تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

, قَالَ أَصْحَابُنَا رحمهم الله: وَلَفْظُ الشَّهَادَةِ الْوَارِدَةِ فِيهِ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُمْ شُهَدَاءُ فِي ثَوَابِ الْآخِرَةِ لَا فِي تَرْكِ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الشُّهَدَاءَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: (أَحَدُهَا): شَهِيدٌ فِي حُكْمِ الدُّنْيَا , وَهُوَ تَرْكُ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ , وَفِي حُكْمِ الْآخِرَةِ بِمَعْنَى أَنَّ لَهُ ثَوَابًا خَاصًّا , وَهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ , وَهَذَا هُوَ الَّذِي مَاتَ بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ قِتَالِ الْكُفَّارِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ وَسَبَقَ تَفْصِيلُهُ (وَالثَّانِي): شَهِيدٌ فِي الْآخِرَةِ دُونَ الدُّنْيَا , وَهُوَ الْمَبْطُونُ وَالْمَطْعُونُ وَالْغَرِيقُ وَأَشْبَاهُهُمْ (وَالثَّالِثُ): شَهِيدٌ فِي الدُّنْيَا دُونَ الْآخِرَةِ , وَهُوَ الْمَقْتُولُ فِي حَرْبِ الْكُفَّارِ , وَقَدْ غَلَّ مِنْ الْغَنِيمَةِ , أَوْ قُتِلَ مُدْبِرًا , أَوْ قَاتَلَ رِيَاءً , وَنَحْوُهُ فَلَهُ حُكْمُ الشُّهَدَاءِ فِي الدُّنْيَا دُونَ الْآخِرَةِ , وَالدَّلِيلُ , لِلْقِسْمِ الثَّانِي أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا رضي الله عنهم غُسِّلُوا وَصُلِّيَ عَلَيْهِمْ بِالِاتِّفَاقِ , وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُمْ شُهَدَاءُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(الْعَاشِرَةُ): فِي حِكْمَةِ تَرْكِ غُسْلِ الشَّهِيدِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ.

قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: لَعَلَّ تَرْكَ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ لَأَنْ يَلْقَوْا اللَّهَ بِكُلُومِهِمْ , لِمَا جَاءَ أَنَّ رِيحَ دَمِهِمْ رِيحُ الْمِسْكِ ; وَاسْتَغْنَوْا بِإِكْرَامِ اللَّهِ لَهُمْ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ , مَعَ التَّخْفِيفِ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ , لِمَا يَكُونُ فِيمَنْ قَاتَلَ فِي الزَّحْفِ مِنْ الْجِرَاحَاتِ , وَخَوْفِ عَوْدَةِ الْعَدُوِّ , وَرَجَاءِ طَلَبِهِمْ وَهَمِّهِمْ بِأَهْلِهِمْ , وَهَمِّ أَهْلِيهِمْ بِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

(فَرْعٌ) (فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي غُسْلِ الشَّهِيدِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ)

قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا تَحْرِيمُهَا , وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ , وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَالنَّخَعِيِّ وَسُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ وَالْحَاكِمِ وَحَمَّادٍ وَاللَّيْثِ وَمَالِكٍ وَتَابِعِيهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ , وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْمُزَنِيُّ: يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يُغَسَّلُ. وَاحْتُجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِأَحَادِيثَ أَنَّ ﴿النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ , وَصَلَّى عَلَى حَمْزَةَ صَلَوَاتٍ﴾. (وَمِنْهَا) رِوَايَةُ أَبِي مَالِكٍ الْغِفَارِيِّ رضي الله عنه أَنَّ ﴿النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ: عَشَرَةً عَشَرَةً فِي كُلِّ عَشَرَةٍ حَمْزَةُ حَتَّى صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعِينَ صَلَاةً﴾ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ. وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِي ﴿أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَابِ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ , وَفِيهِ أَنَّهُ اُسْتُشْهِدَ فَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم﴾ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ , وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه أَنَّ ﴿النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ فَصَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ﴾ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ , وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ صَلَّى عَلَيْهِمْ بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ {النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ فِي قَتْلَى أُحُدٍ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ

الخلاصة في أحكام الشهيد · الصفحة ٣١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في أحكام الشهيدص ٣١٥