ثُمَّ لَمَّا مَاتَ شَهِيدًا وَقَدْ عَاشَ حَمِيدًا، أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ. عَلَى خِلَافَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ [أَبِي عَمْرٍو] عُثْمَانَ بن عفان شهيد الدار. فكسى الْإِسْلَامَ [بِجَلَالِهِ] رِيَاسَةَ حُلَّةٍ سَابِغَةً. وَأُمِدَّتْ فِي سَائِرِ الْأَقَالِيمِ عَلَى رِقَابِ الْعِبَادِ حُجَّةُ اللَّهِ الْبَالِغَةُ، وَظَهَرَ الْإِسْلَامُ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَعَلَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ وَظَهَرَ دِينُهُ. وَبَلَغَتِ الْأُمَّةُ الْحَنِيفِيَّةُ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ غَايَةَ مَآرِبِهَا، فَكُلَّمَا عَلَوا أُمَّةً انْتَقَلُوا إِلَى مَنْ بَعْدِهِمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ مِنَ الْعُتَاةِ الْفُجَّارِ، امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [أَيْ: وَلِيَجِدَ الْكُفَّارُ مِنْكُمْ غِلْظَةً] عَلَيْهِمْ فِي قِتَالِكُمْ لَهُمْ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ الْكَامِلَ هُوَ الَّذِي يَكُونُ رَفِيقًا لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ، غَلِيظًا عَلَى عَدُوِّهِ الْكَافِرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الْمَائِدَةِ:54]،وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الْفَتْحِ:29]،وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التَّوْبَةِ:73،وَالتَّحْرِيمِ:9]،وَفِي الْحَدِيثِ: أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ:"أَنَا الضَّحوك القَتَّال"،يعني: أنه ضَحُوك في وجه وليه، قَتَّال لِهَامَةِ عَدُوِّهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ أَيْ: قَاتِلُوا الْكُفَّارَ، وَتَوَكَّلُوا عَلَى اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَكُمْ إِنِ اتَّقَيْتُمُوهُ وَأَطَعْتُمُوهُ.
وَهَكَذَا الْأَمْرُ لَمَّا كَانَتِ الْقُرُونُ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ هُمْ خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فِي غَايَةِ الِاسْتِقَامَةِ، وَالْقِيَامِ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، لَمْ يَزَالُوا ظَاهِرِينَ عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَلَمْ تَزَلِ الْفُتُوحَاتُ كَثِيرَةً، وَلَمْ تَزَلِ الْأَعْدَاءُ فِي سَفال وَخَسَارٍ. ثُمَّ لَمَّا وَقَعَتِ الْفِتَنُ وَالْأَهْوَاءُ وَالِاخْتِلَافَاتُ بَيْنَ الْمُلُوكِ، طَمِعَ الْأَعْدَاءُ فِي أَطْرَافِ الْبِلَادِ، وَتَقَدَّمُوا إِلَيْهَا، فَلَمْ يُمَانِعُوا لِشُغْلِ الْمُلُوكِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، ثُمَّ تَقَدَّمُوا إِلَى حَوْزَةِ الْإِسْلَامِ، فَأَخَذُوا مِنَ الْأَطْرَافِ بُلْدَانًا كَثِيرَةً، ثُمَّ لَمْ يَزَالُوا حَتَّى اسْتَحْوَذُوا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَلِلَّهِ، سُبْحَانَهُ، الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ. فَكُلَّمَا قَامَ مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ الْإِسْلَامِ، وَأَطَاعَ أَوَامِرَ اللَّهِ، وَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ، فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْبِلَادِ، وَاسْتَرْجَعَ مِنَ الْأَعْدَاءِ