تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المبحث الثاني- هل المصيبُ واحد في المسائل الخلافية؟

"أَمَّا السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَالْجُمْهُورُ فَيَقُولُونَ : بَلِ الْأَمَارَاتُ بَعْضُهَا أَقْوَى مِن بَعْضٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَجْتَهِدَ وَيَطْلُبَ الْأَقْوَى فَإِذَا رَأَى دَلِيلًا أَقْوَى مِن غَيْرِهِ وَلَمْ يَرَ مَا يُعَارِضُهُ عَمِلَ بِهِ ،وَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا كَانَ فِي الْبَاطِنِ مَا هُوَ أَرْجَحُ مِنهُ كَانَ مُخْطِئًا مَعْذُورًا وَلَهُ أَجْرٌ عَلَى اجْتِهَادِهِ وَعَمَلِهِ بِمَا بُيِّنَ لَهُ رُجْحَانُهُ وَخَطَؤُهُ مَغْفُورٌ لَهُ وَذَلِكَ الْبَاطِنُ هُوَ الْحُكْمُ ؛ لَكِنْ بِشَرْطِ الْقُدْرَةِ عَلَى مَعْرِفَتِهِ ، فَمَن عَجَزَ عَن مَعْرِفَتِهِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِتَرْكِهِ . فَإِذَا أُرِيدَ بِالْخَطَأِ الْإِثْمُ فَلَيْسَ الْمُجْتَهِدُ بِمُخْطِئِ ؛ بَلْ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ مُطِيعٌ لِلَّهِ فَاعِلٌ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ وَإِذَا أُرِيدَ بِهِ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالْحَقِّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَالْمُصِيبُ وَاحِدٌ وَلَهُ أَجْرَانِ كَمَا فِي الْمُجْتَهِدِينَ فِي جِهَةِ الْكَعْبَةِ إذَا صَلَّوْا إلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ فَاَلَّذِي أَصَابَ الْكَعْبَةَ - وَاحِدٌ وَلَهُ أَجْرَانِ لِاجْتِهَادِهِ وَعَمَلِهِ - كَانَ أَكْمَلَ مِن غَيْرِهِ "والْمُؤْمِنُ الْقَوِىُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِى كُلٍّ خَيْرٌ "(1)وَمَن زَادَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَعَمَلًا زَادَهُ أَجْرًا بِمَا زَادَهُ مِن الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ قَالَ تَعَالَى : ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (83) سورة الأنعام ، قَالَ مَالِكٌ عَن زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بِالْعِلْمِ وَكَذَلِكَ قَالَ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ : ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاء أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (76) سورة يوسف . وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ جَمِيعَ الْمُجْتَهِدِينَ إنَّمَا قَالُوا بِعِلْمِ وَاتَّبَعُوا الْعِلْمَ وَأَنَّ " الْفِقْهَ " مِن أَجَلِّ الْعُلُومِ وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِن الَّذِينَ لَا يَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ لَكِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ يَكُونُ عِنْدَهُ عِلْمٌ لَيْسَ عِنْدَ الْآخَرِ ؛ إمَّا بِأَنْ سَمِعَ مَا لَمْ يَسْمَعْ الْآخَرُ وَإِمَّا بِأَنْ فَهِمَ مَا لَمْ يَفْهَمْ الْآخَرُ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79) [الأنبياء/78-80] ﴾(2). .

ولَفْظِ الْخَطَأِ قَدْ يُرَادُ بِهِ الْإِثْمُ ؛ وَقَدْ يُرَادُ بِهِ عَدَمُ الْعِلْمِ . فَإِنْ أُرِيدَ الْأَوَّلُ فَكُلُّ مُجْتَهِدٍ اتَّقَى اللَّهَ مَا اسْتَطَاعَ فَهُوَ مُصِيبٌ ؛ فَإِنَّهُ مُطِيعٌ لِلَّهِ لَيْسَ بِآثِمِ وَلَا مَذْمُومٍ . وَإِنْ أُرِيدَ الثَّانِي فَقَدْ يُخَصُّ بَعْضُ الْمُجْتَهِدِينَ بِعِلْمِ خَفِيَ عَلَى غَيْرِهِ ؛ وَيَكُونُ ذَلِكَ عِلْمًا بِحَقِيقَةِ الْأَمْرِ لَوْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ الْآخَرُ لَوَجَبَ عَلَيْهِ اتِّبَاعُهُ ؛ لَكِنْ سَقَطَ عَنهُ وُجُوبُ اتِّبَاعِهِ لِعَجْزِهِ عَنهُ وَلَهُ أَجْرٌ عَلَى اجْتِهَادِهِ وَلَكِنَّ الْوَاصِلَ إلَى الصَّوَابِ لَهُ أَجْرَانِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ : « إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ »(3).

وَلَفْظُ " الْخَطَأِ " يُسْتَعْمَلُ فِي الْعَمْدِ وَفِي غَيْرِ الْعَمْدِ قَالَ تَعَالَى : ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءًا كَبِيرًا﴾ (31) سورة الإسراء ،وَالْأَكْثَرُونَ يَقْرَءُونَ خِطْئًا عَلَى وَزْنِ رِدْءًا وَعِلْمًا . وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ ( خَطَأً )عَلَى وَزْنِ عَمَلًا كَلَفْظِ الْخَطَأِ فِي قَوْلِهِ : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا ..﴾ (92) سورة النساء. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ ( خِطَاءً عَلَى وَزْنِ هِجَاءً . وَقَرَأَ ابْنُ رَزِينٍ ( خَطَاءً ) عَلَى وَزْنِ شَرَابًا . وَقَرَأَ الْحَسَنُ وقتادة ( خطأ ) عَلَى وَزْنِ قَتْلًا . وَقَرَأَ الزُّهْرِيُّ ( خِطَا ) بِلَا هَمْزٍ عَلَى وَزْنِ عِدًى . قَالَ الْأَخْفَشُ : خَطَا يَخْطَأُ بِمَعْنَى : أَذْنَبَ وَلَيْسَ مَعْنَى أَخْطَأَ ؛ لِأَنَّ أَخْطَأَ فِي مَا لَمْ يَصْنَعْهُ عَمْدًا يَقُولُ فِيمَا أَتَيْته عَمْدًا خَطَّيْت ؛ وَفِيمَا لَمْ يَتَعَمَّدْهُ : أَخْطَأْت . وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ الْخَطَأُ : الْإِثْمُ يُقَالُ : قَدْ خَطَا يَخْطَأُ إذَا أَثِمَ وَأَخْطَأَ يُخْطِئُ إذَا فَارَقَ الصَّوَابَ . وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي قَوْلِهِ : ﴿قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ (91) سورة يوسف ،فَإِنَّ الْمُفَسِّرِينَ كَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ : قَالُوا لَمُذْنِبِينَ آثِمِينَ فِي أَمْرِك وَهُوَ كَمَا قَالُوا فَإِنَّهُمْ قَالُوا : ﴿قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ (97) سورة يوسف ،وَكَذَلِكَ قَالَ الْعَزِيزُ لِامْرَأَتِهِ : ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَن هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ ﴾ (29) سورة يوسف، قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : وَلِهَذَا اُخْتِيرَ خَاطِئِينَ عَلَى مُخْطِئِينَ وَإِنْ كَانَ أَخْطَأَ عَلَى أَلْسُنِ النَّاسِ أَكْثَرَ مِن خَطَا يُخْطِي ؛ لِأَنَّ مَعْنَى خَطَا يُخْطِي فَهُوَ خَاطِئٌ : آثِمٌ وَمَعْنَى أَخْطَأَ يُخْطِئُ : تَرَكَ الصَّوَابَ وَلَمْ يَأْثَمْ(4). قَالَ عِبَادُك يُخْطِئُونَ وَأَنْتَ رَبٌّ تَكْفُلُ الْمَنَايَا وَالْحُتُومَ وَقَالَ الْفَرَّاءُ : الْخَطَأُ : الْإِثْمُ الخطا والخطا وَالْخَطَاءُ مَمْدُودٌ . ثَلَاثُ اللُّغَاتٍ . قُلْت : يُقَالُ فِي الْعَمْدِ : خَطَأٌ كَمَا يُقَالُ فِي غَيْرِ الْعَمْدِ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ عَامِرٍ فَيُقَالُ لِغَيْرِ الْمُتَعَمِّدِ : أَخْطَأْت كَمَا يُقَالُ لَهُ : خَطَّيْت وَلَفْظُ الْخَطِيئَةِ مِن هَذَا . وَمِنهُ قَوْله تَعَالَى :﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا﴾ (25) سورة نوح ، وَقَوْلُ السَّحَرَةِ : ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (51) سورة الشعراء. وَمِنهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْإِلَهِيِّ : " يَا عِبَادِي إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ "(5)،وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أَبِي مُوسَى ؛ عَن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ : « اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى خَطِيئَتِى وَجَهْلِى وَإِسْرَافِى فِى أَمْرِى ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّى ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى هَزْلِى وَجِدِّى وَخَطَاىَ وَعَمْدِى ، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِى »(6).

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا كَبَّرَ فِى الصَّلاَةِ سَكَتَ هُنَيَّةً قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِى أَنْتَ وَأُمِّى أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ قَالَ :« أَقُولُ اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِى وَبَيْنَ خَطَايَاىَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ اللَّهُمَّ نَقِّنِى مِن خَطَايَاىَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ اللَّهُمَّ اغْسِلْنِى مِن خَطَايَاىَ بِالثَّلْجِ وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ »(7).

وَاَلَّذِينَ قَالُوا : كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَالْمُجْتَهِدُ لَا يَكُونُ عَلَى خَطَأٍ وَكَرِهُوا أَنْ يُقَالَ لِلْمُجْتَهِدِ : إنَّهُ أَخْطَأَ هُمْ وَكَثِيرٌ مِن الْعَامَّةِ يَكْرَهُ أَنْ يُقَالَ عَن إمَامٍ كَبِيرٍ : إنَّهُ أَخْطَأَ وَقَوْلُهُ أَخْطَأَ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُسْتَعْمَلُ فِي الذَّنْبِ كَقِرَاءَةِ ابْنِ عَامِرٍ : إنَّهُ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا وَلِأَنَّهُ يُقَالُ فِي الْعَامِدِ : أَخْطَأَ يُخْطِئُ كَمَا قَالَ الله في الحديث القدسي: " يَا عِبَادِي إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرُ لَكُمْ "(8)فَصَارَ لَفْظُ الْخَطَأِ وَأَخْطَأَ قَدْ يَتَنَاوَلُ النَّوْعَيْنِ كَمَا يَخُصُّ غَيْرَ الْعَامِلِ، وَأَمَّا لَفْظُ الْخَطِيئَةِ فَلَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي الْإِثْمِ . وَالْمَشْهُورُ أَنَّ لَفْظَ الْخَطَأِ يُفَارِقُ الْعَمْدَ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً [النساء/92] ﴾ الْآيَةَ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ : ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93) ﴾ [النساء/93، 94] .

وَقَدْ بَيَّنَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الْخَطَأَ يَنْقَسِمُ إلَى خَطَأٍ فِي الْفِعْلِ ؛ وَإِلَى خَطَأٍ فِي الْقَصْدِ . فَالْأَوَّلُ : أَنْ يَقْصِدَ الرَّمْيَ إلَى مَا يَجُوزُ رَمْيُهُ مِن صَيْدٍ وَهَدَفٍ فَيُخْطِئَ بِهَا وَهَذَا فِيهِ الْكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ . وَالثَّانِي : أَنْ يُخْطِئَ فِي قَصْدِهِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ ؛ كَمَا أَخْطَأَ هُنَاكَ لِضَعْفِ الْقُوَّةِ وَهُوَ أَنْ يَرْمِيَ مَن يَعْتَقِدُهُ مُبَاحَ الدَّمِ وَيَكُونُ مَعْصُومَ الدَّمِ كَمَنَ قَتَلَ رَجُلًا فِي صُفُوفِ الْكُفَّارِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا وَالْخَطَأُ فِي الْعِلْمِ هُوَ مِن هَذَا النَّوْعِ ؛ وَلِهَذَا قِيلَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ : إنَّهُ لَا دِيَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ . وَأَيْضًا فَقَدْ قَالَ تَعَالَى : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ [الأحزاب/5] }، فَفَرَّقَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ وَقَالَ تَعَالَى : ﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة/286] ﴾ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : " قَدْ فَعَلْت "(9). فَلَفْظُ الْخَطَأِ وَأَخْطَأَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَتَنَاوَلُ غَيْرَ الْعَامِدِ وَإِذَا ذَكَرَ مَعَ النِّسْيَانِ أَوْ ذَكَرَ فِي مُقَابَلَةِ الْعَامِدِ كَانَ نَصًّا فِيهِ ،وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَعَ الْقَرِينَةِ الْعَمْدُ أَوْ الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ جَمِيعًا كَمَا فِي قِرَاءَةِ ابْنِ عَامِرٍ ؛ وَفِي الْحَدِيثِ الْإِلَهِيِّ - إنْ كَانَ لَفْظُهُ كَمَا يَرْوِيهِ عَامَّةُ الْمُحَدِّثِينَ - " تُخْطِئُونَ " بِالضَّمِّ . وَأَمَّا اسْمُ الْخَاطِئِ فَلَمْ يَجِئْ فِي الْقُرْآنِ إلَّا لِلْإِثْمِ بِمَعْنَى الْخَطِيئَةِ كَقَوْلِهِ : ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَن هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ ﴾ (29) سورة يوسف، وَقَوْلِهِ : ﴿قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ (91) سورة يوسف، وَقَوْلِهِ : ﴿قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ (97) سورة يوسف ، وَقَوْلِهِ : ﴿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِؤُونَ﴾ (37) سورة الحاقة .

وَإِذَا تَبَيَّنَ هَذَا فَكُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ غَيْرُ خَاطِئٍ وَغَيْرُ مُخْطِئٍ أَيْضًا إذَا أُرِيدَ بِالْخَطَأِ الْإِثْمُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ عَامِرٍ ،وَلَا يَكُونُ مِن مُجْتَهِدٍ خَطَأٌ وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَرَادَهُ مَن قَالَ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَقَالُوا : الْخَطَأُ وَالْإِثْمُ مُتَلَازِمَانِ فَعِنْدَهُمْ لَفْظُ الْخَطَأِ كَلَفْظِ الْخَطِيئَةِ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ عَامِرٍ، وَهُمْ يُسَلِّمُونَ أَنَّهُ يَخْفَى عَلَيْهِ بَعْضُ الْعِلْمِ الَّذِي عَجَزَ عَنهُ، لَكِنْ لَا يُسَمُّونَهُ خَطَأً ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ ،وَقَدْ يُسَمُّونَهُ خَطَأً إضَافِيًّا بِمَعْنَى : أَنَّهُ أَخْطَأَ شَيْئًا لَوْ عَلِمَهُ لَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَتْبَعَهُ وَكَانَ هُوَ حُكْمَ اللَّهِ فِي حَقِّهِ ؛ وَلَكِنَّ الصَّحَابَةَ وَالْأَئِمَّةَ الْأَرْبَعَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمْ - وَجُمْهُورَ السَّلَفِ يُطْلِقُونَ لَفْظَ الْخَطَأِ عَلَى غَيْرِ الْعَمْدِ ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إثْمًا كَمَا نَطَقَ بِذَلِكَ الْقُرْآنُ والسُّنَّة فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ فعَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : " إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ " ، هَذَا لَفْظَةُ أَحَدِهِمَا ، وَقَالَ الْآخَرُ : " إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ اثْنَانِ ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ" "(10).

وعَن عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّهُ أَتَاهُ قَوْمٌ فَقَالُوا : إِنَّ رَجُلًا مِنَّا تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا ، وَلَمْ يَجْمَعْهَا إِلَيْهِ حَتَّى مَاتَ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : مَا سُئِلْتُ مُنْذُ فَارَقْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَشَدَّ عَلَيَّ مِن هَذِهِ ، فَأْتُوا غَيْرِي ، فَاخْتَلَفُوا إِلَيْهِ فِيهَا شَهْرًا ، ثُمَّ قَالُوا لَهُ فِي آخِرِ ذَلِكَ : مَن نَسْأَلُ إِنْ لَمْ نَسْأَلْكَ ، وَأَنْتَ مِن جِلَّةِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - بِهَذَا الْبَلَدِ وَلَا نَجِدُ غَيْرَكَ ؟ قَالَ : سَأَقُولُ فِيهَا بِجَهْدِ رَأْيِي ، فَإِنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنهُ بُرَآءُ ، أُرَى أَنْ أَجْعَلَ " لَهَا صَدَاقَ نِسَائِهَا ، لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ ، وَلَهَا الْمِيرَاثُ ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا " ، قَالَ : وَذَلِكَ بِسَمْعِ أُنَاسٍ مَن أَشْجَعَ ، فَقَامُوا فَقَالُوا : " نَشْهَدُ أَنَّكَ قَضَيْتَ بِمَا قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي امْرَأَةٍ مِنَّا يُقَالُ لَهَا : بَرْوَعُ بِنْتُ وَاشِقٍ " قَالَ : " فَمَا رُئِيَ عَبْدُ اللَّهِ فَرِحَ ، فَرْحَةً يَوْمَئِذٍ إِلَّا بِإِسْلَامِهِ "(11).

وعَنْ أَبِي سَلَامَةَ الْحَبِيبِيِّ قَالَ : رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَى حِيَاضًا عَلَيْهَا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّئُونَ جَمِيعًا فَضَرَبَهُمْ بِالدِّرَّةِ ، ثُمَّ قَالَ لِصَاحِبِ الْحَوْضِ : " اجْعَلْ لِلرِّجَالِ حِيَاضًا ، وَلِلنِّسَاءِ حِيَاضًا " ثُمَّ لَقِيَ عَلِيًّا فَقَالَ : " مَا تَرَى ؟ " فَقَالَ : أَرَى إِنَّمَا أَنْتَ رَاعٍ ، فَإِنْ كُنْتَ تَضْرِبُهُمْ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتَ "(12).

وعن الْحَسَنِ قالَ : إِنَّ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنهُ بَلَغَهُ أَنَّ امْرَأَةً بَغِيَّةً يَدْخُلُ عَلَيْهَا الرِّجَالُ فَبَعَثَ إِلَيْهَا رَسُولاً فَأَتَاهَا الرَّسُولُ فَقَالَ : أَجِيبِى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَفَزِعَتْ فَزْعَةً فَوَقَعَتِ الْفَزْعَةُ فِى رَحِمِهَا فَتَحَرَّكَ وَلَدُهَا فَخَرَجَتْ فَأَخَذَهَا الْمَخَاضُ فَأَلْقَتْ غُلاَمًا جَنِينًا فَأُتِى عُمَرُ بِذَلِكَ فَأَرْسَلَ إِلَى الْمُهَاجِرِينَ فَقَصَّ عَلَيْهِمْ أَمْرَهَا فَقَالَ : مَا تَرَوْنَ؟ فَقَالُوا : مَا نَرَى عَلَيْكَ شَيْئًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّمَا أَنْتَ مُعَلِّمٌ وَمُؤَدِّبٌ وَفِى الْقَوْمِ عَلِىٌّ وَعَلِىٌّ سَاكِتٌ قَالَ : فَما تَقُولُ أَنْتَ يَا أَبَا الْحَسَنِ قَالَ : أَقُولُ إِنْ كَانُوا قَارَبُوكَ فِى الْهَوَى فَقَدْ أَثِمُوا وَإِنْ كَانَ هَذَا جُهْدُ رَأْيِهِمْ فَقَدْ أَخْطَئُوا وَأَرَى عَلَيْكَ الدِّيَةَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ : صَدَقْتَ اذْهَبْ فَاقْسِمْهَا عَلَى قَوْمِكَ".(13).

(1) - أخرجه مسلم برقم(6945)

(2) - مجموع الفتاوى - (ج 13 / ص 123) و المحلى (ج 1 / ص 136) فما بعدها

(3) - صحيح البخارى برقم(7352 ) ومسلم برقم(4584 )

(4) - كتاب الكليات ـ لأبى البقاء الكفومى - (ج 1 / ص 665)

(5) - صحيح مسلم برقم(6737 )

(6) - صحيح البخارى برقم(6399 ) وصحيح مسلم برقم(7076 )

(7) - صحيح البخارى برقم(744 ) وصحيح مسلم برقم(1382 )

(8) - أخرجه مسلم برقم(6737 ) وقد مر

(9) - صحيح مسلم برقم(345 )

(10) - أخرجه أبو عوانة في مسند ه برقم(5148 ) صحيح

(11) - سنن النسائى(3371 ) صحيح - الشطط : الجور والظلم والبعد عن الحق -الوكس : الغش والبخس

(12) - الخراج لأبي يوسف [229] وعبد الرزاق ( 241 ) وهو حديث حسن

(13) - السنن الكبرى للبيهقي (ج 6 / ص 123)(12008) وفيه انقطاع

الخلاصة في أحكام الاجتهاد والتقليد · الصفحة ٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في أحكام الاجتهاد والتقليدص ٣٩