جلاله الباهر وإيقاعه العميق وهو يربي به النفوس في مكة وهي تواجه الأذى والكرب والضيق ويربي به كل صاحب عقيدة يواجه بها الطغيان والعسف والتعذيب فأما بعد ذلك فالله يتولى عباده المؤمنين وفرعون يتآمر ويجمع جنوده أجمعين .
والخلاصة :
أن سحرة فرعون كانوا في مقدمة الكفر والضلال وكانوا هم أمل فرعون ووزرائه وجنوده في هزيمة موسى فلما تبين لهم الحق كما وضحنا كان لزاما أن يعلنوا أنهم أول المؤمنين في هذا الموقف العصيب ويعلنوها صرخة مدوية رغم أنف الباطل وإن تزعمه فرعون ومن معه اسمع يا فرعون : نحن أول المؤمنين اليوم برب العالمين ، نحن أول المؤمنين اليوم بأن موسى مرسل من رب العالمين ، نحن أول المؤمنين اليوم بأن عصا موسى معجزة عظيمة أيده بها رب العالمين ، نحن أول المؤمنين بأن الحق ما جاء به موسى وهارون وأنك يا فرعون على الباطل فاقض ما أنت قاض إنما تقض هذه الحياة الدنيا .
وبهذا لا يكون هناك تعارضا في الآية فهي بيان بأن أول من أعلن إيمانه في يوم الزينة يوم أن حشر الناس لمواجهة أعظم مباراة بين الحق والباطل .
وهناك كلمة أخيرة حول هذه الشبهة فلو قلت لكم الآن من كان منكم موافقا لي ومؤيدا لرأيي فليرفع يده الآن فرفعتم أيديكم وبعدها قلت لأحدكم معاتبا له : يا فلان ما منعك أن ترفع يدك ؟ هل أنت مخالفا لي في قولي ؟ أم متكبرا عليَّ ؟ فقال لي : سبحان الله يا أخ صبري أنا أول من رفع يده . فقلت له جزاك الله خيرا .
والسؤال الآن :
ماذا نفهم من عبارته أنا أول من رفع يدي ؟
والجواب : أنه أول من رفع يده عندما طلبت من الحضور ذلك في خلال محاضرتي .
فلو جاء من يقول : أن الأخ يقصد أنه أول من رفع يده منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها فهل يقبل منه ذلك ؟ وهل يسمع لقوله ؟ وهل يكون لقوله وجاهة وقبول ؟ أعتقد أنه يكون من أولئك الذين قال الله عنهم :
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾الأعراف179 .
وأعتقد أن هذا يكفي للرد على هذه الشبهة التي تدل على تفاهة وحقارة من ذكرها وروج لها وظنها ثغرة في كتاب الله الكريم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــ
ومن شبهات أولئك الضالين أيضا ما قالوه في قول الله تعالى لنبيه محمد – صلى الله عليه وسلم - أن يقول ( قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴿162﴾ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴿163﴾الأنعام
يقولون كيف يكون محمدا – صلى الله عليه وسلم – أول المسلمين – وقد ذكر القرآن الكريم أن كل من سبقه من الأنبياء كان مسلما وهو المتأخر عنهم في الزمن وكل الأنبياء جاؤوا قبله فكيف يكون أولهم إسلاما ؟
والجواب :
" قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي " الصلاة معروفة والنسك أي:الذبح وتخصيص هاتين العبادتين لشرفهما وفضلهما, ودلالتهما على محبة الله تعالى, وإخلاص الدين له, والتقرب إليه بالقلب واللسان, والجوارح, وبالذبح الذي هو بذل ما تحبه النفس, من المال, لما هو أحب إليها, وهو الله تعالى.
ومن أخلص في صلاته ونسكه, استلزم ذلك إخلاصه لله في سائر أعماله وأقواله: " وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي " أي: ما آتيه في حياتي, وما يجزيه الله علي, وما يقدر علي في مماتي.
الجميع " لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ "
" لَا شَرِيكَ لَهُ " في العبادة, كما أنه ليس له شريك في الملك والتدبير.
ليس هذا الإخلاص لله, ابتداعا مني وبدعا أتيته من تلقاء نفسي.
بل " وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ " أمرا حتما, لا أخرج من التبعة, إلا بامتثاله " وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ " من هذه الأمة.
فما كان النبي – صلى الله عليه وسلم ليدعو إلى دين لا يؤمن به فهو أول من آمن بهذا الدين الذي هو الإسلام من أمته أو من أهل قريش خاصة .
والجدير بالذكر أن نبين هنا معنى الإسلام كاعتقاد وهو : الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله . وبهذا المفهوم الاعتقادي لمعنى الإسلام كان كل رسل الله وكل المؤمنين من لدن آدم عليه السلام وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .
وصدق الله العظيم حيث جمع الرسالات السماوية تحت مفهوم واضح بين فقال سبحانه جل في علاه : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾النحل36