تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فِيهِ بَيَانُ عُلُوِّ دَرَجَةِ الشُّهَدَاءِ وَالشَّهَادَةِ حَيْثُ جَعَلَ اللَّهُ [الشَّهَادَةَ] سَبَبًا لِتَمْحِيصِ الْخَطَايَا. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَنْ اُسْتُشْهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَوَّلُ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِنْ دَمِهِ تُغْفَرُ لَهُ جَمِيعُ ذُنُوبِهِ , وَبِالْقَطْرَةِ الثَّانِيَةِ يُكْسَى حُلَّةَ الْكَرَامَةِ , وَبِالْقَطْرَةِ الثَّالِثَةِ يُزَوَّجُ الْحُورَ الْعِينَ﴾. وَهُوَ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ: ﴿السَّيْفُ مَحَّاءٌ لِلذُّنُوبِ إلَّا الدَّيْنَ﴾ وَمِنْ عُلُوِّ حَالِ الشُّهَدَاءِ مَا ﴿قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عليه السلام يَوْمَ أُحُدٍ إنَّ اللَّهَ جَعَلَ أَرْوَاحَ مَنْ اُسْتُشْهِدَ مِنْ إخْوَانِكُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ , وَتَاكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا , ثُمَّ تَاوِي إلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ. فَلَمَّا أَصَابُوا طِيبَ مَاكَلِهِمْ وَمَشْرَبِهِمْ قَالُوا: (19 أ) لَيْتَ إخْوَانَنَا يَعْلَمُونَ مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَجِدُّونَ فِي الْجِهَادِ. فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إنِّي مُبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ﴾. وَهُوَ تَاوِيلُ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾. ثُمَّ هَذِهِ الدَّرَجَةُ لِلشَّهِيدِ إذَا كَانَ رَاغِبًا فِيهَا وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ مُحْتَسِبًا صَابِرًا مُقْبِلًا. ثُمَّ فِي الْحَدِيثِ بَيَانُ شِدَّةِ الْأَمْرِ فِي مَظَالِمِ الْعِبَادِ. فَإِنَّهُ مَعَ هَذِهِ الدَّرَجَةِ لِلشَّهِيدِ بَيَّنَ أَنَّهُ مُطَالَبٌ بِالدَّيْنِ , وَأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ عَنْ وَحْيٍ فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿كَمَا زَعَمَ جِبْرِيلُ عليه السلام﴾ لِيُعْلِمَ كُلَّ أَحَدٍ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ طَلَبِ رِضَا الْخَصْمِ. وَقِيلَ: هَذَا كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ حِينَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عليه السلام عَنْ الِاسْتِدَانَةِ لِقِلَّةِ ذَاتِ يَدِهِمْ لِعَجْزِهِمْ عَنْ قَضَائِهِ. وَلِهَذَا كَانَ لَا يُصَلِّي عَلَى مَيِّتٍ مَدْيُونٍ لَمْ يَخْلُفْ مَا لَا يَقْضِي بِهِ دَيْنَهُ , ثُمَّ انْتَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عليه السلام: ﴿مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ , وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا أَوْ عِيَالًا فَهُوَ عَلَيَّ﴾. وَقَدْ وَرَدَ نَظِيرُ هَذَا فِي الْحَجِّ , ﴿أَنَّ النَّبِيَّ عليه السلام دَعَا لِأُمَّتِهِ بِعَرَفَاتٍ فَاسْتُجِيبَ لَهُ إلَّا الْمَظَالِمَ فِيمَا بَيْنَهُمْ. ثُمَّ دَعَا بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ صَبِيحَةَ الْجَمْعِ , فَاسْتُجِيبَ لَهُ حَتَّى الْمَظَالِمَ. وَنَزَلَ جِبْرِيلُ عليه السلام يُخْبِرُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْضِي عَنْ بَعْضِهِمْ حَقَّ بَعْضٍ﴾. فَلَا يَبْعُدُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الشَّهِيدِ الْمَدْيُونِ. فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا إنَّهُ دَخَلَ فِيهِ بَعْضُ الْيُسْرِ.

17 - وَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ﴿أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ عليه السلام فَقَالَ: رَجُلٌ يُرِيدُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ , وَهُوَ يُرِيدُ عَرَضَ الدُّنْيَا. فَقَالَ عليه السلام: لَا أَجْرَ لَهُ فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ , فَقَالُوا لِلرَّجُلِ: عُدْ لِرَسُولِ اللَّهِ لَعَلَّكَ لَمْ تُفْقِهْهُ , أَيْ لَمْ تُفْهِمْهُ. فَقَالَ: رَجُلٌ يُرِيدُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ , وَهُوَ يَبْتَغِي عَرَضَ الدُّنْيَا. فَقَالَ: لَا أَجْرَ لَهُ ثُمَّ أَعَادَ ثَالِثًا , فَقَالَ: لَا أَجْرَ لَهُ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَاسَ لِلسَّائِلِ أَنْ يُكَرِّرَ السُّؤَالَ , وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُجِيبِ أَنْ يَضْجَرَ مِنْ ذَلِكَ , فَرَسُولُ اللَّهِ عليه السلام لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ تَكْرَارَ السُّؤَالِ , وَالصَّحَابَةُ أَمَرُوهُ بِالْإِعَادَةِ مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا مُعَظِّمِينَ لَهُ , وَكَانُوا لَا يُمَكِّنُونَ أَحَدًا فِي تَرْكِ تَعْظِيمِهِ , فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي إعَادَةِ السُّؤَالِ تَرْكُ

الخلاصة في أحكام الشهيد · الصفحة ٢٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في أحكام الشهيدص ٢٨٠