وجاء في خطاب سليمان عليه السلام إلى أهل اليمن (إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ)،(فَلَمَّا جَاءتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ)، وجاء على لسان الملائكة وهم يتكلمون عن قوم لوط عليه السلام:(فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِين. فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ)، فالدين واحد وإن تعدد الرسالات. وفي الحديث "أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ"
ونجد في السيرة النبوية ربط بين الأشخاص التي عاصرت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين من سبقوا. يُشبه أبو بكر رضي الله عنه بمؤمن آل فرعون، وعروة بن مسعود الثقفي بالرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، وعقبة بن معيط بقاتل ناقة صالح عليه السلام. وأبو جهل بفرعون، وأمية بن أبي الصلت بالذي آته الله آياته فانسلخ منها... وقريب من هذا " إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ " و"لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ".
وحين عرض السيرة النبوية على الناس لا بد من الحرص على تبين هذا الحبل الممدود بين عباد الله وعباد الشيطان على مر العصور، والقرآن الكريم يستخدم مع المكذبين للرسالة في كل العصور نفس الوصف فهم الملأ... الذين استكبروا. وجاء التعبير عن رفض دعوة الرسل ـ كل الرسل ـ بأنه عبادة للشيطان قال تعالى(أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ)
والمطلوب هو توضيح هذا الربط بين عباد الله في كل زمان ومكان، وبين عباد الشيطان في كل زمان ومكان من خلال دراسة السيرة النبوية. وبيان أن السيرة النبوية ما هي إلا حلقة من حلقات الدعوة إلا الله عبر التاريخ، هي رسالة الله إلى البشرية بعد أن انحرفوا لردهم إلى الدين الحق. وهذا الربط أيضًا يحدث نوع من الأنس بين مسلمي اليوم ومسلمي الأمس.
خامسا: لم يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم للعرب فقط:
بعض ممن يشرحون السيرة النبوية، يحصرون أحداث السيرة في العهد المكي بين الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين وبين قريش، مما يفهم منه أن الدعوة كانت محلية، علما بأن الرسول صلى الله عليه وسلم خرج إلى الطائف، وكان يعرض نفسه على القبائل في الحج، وجاءه الجن واستمعوا إليه، وجاءه فريق من نصارى الحبشة والشام حين سمعوا به صلى الله عليه وسلم فتلى عليهم القرآن وأسلموا. وفيهم نزل قول الله تعالى.في سورة القصص:(وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون. الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ. وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ. أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ. وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ).
وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه إلى الحبشة لتكوين نواة أخرى احتياطية للدعوة الإسلامية، ولم يكن سبب الهجرة هو الهروب من التعذيب كما تتكلم بعض المصادر، وإنما أصح من ذلك أن يقال أنها كانت لتكوين نواة احتياطية للدعوة الإسلامية، يدل على ذلك كون من هاجروا إلى الحبشة ممن لهم شوكة في مكة مثل جعفر بن أبي طالب وعثمان بن عفان...
وكونهم لم يرجعوا بعد الهجرة مباشرة بل بعد سبع سنيين من الهجرة حين استقرت الدولة الإسلامية بوضوح.
وبعد ذلك كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم الملوك يدعوهم إلى الإسلام، فقد كانت الدعوة عالمية من يومها الأول وفي كل مراحلها.
أضف إلى ذلك البشارات التي كان يتكلم بها الرسول صلى الله عليه وسلم من فتح فارس والشام.
وجاء في الحديث " تُفْتَحُ الْيَمَنُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ وَتُفْتَحُ الشام فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ وَتُفْتَحُ الْعِرَاقُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ"