تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبهذا يتضح منطلق الدعوة الإسلامية وهدفها، وهو تعبيد الناس لله... تعريفهم بربهم ليعظموه ويوقروه ويسبحوه، وإصلاح الدنيا ـ يجيء تبعًا وليس أصلاً ـ، ثم الفوز بالجنة.

ولهذا لم يرتد من أسلم، ولم يتلكأ في سيره إلى الله.

وعلى من يعرض السيرة النبوية على الناس ـ أو يقرؤها ـ عليه أن يلتفت لهذا. وأن ينتبه إلى أن الخطاب الدعوي كان في الأساس أخروي تنطلق منه باقي شئون الحياة.

وفي بيعة العقبة الثانية وغيرها من أحداث العهد المكي دليل على ذلك.

وأزيد الأمر بيانًا فأقول:

نعم. في العهد المكي كانت الدعوة الإسلامية في خطابها الموجه للجاهلية يومها، كانت مصرة على أن تبدأ من اليوم الآخر ترغيبا وترهيبا.

تحاول أن تجعل القلوب معلقة بما عند ربها ترجوا رحمته وتخشى عقابه. ويكون كل سعيها دفعا للعقاب وطلبًا للثواب فتكون الدنيا بجملتها مطية للآخرة.

على هذا تربى الصحابة رضوان الله عليهم.بل ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو أيضا تربى على هذا المعني ، فقد كان يتنزل عليه بأبي هو وأمي وأهلي صلى الله عليه وسلم (وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ) [يونس: 40] (وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ).

ولهذا استقامت النفوس تبذل قصارى جهدها في أمر الدنيا ترجوا به ما عند الله فكان حالهم كما وصف ربهم (تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ)

فهذا وصف للظاهر(رُكَّعاً سُجَّداً) ووصف للباطن(يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً)، والسياق يوحي بأن هذه هي هيئتهم الملازمة لهم التي يراهم الرائي عليها حيثما يراهم. كما يقول صاحب الظلال رحمه الله.

واقرأ آيات الأحكام في كتاب الله لتطالع هذا الإصرار من النص القرآني على وضع صورة الآخرة عند كل أمر ونهي ضمن السياق بواحدة من دلالات اللفظ، المباشرة منها أو غير المباشر(دلالة الإشارة أو التضمن أو الاقتضاء أو مفهوم المخالفة.. الخ).

فمثلا يقول الله تعالى: (ويْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ. الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ. وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ. أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ. لِيَوْمٍ عَظِيمٍ. يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)

فتدبر كيف يأتي الأمر بعدم تطفيف الكيل حين الشراء وبخسه حين البيع؟ ومثله قول الله تعالى (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)

فهنا أمر بالسعي على الرزق، وتذكير بأن هناك نشور ووقوف بين يدي الله عز وجل، فيسأل المرء عن كسبه من أين أتى وإلى أين ذهب؟

بل واقرأ عن الآيات التي تتحدث عن الطلاق في سورة البقرة تجد أنها تختم باسم أو اسمين من أسماء الله عز وجل "... فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ " "... وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " "... وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ " "... وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ " ".... إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ "

وهذا لا شك استحضار للثواب والعقاب.

ومثله الآيات التي تأمر بالحجاب تُختم بـ(إن ذلكم كان عند الله عظيمًا) و(.. وكان الله غفورًا رحيمًا).

نعم كان هذا أسلوب القرآن العظيم في عرض قضايا الشريعة كلها وهذه بعض الآيات والأحاديث في هذا الشأن تزيد الأمر وضوحًا:

في الظِّهار انظر كيف يربط الله تعالى أداء الكفارة بالإيمان به وبرسوله :(فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ)

وانظر كيف جعل الله تعالى تحكيم شرعة شرط للإيمان به :(فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً)

وفي الحديث: " لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ " [البخاري كتاب الإيمان الحديث رقم 13 ترقيم العالمية].

وفي البخاري أيضا الحديث 14 كتاب الإيمان " فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ "

وفي البخاري حديث رقم 6135 كتاب الأدب: " مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ... الحديث".

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٢٥٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٢٥٢٢