الفَرْضِ. ورَوَى حَنْبَلٌ، عن أحمدَ (٥) بإسْنَادِه عن أبى هُرَيْرَةَ، أن رسولَ اللهِ -ﷺ- قال: "مَنْ صَامَ تَطوُّعًا، وَعَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ شَىْءٌ لَمْ يَقْضِهِ، فَإنَّهُ لَا يُتَقَبَّلُ مِنْهُ حَتَّى يَصُومَهُ". ولأنَّه عِبادَةٌ يَدْخُلُ في جُبْرَانِها المالُ، فلم يَصِحَّ التَّطَوُّعُ بها قبلَ أداءِ فَرْضِها، كَالحَجِّ. وَرُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه يَجوزُ له التَّطَوُّعُ؛ لأنَّها عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِوَقْتٍ مُوَسَّعٍ، فجازَ التَّطَوُّعُ في وَقْتِها قبلَ فِعْلِها، كالصلاة يَتَطَوَّعُ في أَوَّلِ وَقْتِها، وعليه يُخَرَّجُ الحَجُّ. ولأنَّ التَّطَوُّعَ بالحَجِّ يَمْنَعُ فِعْلَ واجِبِهِ المُتَعَيِّنِ (٦)، فأَشْبَهَ صَوْمَ التَّطَوُّعِ في رمضانَ، بِخِلافِ مَسْأَلَتِنَا. والحَدِيثُ يَرْوِيه ابنُ لَهِيعَةَ، وفيه ضَعْفٌ، وفي سِيَاقِه (٧) ما هو مَتْرُوكٌ، فإنَّه قال في آخِرِهِ: "وَمَنْ أدْرَكَهُ رَمَضَانُ، وَعَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ شَىْءٌ لم يُتَقَبَّلْ مِنْهُ". ويُخَرَّجُ في التَّطَوُّعِ بالصلاةِ في حَقِّ مَن عليه القَضَاءُ مثلُ ما ذَكَرْنَاهُ في الصَّوْمِ.
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في كَراهِيَةِ (٨) القَضاءِ في عَشْرِ ذِى الحجَّةِ، فرُوىَ أنَّه لا يُكْرَهُ. وهو قولُ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والشَّافِعِيِّ، وإسحاقَ؛ لما رُوِىَ عن عمرَ ابن الخَطَّابِ، رضي الله عنه، أنَّه كان يَسْتَحِبُّ قَضاءَ رمضانَ في العَشْرِ. ولأنَّه أيامُ عِبَادَةٍ، فلم يُكْرَهِ القَضاءُ فيه، كعَشْرِ المُحَرَّمِ. والثانية، يُكْرَه القَضاءُ فيه. رُوِىَ ذلك عن الحسنِ، والزُّهْرِيِّ، لأنَّه يُرْوَى عن عليٍّ، رضي الله عنه، أنَّه كَرِهَهُ، ولأنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قال: "مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إلَى اللهِ عز وجل مِنْ هذِهِ الأَيَّامِ" يَعْنِى أَيَّامَ العَشْرِ. قالوا: يا رسولَ اللهِ، ولا الجِهادُ في سَبِيلِ اللهِ؟ قال: "وَلَا الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ، إلَّا رَجُلٌ (٩) خَرَجَ بِنَفْسِه ومَالِهِ، فَلَمْ
(٥) في: المسند ٢/ ٣٥٢.
وانظر الهيثمى، في: باب في من أدركه رمضان وعليه رمضان آخر، وفي: باب قضاء الفائت من شهر رمضان، من كتاب الصيام. مجمع الزوائد ٣/ ١٤٩، ١٧٩. حيث عزاه إلى الطبراني في الأوسط.
(٦) في أ، ب، م: "المعين".
(٧) في ب، م: "ساقيه" خطأ.
(٨) في م: "كراهة".
(٩) في الأصل، أ: "رجلا".