وفي الحديث "إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ "
وفي الحديث " تَغْزُونَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ ثُمَّ فَارِسَ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ ثُمَّ تَغْزُونَ الرُّومَ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ ثُمَّ تَغْزُونَ الدَّجَّالَ فَيَفْتَحُهُ اللَّهُ".
فالدعوة كانت عالمية من يومها الأول، ومن المهم جدًا التنبيه على هذا الأمر. فهناك من يردد أن الدعوة كانت محلية عربية، قرشية. ثم تحت أطماع استعمارية أصبحت عالمية. هذا حديث نفر غير قليل من(العقلانيين).
سادسا: حال البشرية قبل البعثة المحمدية:
هذه الفقرة متممة لما قبلها.
كثير ممن يتناول دراسة السيرة النبوية يتناول فقط حال الجاهلية في الجزيرة العربية فقط، بل يختزل البعض الأمر أكثر من ذلك فلا يتكلم إلا عن حال قريش، وكأنه صلى الله عليه وسلم لم يبعث إلا إلى العرب!.
ومن فضلة القول أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث للناس كافة، وأن نور الإسلام أضاء جنبات المعمورة كلها بعد قرن من وفاته صلى الله عليه وسلم.
إخواني الكرام!
لم يكن حال البشرية خارج الجزيرة العربية خير من حالها في الجزيرة العربية، لا في الناحية الدينية ولا في الناحية الاجتماعية، ولا في الناحية الاقتصادية. لم تكن البشرية قبل محمد صلى الله عليه وسلم، تعرف أيا من أنواع الرقي المادي أو التكريم للإنسان.
في الفرس:
كانت المحرمات النسبية التي تعارف على حرمتها أهل الأقاليم المتواضعة موضع خلاف ونقاش عندهم، حتى أن يزدجر الثاني الذي حكم في أواسط القرن الخامس الميلادي تزوج بنته، ثم قتلها، وبهرام جوبين الذي تملك في القرن السادس الميلادي كان متزوجًا أخته.
ولم يكن هذا معصية بل كان قربة يتقربون به إلى الله.!!
وفيهم ظهرت دعوة (ماني) التي تدعو إلى العزوبية وترك الزواج استعجالاً لفناء البشرية، ومع أن صاحب هذه الدعوة قتل إلا أن دعوته ظل لها أنصار إلى ما بعد الفتح الإسلامي.
وفيهم ظهرت دعوة (مزدك) التي دعت إلى أن يكون الناس سواء في كل شيء، في الأموال وفي النساء، ولاقت هذه الدعوى رواجًا كبيرًا، حتى صاروا لا يعرف الرجل ولده ولا المولود أباه.
وكان الأكاسرة يدعون أنهم تجري في عروقهم دم إلهي، وكان الناس ينظرون إليهم كآلهة ويعتقدون أن في طبيعتهم شيئًا علويًا مقدسًا، فلا يجري اسمهم على لسانهم، ولا يجلسون في مجالسهم، وليس لأحد حق عليهم، وأن ما يعطونه لأحد إنما هو صدقه وتكرم من غير استحقاق، وليس للناس قبلهم إلا السمع والطاعة.
ودون ذلك كان المجتمع قائمًا على الطبقية المؤسسة على اعتبار الحرفة والنسب، وكان من قواعد السياسة أن يقنع كل واحد بمركزه الذي منحه نسبه، ولم يكن يسمح لأحد أن يتخذ حرفة غير الحرفة التي خلقها الله لها، ولم يكن الملوك يولون وضيعا وظيفة من وظائفهم.
ثم هم جميعهم أهل فارس كانوا ينظرون إلى الأمم الأخرى نظرة ازدراء وامتهان، ويلقبونها بألقاب فيها احتقار وسخرية، ويرون أن بهم ما ليس في غيرهم من أسباب الرفعة والعلو، وأن الله قد خصهم بمواهب ومنح لم يشرك فيها معهم أحدًا.
وفي ناحية الشعائر التعبدية، كانت الديانة عندهم هي عبادة النار، والنار لا توحي لعبادها بشريعة ولا ترسل رسولاً ولا تتدخل في شئون حياتهم، لذا أصبحت الديانة عند المجوس عبارة عن طقوس يؤدونها في أماكن خاصة وأوقات خاصة، أما في أمورهم فكانوا أحرارا يسيرون على أهوائهم، أو ما يؤدي إليه تفكيرهم، أو ما توحي به مصالحهم ومنافعهم.
وفي الهند والصين كانت البوذية، وهي ديانة أرضية تدعو إلى قمع شهوات النفس وترك الدنيا وما فيها ثم تحولت إلى الوثنية بعد أن عبدت بوذا، وتسرب إلى مناهج العبادة السحر والأوهام. وكانت الآلهة متعددة حتى أصحبت المعادن كالذهب والفضة آلهة، والحيوانات آلهة والأجرام الفلكية آلهة، وبعض الأشخاص التاريخية آلهة... الخ.
وكانت ذات الطبقية موجودة أيضًا.
أما اليهودية فلم تكن تصلح لحمل مشعل الحضارة للبشرية، فقد تحولت لديانة مرتبطة بالجنس، لا ترى عليها في الأمم الأخرى من سبيل، فلم تكن لدى اليهود نية لهداية البشرية وإنما للنيل منها، وتحقيق أطماعهم على حساب الآخرين.
والمسيحية ديانة لم تعرف التطبيق في أرض الواقع، فلم تكن المسيحية في عهدها الأول من التفصيل والوضوح ومعالجة مسائل الإنسان، بحيث تقوم عليها حضارة أو تسير في ضوئها دولة، ثم جاءها(شاؤول اليهودي) المعروف بـ(بولس الرسول) فطمس نورها وطعمها بخرافات الجاهلية التي انتقل منها والوثنية الرومية التي نشأ عليها، وقضى قسطنطين على البقية الباقية، حتى أصبحت النصرانية مزيجًا من الخرافات اليونانية، والوثنية الرومية، والأفلاطونية المصرية والرهبانية، كما يقول صاحب كتاب (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين).