تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما عن بغضه لأعداء الله تعالى ، فقد قال تعالى في صفة النبي صلى الله

عليه وسلم وأصحابه : [ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ

فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ ] ( الفتح : 29 ) .

وفي صلح الحديبية « نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم في جملة هديه

جملاً كان لأبي جهل ليغيظ به المشركين ، وكان هذا الجمل قد غنمه صلى الله عليه

وسلم يوم بدر » [6] .

واستنبط ابن القيم من هذه القصة : استحباب مغايظة أعداء الله تعالى [7] .

ولما منّ صلى الله عليه وسلم على أبي عزة الجمحي وعاهده ألا يعين عليه

فغدر به ، ثم قدر عليه بعد ذلك وطلب أن يمنّ عليه ، فقال صلى الله عليه وسلم :

« لا تمسح عارضيك وتقول : سخرت بمحمد مرتين » ، ثم قال صلى الله عليه

وسلم : « لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين ؛ اضرب عنقه يا عاصم بن ثابت !

فضرب عنقه » [8] .

والمقصود أن ننظر في هديه صلى الله عليه وسلم بعلم وشمول ؛ فلا يقتصر

على جانب كونه نبي الرحمة أو التسامح أو المحبة ، كما لا يقتصر على الطرف

المقابل ، بل إن المتعيّن أن نشتغل باتباع هديه وسيرته في الحب والبغض ، والولاء

والبراء .

ولما كان الحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان كما قال المصطفى

صلى الله عليه وسلم : « أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله » [9] ،

ولما كان الإيمان له ظاهر وباطن ؛ فكذا الحبّ والبغض والولاء والبراء ؛ فالحبّ

والبغض هما الأصل وهما أمران قلبيان ، والولاء والبراء أمران ظاهران ؛ فلازم

الحبّ الولاء ، ولازم البغض البراءة والعداء .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : « أصل الموالاة هي المحبة ، كما أن أصل

المعاداة البغض ؛ فإن التحاب يوجب التقارب والاتفاق ، والتباغض يوجب التباعد

والاختلاف » [10] .

ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن : « أصل الموالاة الحبّ ،

وأصل المعاداة البغض ، وينشأ عنهما من أعمال القلب والجوارح ما يدخل في

حقيقة الموالاة والمعاداة كالنصرة والأنس والمعاونة ، وكالجهاد والهجرة ونحو ذلك

من الأعمال » [11] .

ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي : « فالولاء والبراء تابع للحب والبغض ،

والحبّ والبغض هو الأصل » [12] .

فالولاء والبراء لازم الحبّ والبغض ، وإذا تخلّف اللازم تخلّف الملزوم ؛

فالظاهر والباطن متلازمان ، ولا يكون الظاهر مستقيماً إلا مع استقامة الباطن ، وإذا

استقام الباطن فلا بد أن يستقيم الظاهر [13] .

ومن لوازم الحب في الله : النصح للمسلمين والإشفاق عليهم ، ونصرتهم ،

والدعاء لهم ، وتفقد أحوالهم .

ومن لوازم البغض في الله : الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام ، وعدم

التشبه بهم ، وعدم مشاركتهم في أعيادهم .

ولما كان الإيمان شُعَباً متعددة ، فيمكن زوال بعضها مع بقاء بعضها الآخر ،

ويجتمع في الشخص الواحد بعض شُعَب الإيمان مع بعض شعب الكفر الذي لا

يخرج من الملة ؛ فكذا الولاء والبراء وهو من الإيمان فيجتمع في الشخص الواحد

موجب الولاية من جهة ، وموجب العداوة من جهة أخرى ، كما هو حال الكثير منا

معشرَ المسلمين ممن خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ؛ فالواجب أن نحبهم ونواليهم

لما معهم من إيمان وصلاح ، كما نبغضهم على قدر معاصيهم وتفريطهم .

يقول ابن تيمية : « أما أئمة السنة والجماعة فعلى إثبات التبعيض في الاسم والحكم ،

فيكون مع الرجل بعض الإيمان ، لا كله ، ويثبت له من حكم أهل الإيمان وثوابهم

بحسب ما معه ، كما يثبت له من العقاب بحسب ما عليه ، وولاية الله بحسب

إيمان العبد وتقواه ؛ فيكون مع العبد من ولاية الله بحسب ما معه من الإيمان

والتقوى » [14] .

ويقول أيضاً : « والمؤمن عليه أن يعادي في الله ، ويوالي في الله ، فإن كان

هناك مؤمن فعليه أن يواليه وإن ظلمه ، فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية ، قال

تعالى : [ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى

الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ

وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ * إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ] ( الحجرات : 9-10 ) ،

فجعلهم إخوة مع وجود القتال والبغي ، وأمر بالإصلاح بينهم ، ... وليعلم أن المؤمن

تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك ، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن

إليك ؛ فإن الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله ، فيكون الحب

لأوليائه والبغض لأعدائه ، ... وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر ، وفجور

وبر ، وطاعة ومعصية ، وسنة وبدعة استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من

الخير ، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر ، فيجتمع في الشخص

الواحد موجبات الإكرام والإهانة ، كاللص الفقير تقطع يده لسرقته ، ويُعطى من

بيت المال ما يكفيه لحاجته » [15] .

ومما يبيّن هذا الأمر ما جاء في هدي النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فقد حقق

عليه الصلاة والسلام موجب العداوة والولاية في قصة ذاك الرجل الذي كان يشرب

الخمر ، واسمه عبد الله ، وكان كثيراً ما يُؤتى به فيجلد ، فأتي به في إحدى المرات

فقال أحد الحاضرين : اللهم العنه ، ما أكثر ما يؤتى به ! فقال عليه الصلاة والسلام :

« لا تلعنوه ! فوالله ما علمتُ إنه يحب الله ورسوله » [16] .

ومن المعالم المهمة أن نتجرد لله تعالى في حبّنا وبغضنا ، وأن نُخلِّص الولاء

والبراء من حظوظ النفس وشهواتها ؛ فلا بد من المجاهدة والمحاسبة حتى يكون

الولاء والبراء ابتغاء وجه الله .

المفصل في شرح آية الولاء والبراء · الصفحة ٤٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح آية الولاء والبراءص ٤٢٧