ّ` yJ ّ9$# $ ydrâ x9tGsù
د ps) ¯=yè كJّ9$$ x. ÷. فَأَخْبَرَ سبحانه أن أحدًا لا يَمْلِكُ الْعَدْلَ بين النساء، والمَعْنَى فيه: تَعَلُّقُ القلب ببعضهن أكثر من البعض، فَعَذَرَهُمْ فيما يُكِنُّونَ، وأَخَذَهُمْ بالمساواة فيما يُظْهِرُونَ، وكان للنبي * في ذلك مَزِيَّةٌ لِمَنْزِلَتِهِ، فَسَأَلَ رَبَّهُ الْعَفْوَ عنه فيما كان يَجِدُهُ في نفسه من الْمَيْلِ إلى بعضهن أكثر من البعض، وكان ذلك لِمَرْتَبَتِهِ.
فأما سواه، فلا حَرَجَ عليه فيما يَجِدُ في نفسه من الْمَيْلِ إلى بعض زوجاته، إذا عَدَلَ في الظاهر، بخلاف النبي * لِمَا قَدَّمْنَاهُ، حَتَّى هَمَّ بِطَلاَقِ سَوْدَةَ، فَتَرَكَتْ حَقَّهَا لِعَائِشَةَ.
وأما قوله: =جَاءَ وَشِقُّهُ مَائِلٌ+. فَيَعْنِي به: كِفَّةَ الْمِيزَانِ (التي تُوضَعُ فيها الأعمال، فَأَخْبَرَ أنه إذا وُضِعَ الْجَوْرُ على الزوجة الثانية في كِفَّةِ الْمِيزَانِ)، رَجَحَتْ كُلَّ شيء من الخير، إلا أن يَتَدَارَكَهُ الله تعالى.
بَابٌ فِي الزَّوْجِينِ الْمُشْرِكَيْنِ يُسْلِمُ أَحَدُهُمَا
[1142] ذَكَرَ عن الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ: =أَنَّ رَسُولَ اللهِ * رَدَّ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بِمَهْرٍ جَدِيدٍ، وَنِكَاحٍ جَدِيدٍ+.
[1143] وذَكَرَ عن مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ، عن دَاوُدَ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: =أَنَّهُ رَدَّهَا عَلَيْهِ بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ بِالنِّكَاحِ الأَوَّلِ+.
الإسناد:
هذا باب لم يَصِحَّ فيه حديث مُسْنَدٌ، أَمَا إنَّهُ صَحَّ فيه مُرْسَلُ ابْنِ شِهَابٍ في =الْمُوَطَّأِ+: أَنَّ كُلَّ مَنْ أَسْلَمَتْ زَوْجَتُهُ، وَبَقِيَ عَلَى شِرْكِهِ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَهْىَ فِي الْعِدَّةِ، بَقِىَ نِكَاحُهُ عَلَيْهَا، وَقُرَّتْ مَعَهُ بِالْعَقْدِ الأَوَّلِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ. فعليه فَلْيُعَوَّلْ.
والعارضة في الأحكام في الباب:
في سِتِّ مسائل:
الأولى: أن الزوج إذا أَسْلَمَ دونها قبل الْبِنَاءِ، لم تَقَعِ الْفُرْقَةُ بينهما بنفس الإسلام، حتى يُعْرَضَ عليها فَتَأْبَى، إن كانت مِمَّنْ لا يَجُوزُ له ابتداء الْعَقْدِ عليها، وإن كانت كتابية، بَقِيَتْ له زوجة.
وقال أَشْهَبُ وأَصْبَغُ: تَنْقَطِعُ الْعِصْمَةُ بينهما بنفس الإسلام. يَعْنِي: إسْلاَمَ الزوج. والأول أَصَحُّ؛ لأن مَنْ أَسْلَمَ مع زوجه، لم يُفَرَّقْ بينهما، وبَعِيدٌ أن يَكُونَ إسلامهما مَعًا.
وقال الشَّافِعِيُّ أيضًا: تَقَعُ الْفُرْقَةُ في الحال، وإن كان بعد الدخول، فإن أَسْلَمَ في الْعِدَّةِ، فهو أَوْلَى بها؛ لأنه سَبَبٌ من أسباب الفراق، فَرُوعِيَ فيه الْعِدَّةُ كالطلاق، كما لو أَسْلَمَتْ هي.
قلنا: كذلك كُنَّا نقول؛ لولا قوله: × xwur تُمْسِكُوا بِعِصَمِ جچد ù#uqs3 ّ9$#÷. وإنما يُعْتَبَرُ في ذلك حال الزوج، كما يُعْتَبَرُ في الرَّجْعَةِ. ولو غُفِلَ عنها مُدَّةً، لَتَأَخَّرَ الأمر إلى العِدَّةِ عند أَشْهَبَ.
وقال ابْنُ الْقَاسِمِ: تَنْقَطِعُ العِصْمَةُ.
وهو نُزُوعٌ من أَشْهَبَ إلى نحو قول المُخَالِفِ. والمسألة تُسْتَوْفَى في موضعها من كُتُبِ المسائل إن شاء الله تعالى.
الثانية: إن كان الإسلام وَقَعَ قبل الدخول، وَقَعَتِ الفُرْقَةُ. وبه قال الشَّافِعِيُّ.
وقال أَبُو حَنِيفَةَ: إنما يُرَاعَى إن كان في دار الإسلام، وَقَعَتِ الفُرْقَةُ على عَرْضِ الحاكم، وإن كان في دار الحرب، وَقَعَتِ الفُرْقَةُ على ثلاث
حِيَضٍ. وهي مسألة عريضة، مُجَاذِبَةٌ لأصول متعددة، وقد بَيَّنَّاهَا في موضعها.
وهذا في الوَثَنِيَّةِ ـ والأصل فيه المَسْبِيَّةُ ـ في وقوف ذهاب النكاح بعد الدخول على العِدَّةِ، ثم يَلْتَحِقُ به ما (قِيلَ أَوَّلاً بموضع) النَّظَرِ، وقَطْعُهُ عنه أَصْوَبُ، والله أعلم.
الثالثة: من غريب الأمر أن ابْنَ الْقَاسِمِ قال في =الْعُتْبِيَّةِ+ في النَّصْرَانِيِّ تُسْلِمُ زوجته قبل الْبِنَاءِ: إنْ لم يُسْلِمْ هو مَكَانَهُ، فلا رَجْعَةَ له، ولا عِدَّةَ عليها.
وذلك لأنه ليس حِينَ استدراك، وإنما وَضَعَ الله ذلك بعد الدخول في الطلاق، وجَاءَتِ السُّنَّةُ في الْعِدَّةِ.
الرابعة: قال علماؤنا: إذا وَقَعَ الإسلام بعد الدخول، فلا عَرْضَ.
وقال عُمَرُ: يُعْرَضُ، فإن أَبَى، فُرِّقَ بينهما.
ويُرْوَى عن عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: أن الإسلام يَخْلَعُ المرأة عن الكافر بعد الدخول كما يَخْلَعُ العِتْقُ الأَمَةَ من تحت العَبْدِ بِالحُرِّيَّةِ. والسُّنَّةُ تَرُدُّ عليه، كما تَقَدَّمَ.
الخامسة: هذه الفُرْقَةُ طَلْقَةٌ عند ابْنِ القَاسِمِ. وقال ابْنُ المَوَّازِ: ليست بِطَلْقَةٍ. وهو الصحيح؛ لأنه فُرْقَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، لا بالنكاح، فلم يَجُزْ أن يُعْتَبَرَ من جهته.
السادسة: إذا أَسْلَمَتْ، في الْعِدَّةِ قُضِيَ لها بالنفقة عند أَصْبَغَ، وهذا لأن له ارتجاعها بالإسلام، (فَجَرَتْ على) حُكْمِ الرَّجْعِيَّةِ في النفقة.
قلنا له: لو كان ذلك، لَعُدَّتْ طَلْقَةً إذا انْقَضَتِ الْعِدَّةُ.
بَابُ الْمَرْأَةِ يَمُوتُ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ لَهَا
[1145] [1145ـ م] ذَكَرَ حديث ابْنِ مَسْعُودٍ: =أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ. فَقَالَ: لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا، لاَ وَكْسَ فِيهِ، وَلاَ شَطَطَ، وَلَهَا الْمِيرَاثُ. فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الأَشْجَعِيُّ، فَقَالَ: قَضَى رَسُولُ الله * فِي بَِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ: امْرَأَةٍ مِنَّا، مِثْلَ مَا قَضَيْتَ. فَفَرِحَ بِهَا ابْنُ مَسْعُودٍ+. حَسَنٌ صحيح.
وقال: في الباب عن الْجَرَّاحِ.
الإسناد:
هذا حديث لم يُدْخَلْ في الصحيح، واخْتَلَفَتْ في روايته أَلْفَاظٌ، ففيه:
=فَقَامَ نَاسٌ مِنْ أَشْجَعَ، فَقَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ * قَضَى فِي بَِرْوَعَ+. من غير تَسْمِيَةٍ لهم.
ورَوَاهُ الأئمة بِتَسْمِيَتِهِ: =مَعْقِل بْن سِنَانٍ+. سُفْيَانُ، عن مَنْصُورٍ، عن إبْرَاهِيمَ، عن عَلْقَمَةَ. وروايتهم أَصَحُّ.
والعارضة في أحكامه:
أنها مسألة عَسِيرَةٌ، قال مَالِكٌ والشَّافِعِيُّ في مشهور قوله: لا مَهْرَ لها.
وقال أَبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ وأَحْمَدُ: لها الْمَهْرُ.
وتَعَلَّقَ علماؤنا في الدليل بوجوه ضعيفة، وأَقْوَى ما في المسألة التَّعَلُّقُ بأنه لا تَأْخُذُ بالطلاق نِصْفَهُ، فلا تَأْخُذُ بالموت جَمِيعَهُ، وقد بَيَّنَّاهُ في =مسائل الخلاف+، وإذا صَحَّ الحديث، فلا يَنْبَغِي أن يُعْدَلَ عنه، والله أعلم.
فإن قِيلَ: قد قال الْوَاقِدِيُّ: وَقَعَ هذا الحديث بِالْمَدِينَةِ، فلم يَعْرِفْهُ أحد.
وقال الدَّارَقُطْنِيُّ: اخْتُلِفَ فيه، فَرُوِيَ: =أَنَّ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ+، ورُوِيَ: =مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ+. ورُوِيَ: =نَاسٌ مِنْ أَشْجَعَ+.
ورُوِيَ أن عَلِيًّا قال: =لاَ يُقْبَلُ؛ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ أَعْرَابِيُّ بَوَّالٌ عَلَى عَقِبَيْهِ+.
ورُوِيَ عن ابْنِ عَبَّاسٍ وابْنِ عُمَرَ وغيرهما خِلاَفَهُ بعدما سَمِعُوهُ.
فالجواب أن جَهْلَ أهل الْمَدِينَةِ به لا يَضُرُّ، فلكل بلدة زُمْرَةٌ من أصحاب النبي * بَلَّغَتْ ما كان عندها، فَوَعَاهُ أهلها؛ يقال: هذه سُنَّةٌ تَفَرَّدَ بها أهل الْمَدِينَةِ، هذه سُنَّةٌ تَفَرَّدَ بها أهل الْكُوفَةِ، هذه سُنَّةٌ تَفَرَّدَ بها أهل الْبَصْرَةِ.
وأما الاختلاف في اسم رَاوِيهِ، فلا يَضُرُّ بعد معرفة عَيْنِهِ، فإن الصحابة الأخيار الكبار قد اخْتُلِفَ في أسمائهم، كَأَبِي ذَرٍّ، وأَبِي هُرَيْرَةَ، وغيرهما، فلم يَقْدَحْ ذلك في روايتهم.
وأما الذي رُوِيَ عن عَلِيٍّ، فلم يَصِحَّ، ولو كان صحيحًا، ما أَثَّرَ فيه؛ لأن الرواة قد ذَكَرُوا عن عُمَرَ أنه رَدَّ حديث فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، وهو مشهور قد عَمِلَ به أهل العلم، والله أعلم.
آخِرُ كتاب النكاح، والحمد لله حَقَّ حَمْدِهِ.
ijk
وصَلَّى الله على سَيِّدِنا ومَوْلاَنَا مُحَمَّدٍ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ تسليمًا
كِتَابُ الرَّضَاعِ
[1146] حديث سَعِيد بْن الْمُسَيِّبِ، عن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ـ كَرَّمَ الله وَجْهَهُ في الجَنَّةِ ـ عن النبي *: =إنَّ اللهَ حَرَّمَ مِنَ الرَّضَاعِ مَا حَرَّمَ مِنَ النَّسَبِ+.
[1147] وذَكَرَ حديث عَائِشَةَ: =إنَّ اللهَ حَرَّمَ مِنَ الرَّضَاعِ مَا حَرَّمَ مِنَ الْوِلاَدَةِ+. حَسَنَانِ صَحِيحَانِ.
الإسناد:
قال الإمام الحافظ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: كيف يقول في حديث عَلِيٍّ: إنه صحيح، ورَاوِيهِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ، عن سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ. وعَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ ضعيف؟!
فأما حديث عَائِشَةَ، فَخَرَّجَهُ مَالِكٌ والأئمة، واتَّفَقُوا عليه.
الأحكام:
إن الله سبحانه لَمَّا ذَكَرَ المُحَرَّمَاتِ بِالنَّسَبِ من النساء وعَطَفَ عليهن الْمُحَرَّمَاتِ بِالرَّضَاعِ منهن لم يَسْتَوْفِهِنَّ، فقال: ×م Nà6çF"yg¨Bé&ur اللَّاتِي ِNن3 oY÷è| تِ r& وَأَخَوَاتُكُمْ aئد iB د pyè"| تچ9$#÷.
ولكن النبي * بَيَّنَ أنه يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ في
أحاديث كثيرة، صَحَّ منها حديث عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمُ، وحديث أُمِّ حَبِيبَةَ قالت: =قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، انْكِحْ أُخْتِي بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، فَقَالَ: أَوَ تُحِبِّينَ ذَلِكَ؟! فَقُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِي، فَقَالَ النَّبِيُّ *: إنَّ ذَلِكَ لاَ يَحِلُّ لِي، قُلْتُ: فَإنَّا نُحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي، مَا حَلَّتْ لِي؛ إنَّهَا لاَبْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ، فَلاَ تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلاَ أَخَوَاتِكُنَّ+.
وفي كِتَابِ مُسْلِمٍ: =يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الرَّحِمِ+.
الأحكام:
في مسائل:
المسألة الأولى: التحريم بِالرَّضَاعِ لأعيان النساء المذكورات في تحريم الوِلاَدَةِ، لا خلاف فيه في الجُمْلَةِ، وإنِ اخْتَلَفُوا في التفصيل، وهُنَّ سَبْعٌ:
الأُمُّ: وهي في الرَّضَاعِ كما هي في النَّسَبِ اتِّفَاقًا.
وكذلك البِنْتُ، وهي: كل امرأة رَضَعَتْ لَبَنَكَ.
الأُخْتُ: هي التي الْتَقَمَتْ معك ثَدْيًا واحدًا في وقت واحد، أو في وقتين مختلفين.
الْعَمَّةُ: لَمَّا (قال النبي *): =يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ+. وكانت بِنْتُ الأَخِ (من الرَّضَاعِ) مَحَرَّمَةً من أَسْفَلَ، فكذلك الْعَمَّةُ يَلْزَمُ أن تَكُونَ مَحَرَّمَةً من فوق بالعموم والمعنى، ولا تَكُونُ لَكَ عَمَّةً إلا أن تَكُونَ أخْتَ أَبِيكَ من الرَّضَاعَةِ، ولا يَكُونُ لَكَ أَبٌ من الرَّضَاعَةِ إلا بأن تَكُونَ زَوْجَةُ رجل أَرْضَعَتْكَ، فَتَكُونَ أُخْتُهُ عَمَّتَكَ،
وأَخُوهُ عَمُّكَ ضرورة.
وقد أَشْكَلَ هذا على جماعة، ما أَدْرِي كيف وَجْهُ إشكاله عليهم! نُقِلَ ذلك عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وسَلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَنُظَرَائِهِمْ. وهُمْ فُحُولٌ، فكيف خَفِيَ عليهم أَمْرُ لَبْنِ الفَحْلِ من القرآن والسُّنَّةِ؟!
[1148] وحَدِيثُ أَبِي الْقُعَيْسِ صَحِيحٌ؟!
وأَعْجَبُ مِنْ ذلك أن عَائِشَةَ فيما صَحَّحَ مَالِكٌ عنها في =مُوَطَّئِهِ+: =كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا مَنْ أَرْضَعَتْهُ أَخَوَاتُهَا وَبَنَاتُ أَخِيهَا، وَلاَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا مَنْ أَرْضَعَهُ نِسَاءُ إخْوَتِهَا+. مع أنها صاحبة حديث أَبِي الْقُعَيْسِ، وقد رَاجَعَتِ النبي * في ذلك، فقالت له: =إنَّّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ، وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ+. فَرَاجَعَهَا النبي * القول، وقال: =إنَّهُ عَمُّكِ، فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ+.
وقد اسْتَقَرَّ الأمر على التحريم بِلَبَنِ الْفَحْلِ في الأخبار والأمصار، فليس أَحَدٌ يَقْضِي بغيره، وانْعَقَدَ الإجماع على التحريم به، وهو الحق الذي لا إشكال فيه.
بَابُ لاَ تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلاَ الْمَصَّتَانِ
[1150] ذَكَرَ حديث عَائِشَةَ فيه: =لاَ تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلاَ الْمَصَّتَانِ+.
الإسناد:
هذا حديث لم يُدْخِلْهُ الْبُخَارِيُّ، وأَدْخَلَهُ مُسْلِمٌ؛ وذلك ـ والله أعلم ـ للاختلاف فيه على عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ:
فتارة رُوِيَ عنه عن الزُّبَيْرِ. وتارة عن عَائِشَةَ. وتارة عليه موقوفًا.
وهذا كله لا يَقْدَحُ فيه؛ لثبوت عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عليه، وهو إمام
عظيم، أَدْرَكَ ثلاثين من أصحاب مُحَمَّدٍ *، كما قال أَبُو عِيسَى.
[1150ـ م] وقد رَوَى مَالِكٌ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عن عَمْرَةَ، عن عَائِشَةَ حَدِيثَ الْعَشْرِ رَضَعَاتٍ الْمَنْسُوخَةِ بِالْخَمْسِ.
وذَكَرَ حديث سَهْلَةَ بِنْتِ سُهَيْلٍ امْرَأَةِ أَبِي حُذَيْفَةَ في شأن سَالِمٍ، وقَوْلَ النبي *: =أَرْضِعِيهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ، يَحْرُمْ عَلَيْكِ بِهِنَّ. فَأَرْضَعَتْهُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِهَا+.
وهذا نَصٌّ من الحديثين لا غُبَارَ عليه، وقد أَحْكَمْنَا الكلام عليه في =مسائل الخلاف+.
ولُبَابُ القول في ذلك: أن الشَّافِعِيَّ ـ على انفراده فيها ـ غَالِبٌ عليها، وما تَعَلَّقَ به علماؤنا الْمَالِكِيَّةُ والْحَنَفِيَّةُ، ليس بِمُعَوَّلٍ عليه، ولا قائم على سَاقٍ؛ لأن القرآن عَامٌّ في الرَّضَاعِ، فَخَصَّتِ السُّنَّةُ منه الأَرْبَعَ رَضَعَاتٍ في حديث، وقال في آخَرَ: =لاَ تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلاَ الْمَصَّتَانِ+. فَاقْتَضَى ذلك نَفْيَ تعليق التحريم بهما، فَأَيُّ شيء يَبْقَى بعد ذلك لِلْحَنَفِيَّةِ أو لِلْمَالِكِيَّةِ مع حديث عَائِشَةَ وسَهْلَةَ؟! ودَعْ حديث النَّسْخِ، فإنَّا لا نَذْكُرُهُ ههنا؛ لطول الكلام عليه، وتمهيده في =مسائل الخلاف+.
وأشد ما فيه رواية مَالِكٍ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عن عَمْرَةَ، عن عَائِشَةَ أُمِّ المؤمنين ـ رَضِيَ الله عنها ـ أنها قالت: =كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ+.
قال عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ (في رواية): =فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ *، وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ+.
وقد قِيلَ: إن هذا وَهْمٌ منه، وإن الحديث الصحيح ما رَوَاهُ الْقَاسِمُ دون ذِكْرِ هذا.
فَيَكُونُ مما نَزَلَ ثم نُسِخَ، وتَتَبُّعُ القول يَطُولُ، إلا أن لِلْحَنَفِيَّةِ النَّهْرِيَّةِ نُكْتَةٌ ـ نَعْتَنِي بها ـ من تَعَلُّقِهِمْ بالقرآن؛ قالوا: الرَّضَاعُ وَصْفٌ يَثْبُتُ بنفس الْفِعْلِ دون الكثير منه، وهذا معلوم عَرَبِيَّةً وشرعًا، فَلَمَّا قال: ×ِNن3 oY÷è| تِ r&÷. ارْتَبَطَ التحريم بِالرَّضَاعِ مُطْلَقًا، فمن قَدَّرَهُ بِعَدَدٍ، يُحَاوِلُ بذلك التمثيل بتقدير مُدَّةِ السَّفَرِ، أو بتقدير أيام الْحَيْضِ.
فإن قِيلَ: هذا جائز بدليل، لا بِخَبَرِ الواحد؛ لأنه زيادة، والزيادة نَسْخٌ، وخَبَرُ الواحد لا يَنْسَخُ القرآن.
قلنا: ليس هذا بزيادة ولا نَسْخٍ، وإنما هو تخصيص للفظ، وحَطٌّ من عمومه، كما عُمِلَ في قوله: × (# qè=çG ّ%$$ sù tûü د. خ} ô³ كJّ9$#÷. وأَمْثَالِهِ.
وتَعَلَّقَ قوم بالاعتراض على حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وقد تَقَدَّمَ القول فيه.
وحديث سَهْلَةَ لا كلام فيه.
وقد قالوا: مَدَارُهُ على عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وقد قال سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كُنَّا نَسْخَرُ مِمَّنْ يَكْتُبُ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ.
قلنا: هذا مِمَّا لم يَصِحَّ، فلا يُلْتَفَتُ إليه.
فإن قِيلَ: رُوِيَ عن عَائِشَةَ: =أَنَّهَا كَانَتْ لاَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا إلاَّ مَنْ رَضَعَ عَشْرَ رَضَعَاتٍ+.
قلنا: اخْتَلَفَتِ الرواية في هذا عن عَائِشَةَ، وعُرْوَةُ والْقَاسِمُ أَعْلَمُ بها من نَافِعٍ. وهذا مُنْتَهَى الاختصار الكافي لأُولِي الألباب والأبصار، والله أعلم.
بَابُ شَهَادَةِ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ فِي الرَّضَاعِ
[1151] حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عن عُبَيْدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عن عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِـ قال: وسَمِعْتُهُ منه، وأَنَا لِحَدِيثِ عُبَيْدٍ أَحْفَظُ ـ قال: =تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: إنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا. فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ *، فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ فُلاَنَةَ بِنْتَ فُلاَنٍ، فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءٌ، فَقَالَتْ: إنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا. (وَهْيَ كَاذِبَةٌ. قَالَ: فَأَعْرَضَ عَنِّي، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ، فَقُلْتُ: إنَّهَا كَاذِبَةٌ. قَالَ: وَكَيْفَ بِهَا وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْكُمَا)؟! فَنَهَاهُ عَنْهَا+.
الإسناد:
هذا حديث حَسَنٌ صحيح.
وقد رُوِيَ فيه: =دَعْهَا+.
ويُرْوَى أنه قال: =كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟! فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ+. لا غير.
الأحكام:
( ... ):
اخْتَلَفَ الناس في شهادة النساء في الرَّضَاعِ، وإن كانوا قد اتَّفَقُوا في الْوِلاَدَةِ على تفصيل فيها، ومختصر الخلاف في ذلك يَنْحَصِرُ في سبعة أقوال في أحوال:
الأول: أنه تُقْبَلُ شهادتهن في الرَّضَاعِ في الْجُمْلَةِ. وقال أَبُو حَنِيفَةَ: لا مَدْخَلَ لها في ذلك.
الثاني: أنه تُقْبَلُ، وتَجْزِي في ذلك واحدة. على ما يَأْتِي بيانه.
الثالث: لا يَجْزِي أَقَلُّ من امرأتين. وسَنَشْرَحُهُ.
الرابع: لا يَجْزِي أَقَلُّ من أربع نسوة. قاله الشَّافِعِيُّ في كل شيء.
الخامس: قال أَبُو حَنِيفَةَ: إن كان ما يَشْهَدْنَ فيه ما بين السُّرَّةِ إلى الرُّكْبَةِ، قُبِلَتْ واحدة.
السادس: لا يُقْبَلُ أَقَلُّ من ثلاث نسوة.
السابع: أنه يَجْزِي في ذلك شهادة امرأة واحدة، وتُؤْخَذُ يَمِينُهَا. قاله ابْنُ عَبَّاسٍ، ومن الفقهاء أَحْمَدُ وإسْحَاقُ.
الثانية: الأصل في هذا الباب أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ حيث أَجَازَ شهادة النساء جَعَلَهُنَّ على أَشْطَارِ الرجال، فَأَقَامَ امرأتين مقام رجل واحد في الأموال، وأَجْمَعَتِ الأُمَّةُ على أنها لا تَجُوزُ في الدِّمَاءِ والْفُرُوجِ، وبَقِيَ ما بينهما مسكوتًا عنه، مُعَرَّضًا للإلحاق بغيره، فَتَبَايَنَ نَظَرُ الناس في ذلك، واضْطَرَبَ اضطرابًا عظيمًا، بيانه في =مسائل الخلاف+. الحاضر منه الآنَ هَهُنَا بِحُكْمِ هذه العارضة:
أن قبول شهادتهن في الرَّضَاعِ أصل، والدليل عليه حديث عُقْبَةَ، ولو لم يَكُنْ لشهادتهن فيه أصل، لم يَجْعَلِ النبي * له فَصْلاً، وهو قد نَهَاهُ عنها بشهادة المرأة.
وقد اخْتَلَفَ علماؤنا في هذا الأصل، فَرَأَى ابْنُ الْقَاسِمِ جواز شهادة امرأة واحدة في الرَّضَاعِ.
وقال مَالِكٌ: إذا فَشَا عند الْمَعَارِفِ والأَهْلِينَ.
وقال مُحَمَّدٌ: لا تَجُوزُ شهادة امرأة واحدة، لا في قَتْلٍ، ولا في رَضَاعٍ، ولا في اسْتِهْلاَلٍ، ولا حَبَلٍ، ولا حَيْضَةٍ، ولا عَيْبٍ، ولا شيء، (بل لا) أَقَلَّ من امرأتين.
وَجْهُ قول ابْنِ الْقَاسِمِ الْحَدِيثُ.
ووَجْهُ قول مُحَمَّدٍ أنهن فيما يَطَّلِعْنَ عليه كالرجال، وأَقَلُّ الرجال
اثْنَانِ، وأَقَلُّ النساء في بابهن اثْنَتَانِ.
(وقال الشَّافِعِيُّ: أَقَلُّ الرجال اثْنَانِ)، واثْنَتَانِ بواحد، فَأَقَلُّ النساء أَرْبَعٌ. وحَمَلُوا حديث عُقْبَةَ على التَّنْزِيهِ، دون الْحُكْمِ.
وأما قول أَبِي حَنِيفَةَ: إن كان ما يَشْهَدْنَ فيه ما بين السُّرَّةِ إلى الرُّكْبَةِ، فَتُقْبَلُ واحدة. فَتَحَكُّمٌ منه؛ لأن ما يُطَّلَعُ عليه شرعًا تَجُوزُ فيه شهادة الشاهد شرعًا، وإذا ثَبَتَ أنه لا أَقَلَّ من امرأتين، أو من أَرْبَعٍ، فَيَجْرِي ذلك في كل موضع، والتفصيل لا يُقْبَلُ من غير دليل.
وقد قال علماؤنا: إذا كان عَيْبٌ بغير الْفَرْجِ، بُقِرَ عنه الثَّوْبُ خاصة، ونَظَرَ إليه الرجال.
واخْتَلَفَ علماؤنا: هل يُرْسِلُ الحاكم في الْعَيْبِ امرأة واحدة، كما يُرْسِلُ في الْحُكْمِ رجلاً واحدًا؟ وأَلاَّ يَجُوزَ أَحْسَنُ؛ لأن رجلاً واحدًا شاهد، وامرأة واحدة ليستْ بشاهد.
وأما تَعْدِيدُ ثلاث نسوة، فضعيف جِدًّا.
وأما مَنْ قال: إنه تَجُوزُ امرأة واحدة مع الْيَمِينِ، فلا بِالْخَبَرِ تَعَلَّقُوا، فَيَكُونَ قولهم قَوِيًّا، ولا بِالنَّظَرِ؛ فإنه ليس له مِثَالٌ في الشريعة.
بَابٌ فِي الرَّضَاعَةِ فَوْقَ الْحَوْلَيْنِ
[1152] فَاطِمَةُ بِنْتُ الْمُنْذِرِ، عن أُمِّ سَلَمَةَ قالت: قال رسول الله *: =لاَ يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ إلاَّ مَا فَتَقَ الأَمْعَاءَ فِي الثَّدِيِ، وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ+.
العارضة:
اتَّفَقَ الفقهاء على أن لا يُحَرِّمَ رَضَاعُ الْكَبِيرِ، إلا اللَّيْثَ وعَطَاءً؛ تَعَلُّقًا بحديث سَهْلَةَ الْمُتَقَدِّمِ. ولَعَمْرُ إلَهِكُمْ، إنه لَقَوِيٌّ، إلا أَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَنْكَرَهُ
أزواج النبي *. وقالت عَائِشَةُ به. وهو قَوِيٌّ؛ لأن ذلك لو كان رُخْصَةً لِسَالِمٍ؛ لقال لها النبي *: وَلاَ يَكُونُ لأَحَدٍ بَعْدَكُمَا. كما قال لأَبِي بُرْدَةَ فِي شَأْنِ الْجَذَعَةِ.
وأَشَدُّ ما في ذلك ما قال علماؤنا: إنه يَجُوزُ الرَّضَاعُ بعد الْحَوْلَيْنِ بثلاثة أشهر في رواية ابْنِ شَعْبَانَ. وأَقَلُّهُ نُقْصَانُ الشهور في رواية =الْحَاوِي+.
وفي =المُخْتَصَرِ+: الأيام اليسيرة.
وإذا زِدْتَ، فليس بعد الزيادة حَدٌّ، وقد قال الله تعالى: ×ب û÷ün= د B%x. ÷. وهل بعد الكمال إلا النَّقْصُ؟!
تحقيق:
قال النبي *: =لاَ يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ إلاَّ مَا فَتَقَ الأَمْعَاءَ فِي الثَّدِيِ ـ كما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ـ وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ+. وهذا نَصٌّ في اقتصاره على ما قبل الْفِطَامِ، وجَاءَ جواز الْحُرْمَةِ بِرَضَاعَةِ الكبير من غير تعريج على التخصيص، وهُمَا متعارضان، فَمُطَّلَعُ النَّظَرِ في هذا التَّعَارُضِ مِنْ:
الأول: أن يَكُونَ رُخْصَةً. يَدُلُّ عليها الْحَصْرُ الْمُتَقَدِّمُ في وَجْهِ تحريم الرَّضَاعِ.
الثاني: أن يَتَعَارَضَا، ويَقَعُ النَّظَرُ في دليل سواهما. وهو التَّعَلُّقُ بقوله: ×م Nà6çF"yg¨Bé&ur اللَّاتِي ِNن3 oY÷è| تِ r&÷. والرَّضِيعُ في اللغة: اسم للصغير دون الكبير، حتى صَارَ يُسَمَّى به، وإن لم يَرْضَعْ، كالمأكول: اسم لِمَا يُتَغَذَّى به، وإن لم يُؤْكَلْ. واذا لم يُسَمَّ الكبير رَضِيعًا، لم تُسَمَّ الأُمُّ مُرْضِعَةً، ويُعَضِّدُ هذا عِلَّةُ الرَّضَاعِ، وهي وجود الْبَعْضِيَّةِ فيه، وذلك يُتَصَوَّرُ في
الصغير؛ لأن كل جزء يَحْصُلُ في جَوْفِهِ يَنْمِي به، والكبير لا يَنْمِي به، وضَرَبَ الله أَجَلاً لِلْحَدِّ الذي يَنْمِي به والْفَصْلِ الذي بينه وبين الذي لا يَنْمِي به الْحَوْلَيْنِ، وهذا غاية الكلام.
ووَجْهُ زيادة علمائنا على الْحَوْلَيْنِ (قد بَيَّنَّاهُ) في =الأحكام+، و=مسائل الخلاف+.
وتحقيقه: أن الله تعالى لم يَجْعَلِ الحَوْلَيْنِ حَدًّا شرعيًّا، وإنما وَكَلَهُ إلى إرادة إكمال مُدَّةِ الرَّضَاعَةِ، أو تَنْقِيصِهَا، فَصَارَ ما زَادَ عليها مَحَلاًّ للاجتهاد، والله تعالى أعلم.
بَابُ مَا يُذْهِبُ مَذَِمَّةَ الرَّضَاعِ
[1153] ذَكَرَ حديث حَجَّاجِ بْنِ أَبِي حَجَّاجٍ: =مَا يُذْهِبُ مَذَِمَّةَ الرَّضَاعِ؟ قال: غُرَّةٌ: عَبْدٌ، أَوْ وَلِيدَةٌ+.
الإسناد:
اخْتُلِفَ فيه، فَقِيلَ: حَجَّاجُ بْنُ حَجَّاجٍ، وقِيلَ: حَجَّاجُ بْنِ أَبِي حَجَّاجٍ. وخَطَّأَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْبُخَارِيُّ مَنْ زَادَ فيه =أَبِي+.
وليس لِحَجَّاجٍ عن النبي * غير هذا الحديث الواحد.
العربية:
قال الْقُتَبِيُّ: مَذَِمَّةٌ، بكسر الذال وفتحها.
وقَرَأْتُ عَلَى الصَّيْرَفِيِّ، قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْبَرْمَكِيِّ والْحَرْبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ حَيَّوَيْهِ قال (أَبُو عُمَرَـ قال الإمام الحافظ): ومن خَطِّهِ نَقَلْتُهُ ـ: قال أَبُو العَبَّاسِ: يقال: بكسر الذال في الرَّضَاعِ، وبفتحها في الْجِوَارِ. وقال أَبُو زَيْدٍ: هي بالفتح (من الذَّمِّ).
العارضة:
إن ذِمَامَ الرَّضَاعِ واجب؛ لأَجْلِ نُمُوِّ الولد بأجزاء الْمُرْضِعَةِ، كَنُمُوِّهِ بأجزاء الوالدة، (فَنُمُوُّ الولد) ليس له جزاء، إلا أن يَجِدَهَا مُمْلُوكَةً فَيَشْتَرِيَهَا فَيُعْتِقَهَا، وجزاء الْمُرْضِعَةِ عَبْدٌ أو أَمَةٌ يَخْدُمَانِهَا، ويَكُونَانِ أَبْيَضَيْنِ كما قال أَبُو عَمْرِو بْنِ الْعَلاَءِ؛ لقوله: =الْغُرَّةُ+، والْغُرَّةُ: هي الْبَيَاضُ.
وقد قَضَى النبي * ذِمَامَ مَنْ أَرْضَعَهُ بِوَجْهَيْنِ:
صَغِيرٍ. وعَظِيمٍ.
(أما الصَّغِيرُ): فَيُرْوَى عن أَبِي الطُّفَيْل قال: =كُنْتُ جَالِسًا مَعَ النَّبِيِّ *، إذْ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ، فَبَسَطَ رِدَاءَهُ، فَقَعَدَتِ الْمَرْأَةُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا ذَهَبَتْ، قَالُوا: هَذِهِ كَانَتْ أَرْضَعَتِ النَّبِيَّ *+.
وأما الْعَظِيمُ: فَأَخْبَرَنِي أَبُو الحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْقَادِرِ بِدَارِ الْخِلاَفَةِ ـ عَمَّرَهَا اللهُ ـ أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ ابْنِ صَخْرٍ الأَزْدِيُّ الْبَصْرِيُّ في ظِلِّ الْكَعْبَةِ ـ أَعَزَّهَا اللهُ ـ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَلاَءِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى الأَهْوَازِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَحْمُويَه الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ رُمَاحِسٍ الْكَلْبِيُّ بِالرَّمْلَةِ، حَدَّثَنَا زَيَّادُ بْنُ طَارِقٍ الْجُشَمِيُّ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ جَرْوَلٍ، ويُكَنَّى أَبَا صُرَدٍ، وكان رئيس قومه، قال: =لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ، أَسَرَنَا رَسُولُ اللهِ *، فَبَيْنَا نَحْنُ نُمَيَّزُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَثَبْتُ، حَتَّى قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَسْمَعْتُهُ شِعْرًا؛ أُذَكِّرُهُ حِينَ شَبَّ وَنَشَأَ فِي هَوَازِنَ حَيْثُ أَرْضَعُوهُ، فَأَنْشَأْتُ أَقُولُ:
امْنُنْ عَلَيْنَا رَسُولَ اللهِ فِي دَعَةٍ ... فَإنَّكَ الْمَرْءُ نَرْجُوهُ وَنَنْتَظِرُ
امْنُنْ عَلَى بَيْضَةٍ قَدْ عَاقَهَا قَدَرٌ ... مُفَرَّقٌ شَمْلُهَا في دَهْرِهَا غِيَرُ
أَبْقَتْ لَنَا الحَرْبُ هُتَّافًا عَلَى حَزَنٍ
عَلَى قُلُوبِهِمُ الْغَمَّاءُ والْغَمَرُ ... إنْ لَمْ تَدَارَكْهُمْ نُعْمَى تُنَشِّرُهَا ... يَا أَرْجَحَ النَّاسِ حِلْمًا حِينَ يُخْتَبَرُ
امْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهَا ... (إذْ فُوكَ يَمْلَؤُهُ مِنْ مَخْضِهَا الدُّرَرُ
إذْ أَنْتَ طِفْلٌ صَغِيرٌ كُنْتَ تَرْضَعُهَا) ... وَإذْ يَزِينُكَ مَا تَأْتِي وَمَا تَذَرُ
لاَ تَجْعَلَنَّا كَمَنْ شَالَتْ نَعَامَتُهُ ... وَاسْتَبْقِ مِنَّا فَإنَّا مَعْشَرٌ زُهُرُ
إنَّا لَنَشْكُرُ لِلنُّعْمَى وَقَدْ كُفِرَتْ ... وَعِنْدَنَا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ مُدَّخَرُ
فَأَلْبِسِ الْعَفْوَ مَنْ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهُ ... مِنْ أُمَّهَاتِكَ؛ إنَّ الْعَفْوَ يَشْتَهِرُ
إنَّا نُؤَمِّلُ عَفْوًا مِنْكَ تُلْبِسُهُ ... هَذِي الْبَرِيَّةَ إذْ تَعْفُو وَتَنْتَصِرُ
فَاعْفُ عَفَا اللهُ عَمَّا أَنْتَ رَاهِبُهُ ... يَوْمَ الْقِيَامَةِ إذْ يُهْدَى لَكَ الظَّفَرُ
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ *: أَمَّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَهْوَ لَكُمْ. وَقَالَتِ الأَنْصَارُ: مَا كَانَ لَنَا، فَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ. فَرَدَّتِ الأَنْصَارُ مَا كَانَ فِي أَيْدِيهَا مِنَ الذَّرَارِيِّ وَالأَمْوَالِ، وَاسْتَنْقَذَنَا رَسُولُ اللهِ *+.
فهذا عِتْقٌ منه * لِمَنْ لم يُرْضِعْهُ في حُرْمَةِ مَنْ أَرْضَعَهُ، ولِلْقَبِيلِ بَأَسْرِهِ ومَنْ وَالاَهُ في حُرْمَةِ مَنْ أَرْضَعَهُ وَآوَاهُ، وكما بَسَطَتْ له الأولى حِجْرَهَا حَوَاهُ، بَسَطَ لها (بِرًّا منه) رِدَاءَهُ.
وذِمَامُ الرَّضَاعِ أعظم من هذا كله، فإن جُرْعَةً من ماء تُقَابِلُهَا الدنيا، وكذلك مِنْ لَبَنٍ، ولكن الْبَارِي سبحانه يُقَابِلُ النِّعَمَ بمقدار ما يَرَى في حُكْمِهِ من حِكْمَتِهِ، كما قَابَلَ بفضله عَظِيمَ نِعَمِهِ بِحَمْدِهِ.
وقد قال إبْرَاهِيمُ: =كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَرْضَخُوا عِنْدَ فِصَالِ الصَّبِيِّ
لِلْمُرْضِعِ بِشَيْءٍ، سِوَى الأُجْرَةِ+.
قال الإمام الحافظ: إذا كانت إجارة، فلا ذِمَامَ لها، وإنما كانت العرب لا تَأْخُذُ على الإرضاع أَجْرًا، ويقولون: =الْحُرَّةُ تَجُوعُ، وَلاَ تَأْكُلُ بِثَدْيَيْهَا+. غير أن الْمُكَارَمَةَ كانت عندهم معتادة، والْمُهَادَاةَ لِلْمُكَافَأَةِ، فَقَدَّرَهَا الشرع بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ، أو وَلِيدَةٍ ـ كما بَيَّنَّاهُ ـ والله أعلم.
بَابُ الأَمَةِ تُعْتَقُ وَلَهَا زَوْجٌ
[1154] ذَكَرَ حديث بَرِيرَةَ ـ (ويقال: إنها كانت لبعض بَنِي هِلاَلٍ) ـ مِنْ طريق جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عن هِشَامٍ مُسْتَوْفًى مُتْقَنًا بقوله: =وَلَوْ كَانَ حُرًّا، مَا خَيَّرَهَا+.
[1155] وذَكَرَ حديث الأَسْوَدِ: =أَنَّهُ كَانَ حُرًّا+.
[1156] (ثم وَضَّحَ) بحديث ابْنِ عَبَّاسٍ: =أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا+. والأحاديث كلها صِحَاحٌ.
ولذلك اخْتَلَفَ الناس فيها، فقال أَبُو حَنِيفَةَ: تَخْتَارُ تحت الْحُرِّ. ولكن رواية أنها كانت تحت عَبْدٍ أَرْجَحُ، وعُرْوَةُ والْقَاسِمُ بحال عَائِشَةَ أَعْرَفُ. على أن قولهم في الْخَبَرِ: =وَكَانَ حُرًّا+. من كلام الأَسْوَدِ، لا من كلام عَائِشَةَ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وغَيْرُهُ. فلا يَتَعَارَضَانِ، وقد اسْتَوْفَيْنَا المسألة في كتاب الخلاف، وسَنَتَكَلَّمُ على هذا بَعْدُ إن شاء الله تعالى.
بَابُ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ
[1157] ذَكَرَ أَبُو عِيسَى حديث سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، قال رسول الله * بِهِ.
[العارضة:]
قال الإمام الحافظ أَبُو بَكْرِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ ": الحديث طويل مشهور،
وهذا قطعة منه، وقد تَكَلَّمْنَا على إسناده ومَتْنِهِ مِرَارًا إملاء وتحريرًا، والمقدار الذي تَقَيَّدَ به في هذه العارضة يَنْضَبِطُ في سبع مسائل:
المسألة الأولى: =كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي، فَاقْبِضْهُ إلَيْكَ. قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ، أَخَذَهُ سَعْدٌ، وَقَالَ: ابْنُ أَخِي، قَدْ كَانَ عَهِدَ إلَيَّ فِيهِ. وقال عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَتَسَاوَقَاهُ إلَى رَسُولِ اللهِ * وَقَالاَ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ *: هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ؛ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَقَالَ لِسَوْدَةَ: احْتَجِبِي مِنْهُ؛ لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللهَ+.
الثانية: كان قيام سَعِدٍ عند النبي * عن أخيه عُتْبَةَ بغير توكيل في الظاهر، ولا عَهْدٍ إليه ثَابِتٍ منصوصِ في الْقِصَّةِ، وإنما وَرَدَ ذِكْرُ القيام مُحَالاً على ذِكْرِ الْعَهْدِ، فإما كان عند النبي * معلومًا، فَقَضَى بِعِلْمِهِ، وإما أَثْبَتَهُ عنده، فلم يُعَرِّجِ الراوي على ذِكْرِهِ.
الثالثة: قال: =ابْنُ أَخِي+. على العادة، فإنهم كانوا يُلْحِقُونَ الأولاد بِالزِّنَا، فَبَيَّنَ النبي * السُّنَّةَ، وفي المسألة كلام، تمامه في غير هذا الموضع.
الرابعة: قال الآخَرُ: =أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي+.
قال علماؤنا: لا يَسْتَلْحِقُ إلا الأَبُ، فأما سواه، فلا يَكُونُ ذلك إلا بِبَيِّنَةٍ، لكن إن قال الأَخَوَانِ: إنه أخوهما. ثَبَتَ النَّسَبُ والْمَالُ وإن لم يَكُونَا عَدْلَيْنِ. وهذه مُنَاقَضَةٌ في الظاهر، ومُفَاقَهَةٌ في الباطن، يَفْهَمُهَا الْمَدَنِيُّونَ، (لاَ الْمُدَوِّنُونَ)، وقد أَوْضَحْنَاهَا في =مُفْرَدَاتِ مَالِكٍ+.
الخامسة: قوله: =هُوَ لَكَ+. اخْتَلَفَ الناس فيه وأَطَالُوا؛ بِنَاءً على الأصل الْمُتَقَدِّمِ في الإلحاق. والأقوى فيه (أن معناه: هو لَكَ أَخٌ؛ لِعِلْمِهِ به،
إذ كان صِهْرَهُ، ويَكُونُ ذلك قَضَاءً بِالْعِلْمِ)، وقد بَيَّنَّاهُ في موضعه.
وقال الطَّبَرِيُّ: هو لَكَ عَبْدٌ، أي: مِلْكٌ، وأَمَرَ سَوْدَةَ بالاحتجاب منه؛ لأنها لم تَمْلِكْ منه إلا شِقْصًا. وهذا ضعيف من وجوه:
أحدها: أنه قال: =أَخِي+. ولم يُنْكِرْ عليه رسول الله *.
وقال بعض الْحَنَفِيَّةِ: إنما أَمْكَنَهُ منه بِالْيَدِ كَاللُّقَطَةِ، وذلك لأن رسول الله * حَجَبَ سَوْدَةَ، ولو كان حُكْمُهُ بِالأُخُوَّةِ صحيحًا، لَمَا حَجَبَهَا.
وقِيلَ: حَجَبَهَا؛ لأنه لَحِقَ لِـ=عَبْدٍ+ باستلحاقه، ولم يَلْحَقْ بَسَوْدَةَ؛ لأنها لم تُصَدِّقْهُ.
وقال الْمُزَنِيُّ: هذا من النبي * حُكْمٌ على مسألة جَرَتْ، أَعْلَمَهُمْ بأن الْحُكْمَ هكذا يَكُونُ، إذا ادَّعَاهُ مَنْ يَصِحُّ دَعْوَاهُ من كل جِهَةٍ، ولأَجْلِ هذا وأنه كان إعلامًا بِالْحُكْمِ لا إنفاذًا؛ قال لِسَوْدَةَ: =احْتَجِبِي مِنْهُ+.
ولَمَّا بَلَغَتِ الحال هذا الْحَدَّ، قال قوم من أصحاب الشَّافِعِيِّ: يَجُوزُ للرجل أن يَحْجُبَ المرأة من أَخِيهَا.
وقال أصحاب أَبِي حَنِيفَةَ: جَعَلَ لِلزِّنَا حُكْمًا حين رَأَى الشَّبَهَ، فَقَضَى بِالْحِجْبَةِ. ولأَجْلِ هذا أَثْبَتُوا حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ بِالزِّنَا، ومَالَ إليها ابْنُ الْقَاسِمِ؛ سُنَّةٌ حَنَفِيَّةٌتَلَقَّفَهَا من =الأَسَدِيَّةِ+.
قال الإمام الحافظ: وهذه الأقوال التي سَبَقَتْ لِلْمُتَقَدِّمِينَ لا تَلِيقُ بِمَرَاتِبِهِمْ، وخاصة بِالْمُزَنِيِّ؛ فإنه جَعَلَ كلام النبي * في المسألة حُكْمًا في غيرها، في غير صِفَتِهَا، وهذا لا يَلِيقُ به في معرفته، وأَمْثَلُ ما فيه أن النبي * مَكَّنَ منه =عَبْدًا+ بِحُكْمِ الأُخُوَّةِ، وحَجَبَ منه سَوْدَةَ استظهارًا لها عن الْخُلْطَةِ التي تَقْتَضِي الأُخُوَّةُ، ولو رَاعَى الشَّبَهَ في إثبات حُكْمٍ، لَرَاعَاهُ في الْمُلاَعَنَةِ، والله أعلم.
السادسة: قوله هذا قَضِيَّةٌ في جُمْلَتَيْنِ تَعَارضَتَا:
=الْفِرَاشُ+ بما معه جُمْلَةٌ.
=والْعَاهِرُ+ بما معه أخرى. تَقَابَلاَ على الْوَلَدِ، فَحَكَمَ به لِلْفِرَاشِ، وأَسْقَطَ اعتبار الْعَاهِرِ، وهو الزَّانِي، والْفِرَاشُ هو الزوج عَرَبِيَّةً؛ قال الشاعر:
بَاتَتْ تُضَاجِعُنِي وَبَاتَ فِرَاشُهَا ... خَلِقَ الْعَبَاءَةِ في الدِّمَاءِ قَتِيلاً
كذا قال أهل العربية. والذي عندي فيه: أن الْفِرَاشَ هو صاحب الْفِرَاشِ، زَوْجًا كان، أو سَيِّدًا، فتخصيصه باسم الزوج غَفْلَةٌ، لا سِيَّمَا (وقد رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ في هذا الحديث: =الْوَلَدُ لِرَبِّ) الْفِرَاشِ+. فَحَذَفَ المضاف (في الحديث الثاني)، وأَقَامَ المضاف إليه مقامه، وذلك في اللغة أَكْثَرُ من رَمْلِ يَبْرِينَ ومَهَا فِلِسْطِينَ، وجَاءَ الخَبَرُ بذلك عن النبي *، (إنما خُرِّجَ في سَيِّدٍ وعَاهِرٍ، ولم يَكُنْ في المسألة التي قُدِّرَ أن النبي *) قال ذلك فيها زَوْجٌ.
السابعة: متى جَاءَتْ زَوْجٌ بِوَلَدٍ، فهو لزوجها في المُدَّةِ التي يَصِحُّ أن يَكُونَ منه، ومتى جَاءَتِ الأَمَةُ بولد اعْتَرَفَ سَيِّدُهَا أنه وَطِئَهَا، فهو وَلَدُهُ؛ لأنها مُسْتَفْرَشَةٌ له، وهو فِرَاشُهَا، =فِعَالٌ+ بِمَعْنَى فَاعِلٍ، وهو معلوم مفهوم، كَزِمَامِ النَّاقَةِ وقِوَامِ الأمر.
وقال أَبُو حَنِيفَةَ: لا يَكُونُ الإلحاق إلا بالاعتراف بالولد. وعُمْدَتُهُ: أن الْمُقِرَّ بِالْوَطْءِ لو أَلْحَقْنَا به الولد، لكان ذلك إلحاقًا باحتمال، فَيَلْزَمُ منه الإلحاق بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ، لا سِيَّمَا إذا أُخْبِرْنَا أنه مُسْتَهْتَرٌ بها، مُغْرَمٌ فيها.
وعُمْدَتُنَا: الحديث المذكور، وقَوْلُ عُمَرَ: =لاَ يَأْتِينِي سَيِّدٌ يَعْتَرِفُ بِوَطْءِ أَمَتِهِ، إلاَّ أَلْحَقْتُ بِهِ وَلَدَهَا+.
فإن قِيلَ: لعل النازلة الواقعة بين سَعْدٍ و=عَبْدٍ+ كانت في أُمِّ وَلَدٍ، ولم تَكُنْ في أَمَةٍ.
قلنا: النبي * أَطْلَقَ القول، ولم يَسْتَفْصِلْ، ولو كان الْحُكْمُ يَخْتَلِفُ، لاَسْتَفْصَلَ، لا سِيَّمَا ولم يَجْرِ لِلاِسْتِيلاَدِ ذِكْرٌ في ألفاظهم.
فإن قِيلَ: ولم يَجْرِ لِلإقْرَارِ ذِكْرٌ في ألفاظهم.
قلنا: ذَكَرَهُ =عَبْدٌ+ بقوله: =وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ+.
(وقد رَوَى النَّسَائِيُّ قال: =كَانَتْ لِزَمْعَةَ جَارِيَةٌ يَطَؤُهَا، وَكَانَ يَظُنُّ بِآخَرَ أَنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ يُشْبِهُ) الَّذِي كَانَتْ تُظَنُّ بِهِ، فَمَاتَ زَمْعَةُ، وَهْيَ حُبْلَى، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ سَوْدَةُ لِرَسُولِ اللهِ *، فَقَالَ: الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ؛ فَلَيْسَ لَكِ بِأَخٍ+.
ويُقَالُ: إن الْمُخْتَصَمَ فيه يُسَمَّى عَبْدَ الرَّحْمَنِ.
وعَبْدٌ: هو ابْنُ زَمْعَةَ ابْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عروة الْقُرَشِيُّ الْعَامِرِيُّ.
بَابُ إذَا رَأَى أَحَدٌ امْرَأَةً فَأَعْجَبَتْهُ
[1158] ذَكَرَ حديث جَابِرٍ: =أَنَّ النَّبِيَّ * رَأَى امْرَأَةً، فَدَخَلَ عَلَى زَيْنَبَ، فَقَضَى حَاجَتَهُ وَخَرَجَ، وَقَالَ: إنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَقْبَلَتْ، أَقْبَلَتْ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ؛ فَإذَا رَأَى أَحَدُكُمُ امْرَأَةً فَأَعْجَبَتْهُ، فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ؛ فَإنَّ مَعَهَا مِثْلَ الَّذِي مَعَهَا+.
قال الإمام الحافظ: هذا حديث غَرِيبُ الْمَعْنَى؛ لأن الذي جَرَى للنبي * كان سِرًّا، لم يَعْلَمْهُ إلا الله، ولكنه أَذَاعَهُ عن نفسه؛ تَسْلِيَةً لِلْخَلْقِ، وتعليمًا لهم، وقد كان آدَمِيًّا ذَا شهوة، ولكنه كان معصومًا عن الزَّلَّةِ، وما جَرَى في خاطره حين رَأَى المرأة أَمْرٌ لا يُؤَاخَذُ به شرعًا، ولا يُنْقِصُ من منزلته، وذلك الذي وَجَدَ في نفسه من إعجاب المرأة له هي جِبِلَّةُ الآدَمِيَّةِ
التي تَتَحَقَّقُ بها صِفَتُهَا، ثم غَلَبَهَا بِالْعِصْمَةِ، فَانْطَفَتْ، وجَاءَ إلى الزوجة؛ لِيَقْضِيَ فيها حَقَّ الإعجاب والشهوة الآدَمِيَّةِ بالاعتصام والْعِفَّةِ.
وقوله: =إنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَقْبَلَتْ، أَقْبَلَتْ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ+. المعنى: أنها تُثِيرُ الشَّهْوَةَ رُؤْيَتُهَا، وتُقِيمُ الْهِمَّةَ، ويُنْسَبُ ذلك إلى الشيطان؛ لأن الشهوة من جُنْدِهِ وأسبابه التي يَسْتَعِينُ بها على مَوَاعِيدِهِ، والعَقْلُ من أَجْنَادِ الملائكة، والكُلُّ من جُنْدِ الله، والْعَقْلُ حِزْبُ الله × Iwr& إِنَّ z>÷ د m اللَّهِ هُمُ tbq كsخ=ّے çRùQ$#÷.
وقوله: =فَإذَا رَأَى أَحَدُكُمُ امْرَأَةً، فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ؛ فَإنَّ مَعَهَا مِثْلَ الَّذِي مَعَهَا+. تَنْبِيهٌ على حُكْمِ الْعَقْلِ وفائدته الْعَقْلِيَّةِ، وذلك أن آخِرَ النَّظَرِ الْمُثِيرِ للشهوة الْوَطْءُ، فإذا وَجَدَهُ الْمَرْءُ، أَنْهَى الْمَرْمِيَّ الأَوَّلَ نِهَايَةً، ولا فَرْقَ بين أن تَكُونَ الإصابة في الْغَرَضِ الذي غَرَضَهُ أَوَّلاً، أو في مِثْلِهِ؛ لأن المقاصد إذا حَصَلَتْ، لم يُسْأَلْ عن أسبابها، لا سِيَّمَا والرجل يَرَى أَحْسَنَ ما في المرأة ـ وهو وَجْهُهَا ـ وأَنْقَاهُ وأَطْهَرَهُ، فلا يَكُونُ ذلك الاستحسان له طريقًا، إلا إلى أَقْبَحِ موضع فيها وأَنْتَنِهِ، وهذا نُقْصَانٌ عظيم، سَتَرَتْهُ حُجُبُ الشهوة، ووَقَعَ فيه الْمَرْءُ على غَفْلَةٍ، فإذا اعْتُبِرَ الحال، وُجِدَ ما نَبَّهَ عليه النبي * هو صواب الْمَقَالِ، وسَدَادُ الْفَعَالِ، وفي هذا رَدٌّ على الصُّوفِيَّةِ الذين يَرَوْنَ إمَاتَةَ الْهِمَّةِ، حتى تَكُونَ المرأة عند الرجل إذا نَطَحَ فيها كَجِدَارٍ يَضْرِبُ فيه.
والرَّهْبَانِيَّةُ ليستْ في هذا الدِّينِ، وقد بَيَّنَّا تحقيق ذلك في =تفسير القرآن+.
[1173] ولهذا المعنى أَدْخَلَ أَبُو عِيسَى في الباب بَعْدَهُ حديث عَبْدِ اللهِ ـ وهو صحيح ـ قال النبي *: =إذَا خَرَجَتِ الْمَرْأَةُ، اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ+. أي: ارْتَفَعَ يَتَطَلَّعُ إليها، ويَحْمِلُ كُلَّ مَنْ كان من رجاله
وأشكاله وأهل طاعته على نَيْلِ ذلك؛ فلذلك جُعِلَتْ عَوْرَةً مستورة.
[1160] وأَدْخَلَ بَعْدَ ذلك في حَقِّ المرأة على زوجها حَدِيثَ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ: =إذَا دَعَا أَحَدُكُمْ زَوْجَتَهُ لِحَاجَتِهِ، فَلْتَأْتِهِ وَإنْ كَانَتْ عَلَى التَّنُّورِ+. لِيَتَعَجَّلَ قَضَاءَ ما عَرَضَ له، فَيَرْتَفِعَ شَغْلُ بَالِهِ، ويَتَمَحَّصَ تَعَلُّقُ قلبه.
وهذا كما رَوَى مُسْلِمٌ في قِصَّةِ زَيْنَبَ: =أَنَّ النَّبِيَّ * دَخَلَ عَلَيْهَا، وَهْيَ تَمْعَسُ مَنِيئَةً لَهَا ـ أي: تَدْبُغُ جِلْدًاـ فَقَضَى حَاجَتَهُ مِنْهَا+. وتَرَكَتْ ما كانت فيه؛ لِمَا هو أَهَمُّ منه، أو لِمَا يَفُوتُ، وما هي فيه من مَعْسِ الْمَنِيئَةِ، أو محاولة التَّنُّورِ لا يَفُوتُ، وتَتَفَرَّغُ هي لِشُغْلِهَا، ويَفْرُغُ قلب الرجل، كما قال النبي *: =فَإنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ+.
[1159] قال الإمام الحافظ: وقوله: =لَوْ أَمَرْتُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لأَحَدٍ+. فيه تعليق للشرط بالأمر بِالْمُحَالِ؛ لأن السجود على قسمين:
إما سجود عبادة. وذلك لا يَكُونُ إلا لله وَحْدَهُ، ولا يَجُوزُ أن يَكُونَ لغيره أبدًا.
وإما سجود تعظيم. وذلك جائز؛ فقد سَجَدَ الملائكة لآدَمَ - تعظيمًا له، وأَخْبَرَ النبي * أن ذلك لا يَكُونُ، ولو كان، لَجُعِلَ للمرأة في أَدَاءِ حَقِّ الزوج.
[1161] وأَدْخَلَ حديث أُمِّ سَلَمَةَ ـ وهو حديث حَسَنٌ أو صحيح عندي ـ: =إنَّ الْمَرْأَةَ إذَا مَاتَ زَوْجُهَا رَاضِيًا عَنْهَا، دَخَلَتِ الجَنَّةِ+.
ويُعَضِّدُهُ الحديث الصحيح ـ واللفظ لِمُسْلِمٍ وَحْدَهُ ـ قال النبي *: =وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأَتَهُ إلَى فِرَاشِهَا، فَتَأْبَى عَلَيْهِ، إلاَّ كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيْهَا+.
وعَقَّبَهُ بقوله: =فَلَمْ تَأْتِهِ، فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا، لَعَنَتْهَا الْمَلاَئِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ+.
وقوله: =الَّذِي فِي السَّمَاءِ+. يَعْنِي: الذي في الْعُلُوِّ والْجَلاَلِ والرِّفْعَةِ، لأن الله تعالى لا يَحُلُّ بمكان، فكيف أن يَكُونَ فيه محيطًا به؟!
وهذا كَرِضَاهُ من السَّوْدَاءِ بأن تقول في جواب قوله: =أَيْنَ اللهُ؟ فَأَشَارَتْ إلَى السَّمَاءِ+. مُعَبِّرَةً به عن الْجَلاَلِ والرِّفْعَةِ، لا عن المكان.
[1162] وأما حَقُّ المرأة لزوجها، فكما قال: =خِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لأَهْلِهِ+. ذَكَرَهُ وصَحَّحَهُ، ويَأْتِي غَيْرُهُ.
[1163] وأما الْحَقُّ الْمُشْتَرَكُ، فقد بَيَّنَهُ في حديث عَمْرِو بْنِ الأَحْوَصِ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ قال: =شَهِدْتُ حَجَّةَ الْوَدَاعِ مَعَ رَسُولِ اللهِ *، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَّرَ وَوَعَظَ، وَذَكَرَ قِصَّةً، وَقَالَ: أَلاَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا+.
وفيه سبع فوائد:
الأولى: قوله: =اسْتَوْصُوا+. أي: تَوَارَثُوا الْوَصِيَّةَ بِهِنَّ، والْزَمُوا ذلك فِيهِنَّ، واقْبَلُوا ما يُقَالُ لكم عَنْهُنَّ.
الثانية: قوله: =فَإنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ+. يَعْنِي: أَسِيرَاتٍ. وأَسْرُهُنَّ هو أَنَّهُنَّ لا يَخْرُجْنَ ولا يَتَصَرَّفْنَ إلا بِإذْنِ أزواجهن، ليس لهم عَلَيْهِنَّ مِلْكٌ سِوَى هذا، فإنها تَمْلِكُ المنفعة عليه كما يَمْلِكُهَا عليها، إلا أن المطالبة جُعِلَتْ له لِفَرْطِ حيائها، والنَّفَقَةُ عليه لاسترساله في التَّصَرُّفِ.
الثالثة: قوله: =إلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ+. يُرِيدُ: بمعصية ظاهرة، لا تَحْتَمِلُ تأويلاً، ولا تَجِدُ منها مَخْرَجًا، ولا تُبَيِّنُ فيها عُذْرًا، فحينئذ يَمْلِكُ الزوج عليها الأدب والْهِجْرَانَ في الْمَضْجَعِ ـ وهي
الرابعة ـ: وإذا أَدَّبَهَا على معصيتها له، فلا خِيَارَ لها، ولا يَدْخُلُ ذلك تحت شَرْطِ الضَّرَرِ؛ لأن الأدب على المعصية حَقٌّ له، ونَفْعٌ لها. أَمَا إنَّهُ إذا ادَّعَى ذلك عليها، لَزِمَتْهُ الْبَيِّنَةُ، وإلا حَلَفَتْ ما عَصَتْهُ، وحينئذ تَأْخُذُ بشرطها. هذا هو مُقْتَضَى صَرِيحِ الدِّينِ وقَوْلِ مَالِكٍ في =الْمُوَطَّأِ+.
ومن حديث لَقِيطِ ابْنِ صَبِرَةَ أنه قال: =أَتَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي رَسُولَ اللهِ *، فَذَكَرَ صَاحِبِي امْرَأَتَهُ وَبِذَاءَهَا وَطُولَ لِسَانِهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ *: طَلِّقْهَا. فَقَالَ: إنَّهَا ذَاتُ صُحْبَةٍ وَوَلَدٍ. فَقَالَ: قُلْ لَهَا، فَإنْ يَكُنْ فِيهَا [خَيْرٌ]، فَسَتَقْبَلْ، وَلاَ تَضْرِبْ ظَعِينَتَكَ ضَرْبَكَ أَمَتَكَ+.
أَرَادَ به ـ والله أعلم ـ أَلاَّ يُؤَدِّبَ على كل شيء، فَتَسْتَشْرِيَ. أو يُرِيدُ التخفيف؛ لقوله: =غَيْرَ مُبَرِّحٍ+. ويَعْنِي: كَاللَّطْمَةِ والْوَكْزَةِ الْخَفِيفَتَيْنِ، والْقَرْعِ بِالنَّعْلِ ونحوه.
وهِجْرَانُ الْمَضْجَعِ اخْتُلِفَ في تأويله:
فَقِيلَ: هو تَرْكُ الْوَطْءِ.
وقِيلَ: هو مُفَارَقَتُهُ لها في السَّرِيرِ.
وأهل تلك البلاد على سِيرَةِ الْعَجَمِ؛ لا يُضَاجِعُونَ أَهَالِيَهُمْ، بل لكل زوج فِرَاشُهُ، فإذا احْتَاجَ إليها، إما أن يَأْتِيَهَا، أو يُرْسِلَ إليها، فَتَأْتِيَهُ.
وقد كان النبي يَضْطَجِعُ مع أزواجه في فِرَاشٍ واحد.
وفي الصحيح: =إذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إلَى فِرَاشِهَا، فَلَمْ تَأْتِهِ+.
وفي رواية بَعْدَهَا: =إذَا دَعَاهَا إلَى فِرَاشِهِ+.
فَاقْتَضَى ذلك أنه واحد، إما إن سَبَقَ إليه، فكان له ودَعَاهَا، أو سَبَقَتْ إليه، فَدَعَا للوطء فيه، فَتَأْبَى عليه.
وكذلك في الحديث: =مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأَتَهُ إلَى فِرَاشِهَا+.
وذلك كله صحيح المعنى.
الخامسة: =أَلاَّ يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ+. معناه: لا يَنَامُ عندها إلا مَنْ يَرْضَى زوجها نَوْمَهُ. وليس يُرِيدُ به نَفْسَ الْوَطْءِ؛ لأن ذلك مُحَالٌ؛ إذ جَمِيعُهُ مكروه مُحَرَّمٌ.
وقوله: =وَلاَ يَأْذَنَّ فِي بِيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَهُ+ ـ وهي
السادسة ـ: وهي ثابتة في الصحيح، وعَامَّةٌ في القريب منها والبعيد بتفصيل.
السابعة: إن للرجل أن يَهْجُرَ المرأة في الْمَضْجَعِ بِنَصِّ القرآن ـ كما بَيَّنَّاهُ في =الأحكام+ـ ولا يَحِلُّ للمرأة أن تَهْجُرَ فِرَاشَ زوجها، فإن فَعَلَتْ، =لَعَنَتْهَا الْمَلاَئِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ+. كذا في الصحيح، واللفظ لِلْبُخَارِيِّ.
الثامنة: الإحسان إلَيْهِنَّ في الْكِسْوَةِ بِالسَّتْرِ دون إسراف، وبالطعام بِالْقُوتِ دون مَجَاعَةٍ، وهي كثرة التَّمَتُّعِ والتَّفَنُّنِ في الطَّيِّبَاتِ، لاَهُمَّ إلا (أَنَّ المَرْءَ) إنْ زَادَ، فَمِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ.
بَابُ كَرَاهِيَةِ إتْيَانِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ
[1164] [1166] ذَكَرَ أَبُو عِيسَى حديث عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ: =لاَ تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَعْجَازِهِنَّ، فَإنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ+.
[1165] وذَكَرَ حديث ابْنِ عَبَّاسٍ: =لاَ يَنْظُرُ اللهُ إلَى أَحَدٍ وَطِئَ امْرَأةً فِي دُبُرِهَا+. ولم يُصَحِّحْ واحدًا منهما.
وأَدْخَلَ الْبُخَارِيُّ في التفسير عن ابْنِ عُمَرَ في قوله تعالى: ×ِNن. ن t! $|، خ S حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ 4 ¯ Tr& ÷L ن ê÷¥ د©÷. قال: =يَأْتِيهَا فِي ( ... ) +. وتَرَكَ بَيَاضًا، ولم يَذْكُرْ.
والمسألة مشهورة، صَنَّفَ فيها مُحَمَّدُ بْنُ سَحْنُونٍ جُزْءًا، وصَنَّفَ فيها مُحَمَّدُ بْنُ شَعْبَانَ كتابًا، وجَوَّزَهُ كل واحد منهم، وذَكَرَهُ عن أُمَمٍ من أهل العلم من التابعين والعلماء خَلْقٍ كَثِيرٍ، وأَوْعَبَ في الأدلة.
ولقد سَأَلْتُ عنها دَانِشْمَنْد الأَكْبَرَ، فقال لِي: =إن الله حَرَّمَ وَطْءَ الحائض؛ لِعِلَّةِ أن في فَرْجِهَا أَذًى، وهو دَمُ الحَيْضِ، فإذا كان الفَرْجُ المُحَلَّلُ يُحَرَّمُ بِطَرَيَانِ الأَذَى عليه، فموضع لا يُفَارِقُهُ الأَذَى أَحْرَى أن يُحَرَّمَ عليه+. وهذا ما لا جواب عنه، وقد بَيَّنَّاهَا في كتاب =الأحكام+ وغيره.
بَابُ كَرَاهِيَةِ خُرُوجِ النِّسَاءِ فِي الزِّينَةِ
[1167] ذَكَرَ حديث مَيْمُونَةَ بِنْتِ سَعْدٍـ[وكانت] خَادِمًا للنبي * ـ: =إنَّ الرَّافِلَةَ فِي الزِّينَةِ فِي غَيْرِ أَهْلِهَا، كَمَثَلِ ظُلْمَةِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لاَ نُورَ لَهَا+. وضَعَّفَهُ.
قال الإمام الحافظ: ولكن الْمَعْنَى صحيح؛ فإن اللَّذَّةَ في الْمَعْصِيَةِ عَذَابٌ، والرَّاحَةَ نَصَبٌ، والشِّبَعَ جُوعٌ، والْبَرَكَةَ مَحْقٌ، والنُّورَ ظُلْمَةٌ، والطِّيبَ نَتْنٌ.
وعَكْسُهُ الطاعات، =فَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ+، و=دَمُ الشَّهِيدِ، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالْعَرْفُ عَرْفُ الْمِسْكِ+. وقد حَقَّقْنَا ذلك في =تفسير القرآن+.
بَابٌ فِي الْغَيْرَةِ
قال الإمام الحافظ: هذا باب عظيم، قد بَيَّنَّاهُ في كتاب =الأَمَدِ+ و=الأحكام+، وأَمْلَيْنَا عليكم فيه من كل نوع أَحْسَنَهُ، وذَكَرْنَا تفسير الأحاديث.
[1168] ذَكَرَ فيه أَبُو عِيسَى حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول الله *: =إنَّ اللهَ يَغَارُ، وَالْمُؤْمِنُ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ+.
الإسناد:
رَوَى في هذا الباب جماعة، منهم: أَبُو هُرَيْرَةَ. كما تَقَدَّمَ.
الثاني: عَائِشَةُ. قالت: قال رسول الله *: =مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ، أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ+.
الثالث: حديث أُخْتِهَا أَسْمَاءَ، قالت: =لاَ شَيْءَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ+.
الرابع: قال الْبُخَارِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ (في التَّرْجَمَةِ): =وقال وَرَّادٌ، عن المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قال سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: =لَوْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلاً، لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَِحٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ *: أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟! لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ+.
وهذه الأحاديث صِحَاحٌ، وتَمَامُهَا: =لاَ أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ؛ وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ+.
قال أَبُو عَبْدِ اللهِ: =وقال عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عن عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ: لاَ شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ+. وهذا هو عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو الرَّقِّيُّ الأَسَدِيُّ.
العربية:
بناء =غ ي ر+؛ للاختلاف بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ أو المعاني، وإذا عَلِمَ الْمَرْءُ ما يَكْرَهُ، أو ما يُسَرُّ به، تَغَيَّرَتْ حاله إلى مكروه من الأمر، أو محبوب، فَضُرِبَ مَثَلاً لِتَغَيُّرِ الحال بِعِلْمِ المكروه، وخُصَّ به. ويَظْهَرُ عن تَغَيُّرِ الحال بِعِلْمِ ما يُكْرَهُ قَوْلٌ، أو فِعْلٌ، أو كلاهما مِمَّا يَرُدُّ ذلك، ويَكُونُ جَزَاءً عليه، أو وَعِيدًا قَبْلَ ذلك فيه، فَسُمِّيَ ذلك من الْوَعِيدِ قَبْلُ ومِنَ الْجَزَاءِ بَعْدُ: غَيْرَةً.
الأصول:
فيه مسألتان:
الأولى: قوله في الحديث: =لاَ أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ+.
قال الإمام الحافظ: هو الأحد الواحد حقيقة وحَقًّا، فَيُسَمَّى به.
وقوله: =شَيْء+. اسم من أسمائه التي لا يَخْتَصُّ بها، فكل موجود شيء، فهو سبحانه شيء، لا كالأشياء، يُسَمَّى به في التعريف، ولا يُسَمَّى به في الابتهال، قال ـ سبحانه وتعالى ـ: ×ِ@