تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن هذا التجسيم والتمثيل والتشبيه درب من دروب الكفر الذي يمتليء به الكتاب المقدس, ولهذا عندما تعرضوا لآيات الذكر الحكيم كقوله تعالى : ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ﴾النساء171 . جسدوا الوصف كعادتهم فظنوا أن المسيح روح الله التي فى كيان الله والعياذ بالله , وبمعنى أخر فهم ظنوا أن ( من ) في الآية للتبعيض !

ولهذا قال الحافظ ابن كثير رحمه الله : ( قوله تعالى (وَرُوحٌ مِّنْهُ) كقوله في سورة الجاثية : ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾الجاثية13 . أي من خلقه ومن عنده وليست ( من ) للتبعيض كما تقوله النصارى عليهم لعائن الله المتتابعة , بل هي لابتداء الغاية كما في الآية الأخرى...وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله في قوله : ﴿ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ ﴾الأعراف73 . وفي قوله : ﴿أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ ﴾البقرة125 ) ( تفسير ابن كثير 2/294 ).

فالله ليس كمثله شيء حتى نشبهه بالإنسان المركب من كيان وروح , إنما المقصود روح من خلقه جل وعلا , فكل منا بداخله روح من الله أي من خلقه جل في علاه , كما جاء في الحديث النبوي الذي أخرجه الإمام مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ... ) , وهذا عين ما حدث لمريم عليها السلام , فلو طبقنا منهج النصارى في الفهم المادي لأصبح كل واحد منا هو الله وروحه التي في كيانه والعياذ بالله !

وقال الألوسي رحمه الله: ( حكي أن طبيبًا نصرانيًا حاذقًا للرشيد ناظر على بن الحسين الواقدي المروزي ذات يوم فقال له : إن في كتابكم ما يدل على أن عيسى عليه السلام جزء منه تعالى ، وتلا هذه الآية : ( إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ) فقرأ الواقدي قوله تعالى : ( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ) الجاثية13 . فقال : إذاً يلزم أن يكون جميع الأشياء جزءاً منه سبحانه وتعالى علوًا كبيرًا ، فانقطع النصراني فأسلم ، وفرح الرشيد فرحًا شديدًا ) (روح المعاني 6/25 )

وقولهم أن هناك فارق بين قوله تعالى حكاية عن آدم عليه السلام : ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ﴾السجدة9 , وقوله تعالى حكاية عن المسيح عليه السلام : ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ﴾النساء171 , غلط محض , وأكبر دليل على أنه لا فارق بينهما هو القرآن الكريم ذاته , إذ ساوى في آية صريحة بين خلق آدم عليه السلام وخلق المسيح عليه السلام فقال تعالى : ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾آل عمران59 , وهذا رد قاطع فصل ما هو بالهزل , يبين الحقيقة في أوضح صورة .

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٥٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٥٨٣