وقال القرطبي: وقول أنس: "والله لا أذهب وفي نفسي أن أذهب" - هذا القول: صدر من أنس في حال صغره، وعدم كمال تمييزه؛ إذ لا يصدر مثله ممن كمل تمييزه ... ولم يؤنبه - صلى الله عليه وسلم - على هذا الفعل؛ بل داعبه، وأخذ بقفاه وهو يضحك رفقا به، واستلطافا له، ثم قال: «يا أنيس اذهب حيث أمرتك». فقال له: أنا أذهب. وهذا كله مقتضى خلقه الكريم، وحلمه العظيم (1).
11 - الحديث السادس:
ومن ملاطفته وتأنيسه للصبيان ما رواه ابن عباس قال: كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتواريت خلف باب. قال: فجاء فحطأني (2) وقال: «اذهب وادع لي معاوية». قال: فجئت فقلت: هو يأكل. فقال: «لا أشبع الله بطنه» (3) قال ابن المثنى: قلت لأمية: ما حطأني. قال: قفدني قفدة (4).
قلت: أما فوائد هذا الحديث فأجملها النووي بقوله: فيه جواز ترك الصبيان يلعبون بما ليس بحرام، واعتماد الصبي فيما يرسل فيه من
(1) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (6/ 104).
(2) قال النووي حطأني. فبحاء ثم طاء مهملتين وبعدهما همزة (وقفدني) بقاف ثم فاء ثم دال مهملة. قوله: حطأة بفتح الحاء وإسكان الطاء بعدها همزة وهو الضرب باليد مبسوطة بين الكتفين. وإنما فعل هذا بابن عباس ملاطفة وتأنيسا. شرح النووي على مسلم (8/ 402).
(3) وأما دعاؤه على معاوية ألا يشبع حين تأخر ففيه جوابان أحدهما: أنه جرى على اللسان بلا قصد. والثاني: أنه عقوبة له على تأخره. شرح النووي على مسلم (8/ 402).
(4) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب. حديث (96/ 2604).