تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يؤدون الجزية ، ولتحريك الرغبة فيهم إلى الخلاص من هذا الوضع المشين ، وذلك بمراجعة معتقدهم .. من جهة ، والنظر فى وجه الدعوة التي يدعوهم الإسلام إليها .. من جهة أخرى .. وهذا إن فعلوه فإنه لا بد أن يصحح عقيدتهم ، ويفتح عقولهم وقلوبهم للدين الحق ، دين اللّه ، دين الإسلام.

وهذا هو السرّ فى الإبقاء على أهل الكتاب حين يقعون بيد المسلمين ، وصيانة دمهم من القتل ، وقبول الدّية منهم .. فإن هذا التدبير إنما غايته هو وضع أهل الكتاب فى هذا الامتحان ، وتلك التجربة .. ولقد أثمر هذا الامتحان ونجحت تلك التجربة ، فإنه ما من أحد من أهل الكتاب ، دخل فى هذا الامتحان وعاش تلك التجربة ، وأخذ مكانه مع المسلمين على هذا الوضع ، حتى وجد الفرصة سانحة ، والوقت متسعا ، للبحث والنظر فى معتقده ، والمعتقد الذي يدعَى إليه .. وكان من هذا أن دخل فى الإسلام ، وآمن به عن اختيار واقتناع ..

ومن بقي على دينه من أهل الكتاب ـ وهم قلة شاذة ـ فقد كانت آفة ذلك إلى تعصب أعمى ، وانقياد لهوى جامح ، لا يمسكه عقل ، ولا يردّه رأى!

فلم تكن الجزية التي فرضها الإسلام على أهل الكتاب ضربا من التحكم ، ولا نزعة من نزعات القهر والتسلط ، وإنما هي ـ كما رأينا ـ دعوة حكيمة من دعوات الإسلام إلى الإيمان باللّه ، وأسلوب من أساليبه المحكمة ، فى فتح الأبصار المغلقة ، إلى النور ، ولفت العقول الشاردة ، إلى الهدى ، وإيقاظ القلوب الغافية ، لاستقبال آيات اللّه وكلماته ..

ولو كان من شأن الإسلام التسلط والقهر ، والعدوان والبغي ، لأخذ أهل الكتاب الذين وقعوا بيده ، ونزلوا على حكمه ، بما أخذ به الكافرين والمشركين ، ولما قبل منهم إلّا الإيمان أو القتل ، ولما استبقاهم ابتغاء إصلاحهم ، وشفائهم ممّا ألمّ بهم ، من زيغ فى العقيدة ، وضلال فى الدين ..

فالجزية التي فرضها الإسلام على أهل الكتاب ، هي دواء لداء ، واستطباب لعلّة ، وعملية جراحيّة لاستئصال مرض قاتل .. وإنه لا بأس من أن يكون الدواء مرّا ، إذا أثمر ثمرته فى شفاء الداء.

وفى قوله تعالى : « حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ » إشارة إلى علوّ يد المسلمين ، وتمكنهم من عدوّهم ، بما لهم من بأس ، وقوة ..وهذا يعني أن يحتفظ المسلمون دائما بتلك القوة التي مكّنت لهم ، وإلا كان عليهم أن ينزلوا عن هذه المنزلة التي هم فيها ، فإنهم إن لم ينزلوا عنها طائعين ، نزلوا عنها مكرهين .. بل وربما تحولت الحال ، فكانوا تحت يد من كانوا تحت يدهم!

فالمراد باليد هنا ، القوة والقدرة ، التي يعلو بها المسلمون على غيرهم.والقوة التي يعتمد عليها المسلمون ، تقوم دعائمها أولا وقبل كل شىء ، على الإيمان باللّه ، وامتثال أوامره ، واجتناب نواهيه .. فإذا حقق المسلمون حقيقة الإيمان فى قلوبهم ، مكّن اللّه لهم من كل أسباب العزة ، والقوّة ، وملأ أيديهم من خير

الخلاصة في فضائل الجهاد في سبيل الله · الصفحة ٤٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في فضائل الجهاد في سبيل اللهص ٤٢٨