9- التحذير من جيل التيه :
إن الله تعالى خلق الخلق لحكمة بالغة وهي تحقيق العبودية ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاْلإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون ﴾[الذاريات : 56]، وتتجلى هذه العبودية في الخضوع الشامل لإرادته والطاعة التامة لأوامره ونواهيه، وهذا هو المفهوم الصحيح للعبادة، كما عرفه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعدي بن حاتم الطائي في تفسير قوله تعالى ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ﴾ [التوبة : 31].[راجع كتب السيرة في إسلام عدي بن حاتم رضي الله عنه].
ولأجل هذه الغاية العظمى بعث الله الرسل واستخلف أمماً وسخَّر لها ما في السماوات وما في الأرض، وهو دليل على أن لا شيء أعظم قيمة عند الله من هذه الغاية، فحق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، فهو لا يرضى لعباده الكفر، وهو أغنى الشركاء عن الشرك، ومن هنا تأتي عملية الاستبدال - التي تعني في الصميم - غضب الله وانتقامه من الفرد أو الجماعة أو الأمة التي أشركت مع الله، ليحل محلهم فرد أو جماعة أو أمة أخرى لتحقيق حق الله عليهم.
فسنة الله لا تحابي أحداً في هذا المجال ﴿ لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ﴾ [النساء : 123] ، فالكثير من الأفراد والأقوام والأمم استبدلها الله تعالى حينما حادت عن نهجه وكذبت رسله، بالرغم من قرابتها من هؤلاء الأنبياء والرسل. (1)
هناك مراحل أو محطات عديدة يمر بها الفرد أو الجماعة قبل الوصول إلى المحطة النهائية وهي عملية الاستبدال، أهمها :
الإمهال قبل غضب الله :
من رحمة الله تعالى على عباده، ورغبة منه سبحانه في دخول العبد في طاعته والفوز برضاه وثوابه، يمنح وقتاً وفرصاً إضافية لعل هؤلاء العبيد يراجعون فيها أنفسهم ويعودون لمزاولة واجباتهم، فيغدق الله تعالى عليهم نعمه ظاهرة وباطنة تارة، أو يفتنهم بنقص في هذه النعم تارة أخرى ﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَة ﴾، لعلهم يرجعون، فمن العباد من يتعظ ويحسن استغلال هذه الفرص، فيعود إلى طاعة الله تعالى والقيام بما أمره به، ومنهم من يتمادى في غيه وفساده، ويحسب أن هذا الإمهال الرباني هو دليل على أنه في منأى من عذاب الله وغضبه ﴿ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنْقَلَباً ﴾ [الكهف 35- 36].
(1) - مثال نوح عليه السلام مع ابنه وزوجته، ومثال قوم هود وصالح، ومثال أمة بني إسرائيل مع موسى.