِ رَحِمٍ، فَلاَ يَمِينَ لَهُ+. =وَلاَ نَذْرَ إلاَّ فِيمَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللهِ+.

ومع أن الْبُخَارِيَّ صَحَّحَ حديث عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، فلم يُدْخِلْهُ في كتابه؛ لأن صَحِيفَتَهُ ليستْ من شَرْطِهِ، ولكنه ذَكَرَهُ عن عَلِيٍّ وابْنِ عَبَّاسٍ ونَحْوٍ مِنْ ثَلاَثَةٍ وعِشْرِينَ مِنَ التَّابِعِينَ أنه لا يَلْزَمُهُ طلاق فيما لا يَمْلِكُ، ومنهم سَبْعَةٌ من فقهاء الْمَدِينَةِ.

الأحكام:

للعلماء في هذه المسألة أربعة أقوال:

الأول: أنه لا طلاق إلا فيما يَمْلِكُ. قاله جماعة، منهم الشَّافِعِيُّ.

الثاني: أنه يَلْزَمُهُ إذا عَلَّقَهُ بِالْمِلْكِ مُطْلَقًا. قاله أَبُو حَنِيفَةَ.

الثالث: أنه يَلْزَمُهُ إنْ نَسَبَه إلى نَوْعٍ، أو مَكَانٍ، أو قَبِيلَةٍ، ولا يَلْزَمُ إنْ أَطْلَقَ. قاله مَالِكٌ. وقد رُوِيَ عنه كقول الشَّافِعِيِّ من طريق أهل الْمَدِينَةِ.

الرابع: أنه يَلْزَمُهُ في الْعِتْقِ، ولا يَلْزَمُهُ في الطلاق. قاله أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.

وقد سُئِلَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عن ذلك، فقال: =لاَ يَكُونُ سَيْلٌ قَبْلَ مَطَرٍ+.

ورَوَى ابْنُ وَهْبٍ والْمَخْزُومِيُّ، عن مَالِكٍ ـ كما قَدَّمْنَا ـ: أنه لا شَيْءَ عليه. وقاله ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ.

وقال ابْنُ الْقَاسِمِ: آمُرُ السُّلْطَانَ أَلاَّ يَحْكُمَ في ذلك بشيء. وتَوَقَّفَ عن الْفُتْيَا به في آخِرِ أيامه. يُرِيدُ: لإشكال المسألة، وضَعْفِ الدليل في لُزُومِهَا.

والأصل في الطلاق أن يَكُونَ في الْمَنْكُوحَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِقَيْدِ النكاح، قال الله تعالى: ×# sR خ) نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ ئ èdq، yJs?÷. فهذا قول الله، وهو الذي يَقْتَضِيهِ مُطْلَقُ اللفظ، إلا أنه لَمَّا انْعَقَدَ إجماعهم على أن الرجل إذا قال لزوجته: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ، فَأَنْتِ طَالِقٌ. أنه يَلْزَمُهُ الطلاق إذا دَخَلَتِ الدَّارَ؛ قال بعضهم: معناه أن الطلاق حَقٌّ مَلَكَهُ، فَجَعَلَ الشرع إليه أن يُنْجِزَهُ، وأن يُؤَجِّلَهُ، وأن يُعَلِّقَهُ بِأَجَلٍ، أو يَجْعَلَهُ بِيَدِ آخَرَ، ويَكُونُ هذا من باب تَصُرُّفِ المالك في مِلْكِهِ، وأما إذا لم تَكُنْ له زوجة، فلم يَمْلِكْ شيئًا، فلا يَكُونُ له تَصَرُّفٌ فيما لم يَمْلِكْ.

وقال بعضهم: قوله: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ، فَأَنْتِ طَالِقٌ. عَقْدٌ الْتَزَمَهُ بقوله، ورَبَطَهُ بِنِيَّتِهِ وعَقْدِهِ، وعَلَّقَهُ بَشَرْطِهِ، فإن وُجِدَ الشَّرْطُ، نَفَذَ هذا القول،

وإن عَدِمَ الشَّرْطُ بموت أو فراق، سَقَطَ حُكْمُ القول، ولم يَكُنْ ذلك بمانع من أن يَكُونَ منعقدًا في ذاته، حتى إذا وَجَدَ مَحَّلَهُ، نَفَذَ فيه، كذلك إذا قال: إن تَزَوَّجْتُ فلانة، فهي طالق. يَجِبُ أن يَنْعَقِدَ هذا القول، ويَلْزَمَهُ بِالنِّيَّةِ، ويَكُونُ معقودًا موقوفًا، حتى يُصَادِفَ مَحَلَّهُ؛ فإنه قول صحيح، مُضَافٌ إلى مَحَلٍّ صحيح، مُعَلَّقٌ بِأَجَلٍ صحيح، فَجَازَ كما لو قال لزوجته: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ، فَأَنْتِ طَالِقٌ. وقالوا: إن المراد بالحديث ما إذا طَلَّقَ أَجْنَبِيَّةً، أو أَعْتَقَ مَنْ ليس له بِعَبْدٍ (أو أَمَةٍ)، أو نَذَرَ فيما ليس له فيه مِلْكٌ؛ كما رُوِيَ: =أَنَّ امْرَأَةً نَجَتْ عَلَى نَاقَةِ النَّبِيِّ *، فَلَمَّا بَلَغَتْ إلَيْهِ، قَالَتْ: إنِّي نَذَرْتُ إنْ نَجَّانِي اللهُ عَلَيْهَا أَنْ أَنْحَرَهَا. قَالَ لَهَا: بِئْسَمَا جَزَيْتِهَا! لاَ نَذْرَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ+.

فعلى هذا ونظائره يُحْمَلُ الحديث، فأما على رَبْطِ الأقوال بالشروط مُضَافَةٍ إلى الْمَحَالِّ، فلا يَقْتَضِيهِ الحديث. وعلى هَذَيْنِ الأصلين دار اختلاف العلماء.

وأما أَحْمَدُ، فَنَظَرَ إلى أن الْعِتْقَ قُرْبَةٌ، وبَابُ الْقُرَبِ وأَصْلُهَا أن تَنْعَقِدَ في الذِّمَّةِ مُطْلَقًا، فَانْعَقَدَتْ مُضَافَةً إلى مَحَلٍّ لا يُمْلَكُ، مُعَلَّقًا على الْمِلْكِ، أَلاَ تَرَى أنه لو قال: للهِ عَلَيَّ (عِتْقٌ. لَزِمَهُ؛ فكذلك إنْ قال: للهِ عَلَيَّ أن أَعْتِقَ فُلاَنًا إنْ مَلَكْتُهُ. ولا تَصْلُحُ الذِّمَمُ لِسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ، أَلاَ تَرَى أنه لو قال: للهِ عَلَيَّ) طَلاَقٌ. لَكَاَن لَغْوًا، فكذلك إذا أَضَافَهُ إلى مَحَلِّهِ بِشَرْطِهِ في أَجَلِهِ، يَكُونُ لَغْوًا؛ لأنه لم يَصْلُحْ تَعَلُّقُهُ بِالذِّمَّةِ. وهذا نَظَرٌ ثَالِثٌ بَدِيعٌ.

وأما مَالِكٌ، فَنَظَرَ في مشهور قوله إلى أن الْمُعَمِّمَ بالطلاق لكل زوجة سَدَّ على نفسه (باب النكاح الذي نَدَبَ الله إليه)، وشَرَعَهُ سبيلاً لوجود الْخَلْقِ، وحِكْمَةً لها خَلَقَ الْبَشَرَ بقوله: × uqèdur د%©! $# خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ

# Z} |³o0 فَجَعَلَهُ نَسَبًا #\چ ôg د¹ ur÷. فَعَارَضَ عُقْدَةَ الشريعة فَسَقَطَ، بخلاف ما إذا خَصَّ.

وهذا أصل مَبْنِيٌّ على باب من أصول الفقه مُتَنَازَعٍ فيه، وهو: تَخْصِيصُ الأَدِلَّةِ بِالْمَصَالِحِ والْعِلَلِ بِالتَّعَارُضِ. ولو كان هذا لازمًا في الخصوص، لَلَزِمَ في العموم؛ لأن الباب إذا امْتَنَعَ سَدُّ كُلِّهِ، امْتَنَعَ سَدُّ بَعْضِهِ؛ لِلضِّيقِ فيه، والتَّضْيِيقُ في الدِّينِ حُكْمُهُ حُكْمُ الإبطال، إذ قال الله ـ سبحانه وتعالى ـ: ×$ tBur x@

عارضة الأحوذي · الصفحة ١١٩٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عارضة الأحوذيص ١١٩٤