المبحث الثالث - يَجِبُ اتِّبَاعُ مَا سَنَّهُ أَئِمَّةُ السَّلَفِ مِنَ الْإِجْمَاعِ وَالْخِلَافِ(1)
قال الخطيب البغدادي : "بَابُ الْقَوْلِ فِي أَنَّهُ يَجِبُ اتِّبَاعُ مَا سَنَّهُ أَئِمَّةُ السَّلَفِ مِنَ الْإِجْمَاعِ وَالْخِلَافِ , وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَنهُ إِذَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى قَوْلَيْنِ , وَانْقَرَضَ الْعَصْرُ عَلَيْهِ , لَمْ يَجُزْ لِلتَّابِعِينَ أَنَّ يَتَّفِقُوا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ , فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَمْ يَزُلْ خِلَافُ الصَّحَابَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعَتْ عَلَى جَوَازِ الْأَخْذِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَوْلَيْنِ , وَعَلَى بُطْلَانِ مَا عَدَا ذَلِكَ , فَإِذَا صَارَ التَّابِعُونَ إِلَى الْقَوْلِ بِتَحْرِيمِ أَحَدِهِمَا , لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ , وَكَانَ خَرْقًا لِلْإِجْمَاعِ , وَهَذَا بِمَثَابَةِ مَا لَوِ اخْتَلَفَتِ الصَّحَابَةُ فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى قَوْلَيْنِ , وَانْقَرَضَ الْعَصْرُ عَلَيْهِ , فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلتَّابِعِينَ إِحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ , لِأَنَّ اخْتِلَافَهُمْ عَلَى قَوْلَيْنِ إِجْمَاعٌ عَلَى إِبْطَالِ كُلِّ قَوْلٍ سِوَاهُمَا , كَمَا أَنَّ إِجْمَاعَهُمْ عَلَى قَوْلٍ إِجْمَاعٌ عَلَى إِبْطَالِ كُلِّ قَوْلٍ سِوَاهُ , فَكَمَا لَمْ يَجُزْ إِحْدَاثُ قَوْلٍ ثَانٍ فِيمَا أَجْمَعُوا فِيهِ عَلَى قَوْلٍ لَمْ يَجُزْ إِحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ فِيمَا أَجْمَعُوا فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ
وعَن عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , قَالَ : " سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَولَاةُ الْأَمْرِ بَعْدَهُ سُنَنًا , الْأَخْذُ بِهَا تَصْدِيقٌ لِكِتَابِ اللَّهِ , وَاسْتِكْمَالٌ لِطَاعَتِهِ , وَقُوَّةٌ عَلَى دِينِ اللَّهِ , لَيْسَ لِأَحَدٍ تَغْيِيرُهَا وَلَا تَبْدِيلُهَا , وَلَا النَّظَرُ فِي رَأْيِ مَن خَالَفَهَا , فَمَنِ اقْتَدَى بِمَا سُنُّوا اهْتَدَى , وَمَنِ اسْتَبْصَرَ بِهَا تَبَصَّرَ , وَمَن خَالَفَهَا وَاتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَّاهُ اللَّهُ مَا تَوَلَّى , وَأَصْلَاهُ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا " ( فين انقطاع)
وعَن عُثْمَانَ بْنِ حَاضِرٍ الْأَزْدِيِّ , قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ : أَوْصِنِي , فَقَالَ : " عَلَيْكَ بِالِاسْتِقَامَةِ , اتَّبِعْ وَلَا تَبْتَدِعْ "(2)
وقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ , يَقُولُ : " إِذَا كَانَ يَأْتَمُّ بِمَن قَبْلَهُ فَهُوَ إِمَامٌ لِمَن بَعْدَهُ"
ــــــــــــــــ
(1) - الفقيه والمتفقه - (ج 1 / ص 435)-باب القول في انه يجب اتباع ما سنّه أئمة السلف
(2) - فيه ضعف ، تبدَّع الشيء : أَنشأَه وبدأَه أو أحدثه واخترعه والمراد هنا : الحدث في الدين بعد الإكمال