قال القرطبي :
" قوله : (( إنكم ستفتحون مصر ، وهي أرض يسمََّّى فيها القيراط )) ؛ هذا إخبار بأمر غيب ، وقع على نحو ما أخبر ، فكان دليلاً من أدلة نبوته ـ صلى الله عليه وسلم ـ . ومعنى يسمى من فيها القيراط : يعني به : أنه يدور على ألسنتهم كثيرًا ، وكذلك هو ؛ إذ لا ينفك متعاملات من أهل مصر عن ذكره غالبًا ؛ لأنَّ أجزاء الدنيا الأربعة والعشرين يسمونها : قراريط ، وقطع الدراهم يسمونها : قراريط ، بخلاف غيرهم من أهل الأقاليم ، فإنَّهم يسمُّون ذلك بأسماء أخر ، فأهل العراق يسمُّون ذلك : طسُّوجًا ورزة ، وأهل الشام : قرطيس ، ونحو ذلك .
وقوله : (( فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها ، فإنَّ لهم ذمة ورحمًا ، أو قال : صهرًا )) ؛ الذمة : الحرمة . والذمام : الاحترام ، وقد يكون ذلك لعهد سابق كعهد أهل الذمَّة ، وقد يكون ذلك ابتداء إكرام ، وهذا هو المراد بالذمة هنا ، والله تعالى أعلم ؛ إذ لم يكن لأهل مصر من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عهد سابق ، وإنما أراد : أن لهم حقًّا لرحمهم ، أو صهرهم ، ويحتمل أن يكون معناه : أنهم يكون لهم عهد بما ينقد لهم من ذلك حين الفتح . وهذا التأويل على بُعده يعضده ما رواه ابن هشام من حديث عمر مولى عفرة : أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : (( الله ! الله في أهل المدرة السوداء السُّحم الجعاد ؛ فإنَّ لهم نسبًا وصهرًا )). قال عمر : فنسبهم : أن أم إسماعيل منهم ، وصهرهم : أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تسرى منهم . قال ابن لهيعة : أم إسماعيل هاجر من أم العرب : قرية كانت أمام الفرما ، وأم إبراهيم مارية سرية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ التي أهداها له المقوقس من حَفْن من كورة أنصنا. والمدرة : واحدة المدر ، والعرب تسمي القرية : المدرة ، وأهل المدر : أهل القرى . والسحم : السود ، جمع أسحم ، وهو الشديد الأدمة ، وفوقه : الصحمة - بالصاد -. والجعاد : المتكسرو الشعور ، وهذه أوصاف أهل صعيد مصر غالبًا ، وقد تقدَّم ذكر هاجر. والفرما : قرية من عمل صعيد مصر ، سميت باسم بانيها ، وهو الفرما بن قليقس ، ويقال : ابن قليس ، ومعناه : محب الغرس ،