وأصبحت بعد زيادات المحرفين وتأويل الجاهلين، تحول بين الإنسان والعلم والفكر، وأصبحت على مَر العصور ديانة وثنية يقدس أهلها القديسين والصور المعلقة في الكنائس. حتى أن أصحابها الأوائل لو بعثوا لما استطاعوا التعرف على شي من ديانتهم.
وحدث أن انقسم النصارى إلى ما يعرف اليوم بالكاثوليك و(الأرثوذكس) تبعًا لاختلافهم في طبيعة المسيح عليه السلام، وكان مذهب الدولة هو المذهب الكاثوليكي. وقاموا باضطهاد من خالفهم المذهب، فرجال كانوا يعذبون ثم يقتلون غرقًا، ورجال كانوا يشعلون فيهم النار وهم أحياء موثقون، و غير ذلك من الفظائع.
وكانت ذات الطبقية الموجودة في غيرهم، فكانت بعض الممالك تزرع وتحصد، وتحمل زرعها على دوابها وأكتافها لخزينة الدولة.
وانشر ت الرشوة والفساد الإداري في الدولة، والفساد الخلقي بين عوام الناس.
وباقي الشعوب الوثنية في أفريقيا كانت تعيش عيشة أقرب للبهيمية منها للإنسانية.
هذا هو حال البشرية قبل البعثة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
وأقول: ومن المهم ونحن ندرس السيرة أو نعرضها على الناس أن نوضح حال البشرية قبل البعثة المحمدية، وذلك لأن فريقا من عبّاد الصليب اليوم يقولون بأن البشرية كانت في أوج حضارتها ثم جاء العرب ـ يعنون المسلمين ـ وهدموا هذه الحضارة. فكان لا بد من التعريج على حال البشرية قبل البعثة المحمدية لبيان أي حضارة كانت وهدمها الإسلام. وبيان أي حضارة أقامها الإسلام، وبيان كيف أن الإسلام كان نور ورحمة من الله للبشرية لمن آمن منها ولمن كفر.
وهناك فريق آخر أخبث من هذا الفريق، يتكلم بأنها كانت حركة سياسية كغيرها من الحركات ويعرض السيرة النبوية من هذا القبيل، وأن الفتوحات ما هي إلا أحد أشكال الاحتلال، وأنه هبت ثورات فيما بعد لمقاومة هذا الاحتلال ورفع الظلم عن الناس. ويذهب يقرأ السيرة النبوية بهذه الطريقة.
ونحتاج إلى طرح للسيرة النبوية يبين أن الدعوة ما كانت أبدًا قرشية أو عربية، ولم تكن الحركات التي ظهرت في التاريخ الإسلامي وخاصة الفرق التي ظهرت في القرون الأولى حركات شعوبية ـ باستثناء حركة الزنوج والتي لم تستمر ولم تترك أي أثر فكري أو منهجي في حياة الناس ـ ضد العرب بل كانت حركات عقدية منحرفة، وكان رؤوسها عرب وسبب نشأتها خلافات دينية.
وهذا الطرح لا بد أن يعمل على ربط العقيدة الصحيحة... وأهداف الدعوة الكلية التي هي تعبيد الناس لله بأحداث السيرة النبوية.
وهذا يستلزم قراء جديدة للسيرة النبوية، ولعل فيما يأتي مزيد بيان
سابعا: طبيعة الخطاب الدعوي في مكة وحدة الأهداف والمنطلقات:
في الجاهلية الأولى كان المال دولة بين الأغنياء... قِلَّة غنية وكَثرة بالكاد تجد قوت يومها.
وفي الجاهلية الأولى كانت الحروب تأكل الرجال على ناقة أو لأن فرسًا سبقت أختها.! وفي الجاهلية الأولى كان الزنا وكانت الخمر وكان وأد البنات وبيع الأحرار. وفي الجاهلية الأولى كان الشرك الأكبر(شرك النسك وشرك الطاعة)... تُدعى الأصنام من دون الله ويُنذر لها ويُذبح عندها، وكان شرك الطاعة... يُشَرِّع الملأ ويتبع العوام. ولم تخل الجاهلية من المصلحين، الذين يسعون في إصلاح ذات البين وحقن الدماء ورفع الظلم عن الضعفاء.
وحين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يضع يده في يد أحد من هؤلاء ألبته. بكلمات أخر:
رُغم أن الدعوة الإسلامية كانت تدعوا لمثل ما كان يدعو إليه كثير من المصلحين من مكارم الأخلاق إلا أنها لم تضع يدها في يد أحد من هؤلاء.
ذلك لأنه وإن اتحدت الأهداف فإن المنطلقات متغايرة. فهؤلاء دوافعهم شتى.. تدفعهم المروءة ويدفعهم الثناء الحسن ويدفعهم عرف الآباء، أما المسلمون فيدفعهم طاعة الله ورسوله ولا ينبغي أن يكون لهم دافع غير ذلك.
وهؤلاء تقف أهدافهم عند إصلاح الدنيا؛ والمسلمون يصلحون الدنيا للآخرة.
وشتان.
ومن يتدبر أحداث السيرة النبوية وما كان يَتَنَزَلُ في بداية البعثة يجد أن الدعوة الإسلامية بدأت بتعريف الناس بربهم.. بأسمائه وصفاته وآثار ذلك في مخلوقاته.. كيف أنه الحي القيوم الرحيم الرحمن ذي الجلال والإكرام مالك الملك القريب المجيب.. الخ، ثم بترسيخ نظرية الثواب والعقاب وذلك بتعريفهم بالجنة(دار الثواب) وبالنار(دار العقاب)، وقُصَّ عليهم خبر من سبقوا، مَن أطاعوا منهم كيف كانت عاقبتهم ومن عصوا منهم ماذا فعل الله بهم. واقرءوا ما نزل من القرآن في مكة.
ثم جاءت التشريعات باسم الله الذي عرفوه بأسمائه وصفاته وبَيْنَ يدي الثواب والعقاب.
فمثلاً قيل لهم: الله ـ الذي عرفوه ـ يأمركم بالصلاة، ومن فعل فله الجنة ـ التي عرفوها ـ ومن عصى فله النار ـ التي عرفوها ـ.
والله الذي عرفتموه يأمركم بالزكاة ومن أطاع فثوابه الجنة التي عرفتموها، ومن عصى فله النار التي عرفتموها.
لذا استقامت النفوس محبه ورهبة لله وخوفًا من النار وطمعا في الجنة.