هذا فائدة عظيمة تجعل المتعلم تتولد لديه قناعات في نفسه، يكون هو مشاركاً في تأسيسها وتعميقها، وبالتالي تؤثر هذه القناعات في سلوكه وحياته، لإحساسه أنه اشترك في صُنعها، فتجده أشد الناس التزاماً بها، وإذاعةً لها، وذوداً عنها، فيتحول المتعلم إلى عنصر دعوة وإرشاد وإصلاح بين أهله ومعارفه.
وهذا كله يحتاج إلى معلِّم فَطِنٍ حَذِق يفهم ويعي دوره في القضية.
الصفة العاشرة: معلِّمٌ ومتعلِّمٌ في الوقت نفسه
المعلم الرساليُّ لا ينقطع عن طلب العلم والسؤال عنه مهما بلغ الغاية فيه؛ إذ لا غاية في العلم، ولا شبع منه: ﴿.. وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (114) سورة طه، ﴿.. وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (85) سورة الإسراء، وقَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ: قِيلَ لِابْنِ الْمُبَارَكِ ، إِلَى مَتَى تَطْلُبُ الْعِلْمَ ؟ قَالَ : " حَتَّى الْمَمَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ " وَقِيلَ لَهُ مَرَّةً أُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ : " لَعَلَّ الْكَلِمَةَ الَّتِي تَنْفَعُنِي لَمْ أَكْتُبْهَا بَعْدُ " (1)
وقَالَ ابْنُ مَنَاذِرَ: " سَأَلْتُ أَبَا عَمْرِو بْنَ الْعَلَاءِ حَتَّى مَتَى يَحْسُنُ بِالْمَرْءِ أَنْ يَتَعَلَّمَ ؟ فَقَالَ : " مَا دَامَ تَحْسُنُ بِهِ الْحَيَاةُ " وَمِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الْكِتَابِ سُئِلَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ " مَنْ أَحْوَجُ النَّاسِ إِلَى طَلَبِ الْعِلْمِ ؟ قَالَ : أَعْلَمُهُمْ ، إِنَّ الْخَطَأَ مِنْهُ أَقْبَحُ " وَقَالَ مَنْصُورُ بْنُ الْمَهْدِيِّ لِلْمَأْمُونِ : أَيَحْسُنُ بِالشَّيْخِ أَنْ يَتَعَلَّمَ ؟ فَقَالَ : " إِنْ كَانَ الْجَهْلُ يَعِيبُهُ فَالتَّعَلُّمُ يَحْسُنُ بِهِ " (2)
فالعلم يتطور ويتقدم فيحتاج إلى الرصد والمتابعة، فالعلم بالتعلم، ﴿.. وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (76) سورة يوسف، ولا حياء في طلب العلم، كيف وقد ضرب لنا أحد أولي العزم من الرسل، كليم الله موسى، المثل الأعلى في ذلك وهو يطلب علم الخضر ويصحبه فيه وهو الأعلى منه في المنزلة ولا ريب، فعَنْ أَيُّوبَ قَالَ : " إِنَّكَ لَا تَعْرِفُ خَطَأَ مُعَلِّمِكَ حَتَّى تُجَالِسَ غَيْرَهُ " وَقَالَ قَتَادَةُ : " لَوْ كَانَ أَحَدٌ يَكْتَفِي مِنَ الْعِلْمِ بِشَيْءٍ لَاكْتَفَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَكِنَّهُ قَالَ : هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا " (3) .
(1) - جَامِعُ بَيَانِ الْعِلْمِ(438)
(2) - جَامِعُ بَيَانِ الْعِلْمِ (439)
(3) - جَامِعُ بَيَانِ الْعِلْمِ (455 )