تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة:2] قَالَ:" حَدَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلَّذِينَ عَاهَدُوا رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ يَسِيحُونَ فِيهَا حَيْثُ شَاءُوا، وَحَدَّ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ عَهْدٌ انْسِلَاخَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ إِلَى انْسِلَاخِ الْمُحَرَّمِ خَمْسِينَ لَيْلَةً: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ، وَآتُوا الزَّكَاةَ، فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:5] فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ، أَمَرَهُ أَنْ يَضَعَ السَّيْفَ فِيمَنْ عَاهَدَ إِنْ لَمْ يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَنَقَضَ مَا سَمَّى لَهُمْ مِنَ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ، وَأَذْهَبَ الْمِيقَاتَ، وَأَذْهَبَ الشَّرْطَ الْأَوَّلَ، ثُمَّ قَالَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [التوبة:7]،يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:7]،وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة:8]،قَوْلُهُ: إِلًّا: الْقَرَابَةُ، وَالْعَهْدُ: الذِّمَّةُ فَلَمَّا نَزَلَتْ بَرَاءَةُ، انْتُقِضَتِ الْعُهُودُ، وَقَاتَلَ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدَهُمْ، وَقَعَدَ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ حَتَّى دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يُؤْوَ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ بَعْدَ بَرَاءَةَ " فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْعُهُودَ كُلَّهَا انْقَطَعَتْ بِمَا تَلَوْنَا فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ، وَحَلَّ الْقِتَالُ فِي الزَّمَانِ كُلِّهِ، وَحَمَلَنَا عَلَى قَبُولِ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَلْقَهُ؛ لِأَنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ عَنْهُ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَقَدْ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَاضِي قَالَ: سَمِعْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ فَهْدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: بِمِصْرَ كِتَابُ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ فِي التَّأْوِيلِ، لَوْ دَخَلَ رَجُلٌ إِلَى مِصْرَ، فَكَتَبَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ بِهِ مَا رَأَيْتُ رِجْلَيْهِ ذَهَبَتْ بَاطِلًا وَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ".". (1)

«يسْئلونك عن الشّهْر الْحرام قتالٍ فيه؟ قلْ قتالٌ فيه كبيرٌ» .. نزلت تقرر حرمة الشهر الحرام، وتقرر أن القتال فيه كبيرة، نعم! ولكن: «وصدٌّ عنْ سبيل اللّه وكفْرٌ به والْمسْجد الْحرام وإخْراج أهْله منْه أكْبر عنْد اللّه. والْفتْنة أكْبر من الْقتْل» ..

إن المسلمين لم يبدأوا القتال، ولم يبدأوا العدوان. إنما هم المشركون. هم الذين وقع منهم الصد عن سبيل اللّه، والكفر به وبالمسجد الحرام. لقد صنعوا كل كبيرة لصد الناس عن

(1) -شرح مشكل الآثار [12/ 387]

المفصل في فقه الجهاد ط 4 · الصفحة ٥٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في فقه الجهاد ط 4ص ٥٥١