قَالَ عُمَرُ: " لَسْت بِخَيْرِ النَّاسِ , إظْهَارًا لِلتَّوَاضُعِ , فَقَدْ كَانَ هُوَ خَيْرَ النَّاسِ فِي أَيَّامِ خِلَافَتِهِ بَعْدَ وَفَاةِ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه. وَهُوَ نَظِيرُ مَا يُرْوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي حَالِ خِلَافَتِهِ: أَقِيلُونِي فَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ. وَقَدْ كَانَ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وَإِنَّمَا جَعَلَ عُمَرُ رضي الله عنه صَاحِبَ الصِّرْمَةِ خَيْرِ النَّاسِ لِأَنَّهُ بَذَلَ مِنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَخَيْرُ النَّاسِ مَنْ نَفَعَ النَّاسَ. وَقَدْ قَالَ عليه السلام: ﴿خَيْرُ النَّاسِ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ (22 آ) فِي سَبِيلِ اللَّهِ سَمِعَ هَيْعَةً طَارَ إلَيْهَا﴾. ثُمَّ قَالَ الرَّجُلُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنِّي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ , وَإِنِّي أَجْفُو عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ الْعِلْمِ , فَعَلِّمْنِي مِمَّا عَلَّمَك رَسُولُ اللَّهِ: فَقَالَ عُمَرُ: أَلَيْسَ تَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: بَلَى قَالَ: وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ وَتَحُجُّ الْبَيْتَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: عَلَيْك بِالْعَلَانِيَةِ وَإِيَّاكَ وَالسِّرَّ. عَلَيْك بِكُلِّ عَمَلٍ إذَا اُطُّلِعَ عَلَيْهِ مِنْك لَمْ يَفْضَحْك , وَإِيَّاكَ وَكُلَّ عَمَلٍ إذَا اُطُّلِعَ عَلَيْهِ مِنْك شَانَكَ وَفَضَحَك. قَوْلُهُ: " أَجْفُو عَنْ أَشْيَاءَ ; أَيْ أَجْهَلُ - وَلِهَذَا سُمِّيَ الَّذِينَ يَسْكُنُونَ الْقُرَى وَالْمَفَاوِزَ أَهْلَ الْجَفَاءِ ; لِغَلَبَةِ الْجَهْلِ عَلَيْهِمْ. فَبَيَّنَ لَهُ عُمَرُ رضي الله عنه مِمَّا ذَكَرَهُ أَنَّهُ عَالِمٌ وَلَيْسَ بِجَاهِلٍ]. فَكَأَنَّهُ اعْتَمَدَ قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ﴾ وَالْمُرَادُ الْمُومِنُونَ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: " عَلَيْك بِالْعَلَانِيَةِ " , أَيْ بِسُلُوكِ الطَّرِيقِ الْجَادَّةِ , وَهُوَ مَا عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ , وَالتَّجَنُّبِ عَنْ الْمَذَاهِبِ الْبَاطِلَةِ , وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ عليه السلام: ﴿عَلَيْكُمْ بِدِينِ الْعَجَائِزِ﴾. وَالسِّرُّ: مَا لَا يَعْرِفُهُ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ عَلَيْك فِي الصُّحْبَةِ مَعَ النَّاسِ بِاتِّبَاعِ الْعَلَانِيَةِ وَالِاكْتِفَاءِ بِمَا يَظْهَرُ لَك مِنْ حَالِهِمْ , وَعَلَيْك فِي مُعَامَلَةِ نَفْسِك بِكُلِّ عَمَلٍ إذَا اُطُّلِعَ عَلَيْهِ مِنْك لَمْ يُشِنْكَ , يَعْنِي لَا تَكُونُ سَرِيرَتُك مُخَالِفَةً لِعَلَانِيَتِك , وَمَا كُنْت تَمْتَنِعُ مِنْهُ إذَا كُنْت مَعَ النَّاسِ اسْتِحْيَاءً مِنْهُمْ فَامْتَنَعَ مِنْهُ إذْ خَلَوْت اسْتِحْيَاءً مِنْ اللَّهِ تَعَالَى. وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ شَانَهُ اللَّهُ وَفَضَحَهُ.
32 - خَتَمَ مُحَمَّدٌ رحمه الله الْبَابَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ﴿مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا مَاتَ شَهِيدًا﴾. يَعْنِي لَهُ مِنْ الثَّوَابِ مَا لِلشَّهِيدِ لِأَنَّهُ بَذَلَ نَفْسَهُ لِابْتِغَاءِ مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى , صَابِرًا عَلَى الْمُرَابَطَةِ حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِينُ. وَاَللَّهُ الْمُعِينُ.
15 - بَابُ مَنْ قَاتَلَ فَأَصَابَ نَفْسَهُ (1)
95 - وَذَكَرَ عَنْ مَكْحُولٍ {أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَنَاوَلَ رَجُلًا مِنْ الْعَدُوِّ لِيَضْرِبَهُ فَأَخْطَأَ فَأَصَابَ رِجْلَهُ فَنَزَفَ حَتَّى مَاتَ. فَصَلَّى
(1) - السير الكبير - (ج 1 / ص 102) وشرح السير الكبير - (ج 1 / ص 112)