ولكن المرجو من الله تعالى، الذي منّ على المؤمنين بالإسلام، واختار لهم دينه القيم، وأكمل لهم دينه، أن يتم عليهم نعمته بالقيام به أتم القيام، وأن يخذل كل من أراد أن يطفئ نوره، ويجعل كيدهم في نحورهم، وينصر دينه، ويعلي كلمته.
وتكون هذه الآية صادقة على هؤلاء الموجودين من الكفار، كما صدقت على من قبلهم: ﴿إنّ الّذين كفروا ينْفقون أمْوالهمْ ليصدّوا عنْ سبيل اللّه فسينْفقونها ثمّ تكون عليْهمْ حسْرةً ثمّ يغْلبون والّذين كفروا إلى جهنّم يحْشرون﴾.
ثم أخبر تعالى أن من ارتد عن الإسلام، بأن اختار عليه الكفر واستمر على ذلك حتى مات كافرا، ﴿فأولئك حبطتْ أعْمالهمْ في الدّنْيا والآخرة﴾ لعدم وجود شرطها وهو الإسلام، ﴿وأولئك أصْحاب النّار همْ فيها خالدون﴾.ودلت الآية بمفهومها، أن من ارتد ثم عاد إلى الإسلام، أنه يرجع إليه عمله الذي قبل ردته، وكذلك من تاب من المعاصي، فإنها تعود إليه أعماله المتقدمة. (1)
وقد جاء في روايات متعددة بعث عبد الله بن جحْشٍ الأسدىّ إلى نخْلة فى رجب، على رأْس سبعة عشر شهراً من الهجْرة، فى اثنى عشر رجلاً من المهاجرين، كلّ اثنين يعتقبان على بعير، فوصلوا إلى بطن نخلة يرصدون عيراً لقريش، وفى هذه السّريّة سمّى عبد الله بن جحش أمير المؤمنين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب له كتاباً، وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين، ثم ينظر فيه، ولما فتح الكتاب، وجد فيه:"إذا نظرْت فى كتابى هذا، فامْض حتّى تنْزل نخْلة بيْن مكّة والطّائف، فترْصد بها قريْشاً، وتعْلم لنا منْ أخْبارهم" فقال: سمعاً وطاعةً، وأخبر أصحابه بذلك، وبأنه لا يستكرههم، فمن أحبّ الشهادة، فلينهض، ومن كره الموت، فليرجعْ، وأما أنا فناهض، فمضوْا كلّهم، فلما كان فى أثناء الطريق، أضلّ سعد بن أبى وقاص، وعتبة بن غزوان بعيراً لهما كانا يعْتقبانه، فتخلفا فى طلبه، وبعد عبد الله بن جحش حتى نزل بنخلة، فمرّت به عيرٌ لقريش تحْمل زبيباً وأدماً وتجارةً فيها عمْرو بن الحضْرمى، وعثمان، ونوفل ابنا عبد الله بن المغيرة والحكم بن كيسان مولى بنى المغيرة.
(1) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص:97)