الدنيا والآخرة جميعا ، وأقامهم فى هذه الدنيا مقاما كريما ، وجعل كلمتهم العليا ، وكلمة الذين كفروا هى السفلى!
فليس المراد بقوله تعالى : « وَهُمْ صاغِرُونَ » تحريضا للمسلمين على امتهان أهل الذمة وإذلالهم ، بقدر ما هو تحريض للمسلمين على اكتساب القوة والاحتفاظ ، بها حتى لا يكونوا يوما فى هذا المنزل الذليل المهين ، الذي ينزله المغلوب على أمره بها ، النازل على حكم غالبه .. فهذا هو واقع الحياة ، وتلك هى سنة اللّه فى خلقه .. الغالب متحكم متسلط ، والمغلوب مقهور مهين .. وإذا كان هناك من المبادئ الخلقية ، أو المواضعات السياسية ، ما يخفف من هذا المبدأ العامل فى الحياة ، فإن سماحة الإسلام ، وإنسانية شريعته ، قد كان لهما فى هذا الباب ما لا يمكن أن يلحق بغباره القوانين الدولية ، أو المنظمات الإنسانية .. ذلك أن دعوة الإسلام إلى التسامح ، والرفق ، والإخاء ، دعوة مشدودة إلى ضمير الإنسان ، موصوله بإيمانه باللّه ، بحيث لا يكمل إيمانه إلا بها .. أما ما تحمله القوانين الدولية ، وما تنادى به المنظمات الإنسانية ، فلا يعدو أن يكون مجرد نصائح ووصايا ، تخاطب أذن الإنسان ، دون أن تبلغ مواطن الإدراك ، أو الوجدان منه.
فالقوة التي يملك بها المسلمون مصائر الأمور فى الناس ، قوة رحيمة ، عادلة .. ومن الخير للناس جميعا ، أن تنمو هذه القوة ، وأن يمتد سلطانها .. فحيث كانت فهي بر ورحمة ، فإذا صارت تلك القوة إلى يد غير مؤمنة باللّه ، آخذة بشريعته ، كانت قوّة ظالمة غشوما ، تطلع على الناس كما تطلع العواصف العاتية ، لا تذر من شىء أتت عليه إلا جعلته كالرميم.
هذا وكثير من الفقهاء والمفسّرين على أن قوله تعالى : « قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ .. الآية » هو أمر ملزم للمسلمين بقتال غير المسلمين ، قتالاً عاما ، فى أي حال يجد فيها المسلمون قدرة على القتال. بمعنى أنهم يكونون فى حرب دائمة مع غير المسلمين ، حتى يدخلوا فى الإسلام ، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون .. على الوجه الذي أشرنا إليه .." (1)
وفي التفسير الواضح : " يا أيها المسلمون قاتلوا الذين تجمعت فيهم صفات أربع ، هي سبب عداوتهم للإسلام ، وكراهيتهم لكم ، ووضعهم العراقيل في طريق الدعوة ، وتركهم مستقلين يجعلهم يغيرون على أطراف المملكة الإسلامية ويؤلبون العرب كما فعل اليهود في المدينة وما حولها ، وكما تفعل نصارى الروم في حدود بلاد العرب كما سيأتي في غزوة تبوك ، وهاك صفاتهم :
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (5 / 733)