تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المبحث الثاني -الْعِلْمِ الْعَامِّ الَّذِي لَا يَسَعُ الْبَالِغَ الْعَاقِلَ جَهْلُهُ

قال البيهقي في المدخل(1):

" قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ : مَثَلُ أَنَّ الصَّلَوَاتِ خَمْسٌ , وَأَنَّ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ , وَحَجَّ الْبَيْتِ إِنِ اسْتَطَاعُوهُ , وَزَكَاةً فِي أَمْوَالِهِمْ , وَأَنَّهُ حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الزِّنَا , وَالْقَتْلَ , وَالسَّرِقَةَ , وَالْخَمْرَ , وَمَا كَانَ فِي مَعْنَى هَذَا , مِمَّا كُلِّفَ الْعِبَادُ أَنْ يَفْعَلُوهُ وَيَعْلَمُوهُ , وَفِي نُسْخَةٍ أُخْرَىْ أَنْ يَعْقِلُوهُ وَيَعْمَلُوهُ وَيُعْطُوهُ مِن أَنْفُسِهِمْ , وَأَمْوَالِهِمْ , وَأَنْ يَكُفُّوا عَنهُ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مِنهُ وَإِنَّمَا أَرَادَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ , بِهَذَا مَا يَجِبُ عَلَيْهِ اعْتِقَادُهُ , وَاعْتَقَدَهُ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ.

عَن يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَيْفِيٍّ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مَعْبَدٍ ، يَقُولُ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : لَمَّا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ : " إِنَّكَ تُقْدِمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ , فَلْيَكُنْ أَوَّلُ مَا تَدْعُوهُمْ أَنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ , فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ , فَإِذَا صَلَّوْا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِن غَنِيِّهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فَقِيرِهِمْ , فَإِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ فَخُذْ مِنهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَلَاءِ , وَأَخْرَجَاهُ مِن وَجْهٍ آخَرَ عَن إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ(2).

وعَن يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ , إِنَّ قَوْمًا يَزْعُمُونَ لَيْسَ قَدَرٌ قَالَ : هَلْ عِنْدَنَا مِنهُمْ أَحَدٌ ؟ قَالَ : قُلْتُ : لَا , قَالَ : فَأَبْلِغْهُمْ عَنِّي إِذَا لَقِيتَهُمْ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ بَرِيءٌ إِلَى اللَّهِ مِنكُمْ وَأَنْتُمْ بَرَاءٌ إِلَى اللَّهِ مِنهُ . سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي أُنَاسٍ , إِذْ جَاءَ رَجُلٌ لَيْسَ عَلَيْهِ سَحْنَاءُ سَفَرٍ , وَلَيْسَ مِنَ الْبَلَدِ يَتَخَطَّى , حَتَّى وَرِكَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , كَمَا يَجْلِسُ أَحَدُنَا فِي الصَّلَاةِ , ثُمَّ وَضَعَ يدَهُ عَلَى رُكْبَتَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ , مَا الْإِسْلَامُ ؟ فَقَالَ : " الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ , وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ , وَأَنْ تُقِيمَ الصَّلَاةَ , وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ , وَتَحُجَّ , وَتَعْتَمِرَ , وَتَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ , وَتُتِمَّ الْوُضُوءَ , وَتَصُومَ رَمَضَانَ " قَالَ : فَإِنْ فَعَلْتُ هَذَا , فَأَنَا مُسْلِمٌ ؟ قَالَ : " نَعَمْ " , قَالَ : صَدَقْتَ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ , مَا الْإِيمَانُ ؟ قَالَ : " الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ , وَتُؤْمِنَ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْمِيزَانِ , وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ , وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ " قَالَ : فَإِنْ فَعَلْتُ هَذَا , فَأَنَا مُؤْمِنٌ ؟ قَالَ : " نَعَمْ " قَالَ : صَدَقْتَ , قَالَ : يَا مُحَمَّدُ , مَا الْإِحْسَانُ ؟ قَالَ : أَنْ تَعْمَلَ لِلَّهِ كَأَنَّكَ تَرَاهُ , فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَرَاهُ , فَإِنَّهُ يَرَاكَ قَالَ : فَإِنْ فَعَلْتُ هَذَا فَأَنَا مُحْسِنٌ ؟ قَالَ : " نَعَمْ " قَالَ : صَدَقْتَ , قَالَ : فَمَتَى السَّاعَةُ ؟ قَالَ : " سُبْحَانَ اللَّهِ , مَا الْمَسْئُولُ بِأَعْلَمَ بِهَا مِنَ السَّائِلِ " قَالَ : " إِنْ شِئْتَ أُنْبِئُكَ بِأَشْرَاطِهَا " قَالَ : أَجَلْ , قَالَ : " إِذَا رَأَيْتَ الْعَالَةَ الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ يتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ , وَكَانُوا مُلُوكًا " قَالَ : مَا الْعَالَةُ الْحُفَاةُ الْعُرَاةُ ؟ قَالَ : " الْغَرِيبُ " . قَالَ : " وَإِذَا رَأَيْتَ الْأَمَةَ تَلِدُ رَبَّهَا وَرَبَّتَهَا , فَذَلِكَ مِن أَشْرَاطِ السَّاعَةِ " قَالَ : صَدَقْتَ , ثُمَّ نَهَضَ فَوَلَّى . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - " عَلَيَّ بِالرَّجُلِ " قَالَ : فَطَلَبْنَاهُ , فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : " هَلْ تَدْرُونَ مَن هَذَا ؟ هَذَا جِبْرِيلُ , أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ فَخُذُوا عَنهُ , فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيدِهِ , مَا شُبِّهَ عَلَيَّ مُنْذُ أَتَانِي قَبْلَ مُدَّتِي , وَمَا عَرَفْتُهُ حَتَّى وَلَّى " رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَن حَجَّاجِ بْنِ الشَّاعِرِ عَن يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ(3)

وعَن أَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيَّ نَصْرَ بْنِ عِمْرَانَ قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : إِنَّ لِي جَرَّةَ نَبِيذٍ , لِي فِيهَا نَبِيذٌ حُلْوٌ , فَإِنْ شَرِبْتُ مِنهُ فَأَطَلْتُ مُجَالَسَةَ الْقَوْمِ , خَشِيتُ أَنْ أُفْتَضَحَ , فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : جَاءَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ : " مَرْحَبًا بِالْوَفْدِ غَيْرَ الْخَزَايَا وَلَا النَّدَامَى " قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ , إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ , وَإِنَّا لَا نَصِلُ إِلَيْكَ إِلَّا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ , فَمُرْنَا بِأَمْرٍ إِذَا عَمِلْنَاهُ دَخَلْنَا الْجَنَّةَ وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَن وَرَاءَنَا قَالَ : فَقَالَ : " آمُرُكُمْ بِالْإِيمَانِ , تَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ ؟ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ , وَتُقِيمُوا الصَّلَاةَ , وَتُؤْتُوا الزَّكَاةَ , وَتَصُومُوا رَمَضَانَ , وَتَحُجُّوا الْبَيْتَ وَأَحْسَبُهُ قَالَ : وَتُؤَدُّوا الْخُمُسَ مِنَ الْمَغَانِمِ وَأَنْهَاكُمْ عَن أَرْبَعٍ : عَنِ الْجَرِّ , وَالدُّبَّاءِ , وَالنَّقِيرِ , وَالْمُزَفَّتِ " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ .(4)

وَإِنَّمَا وَقَعَ النَّهْيُ عَنِ الْأَوْعِيةِ لَمَا يُسْرِعُ فِيهَا الْفَسَادُ , إِلَى مَا يُنْتَبَذُ بِهَا ثُمَّ رُخِّصَ فِي الْأَوْعِيةِ , وَبَقِيَ تَحْرِيمُ الْمُسْكِرِ مِنَ الْأَشْرِبَةِ , كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ , وَالْمَقْصُودُ مِن هَذَا الْخَبَرِ هَهُنَا أَنَّهُ سَمَّى كَلِمَةَ الشَّهَادَةِ وَمَا بَعْدَهَا فِي هَذَا الْخَبَرِ إِيمَانًا , وَسَمَّاهَا فِي الْخَبَرِ الَّذِي قَبْلَهُ إِسْلَامًا , وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ عِبَارَتَانِ عَنِ الدِّينِ الَّذِي أُمِرْنَا بِهِ وَأَنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ تُسَمَّى إِيمَانًا , وَتُسَمَّى إِسْلَامًا , وَبِهِ كَانَ يَقُولُ صَاحِبُنَا الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ وَأَقْرَانُهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمْ .

وعَن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِن أَصْحَابِهِ : " بَايعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا , وَلَا تَسْرِقُوا , وَلَا تَزْنُوا , وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ , وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ , وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ فَمَن وَفَى مِنكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ , وَمَن أَصَابَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ , فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ , وَمَن أَصَابَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا , ثُمَّ سَتَرَهُ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَى عَنهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ " قَالَ : فَبَايعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَن أَبِي الْيمَانِ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِن وَجْهٍ آخَرَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ(5)

وعَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : " لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ , وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ , وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ , وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ " وَعَن أَبِي هُرَيْرَةَ عَن رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , مِثْلُ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ هَذَا , إِلَّا النُّهْبَةَ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ , عَن سَعِيدِ بْنِ عُفَيْرٍ عَنِ اللَّيْثِ , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِن وَجْهٍ آخَرَ(6)

وعَن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : " اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ " قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هِيَ ؟ قَالَ : " الشِّرْكُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَالسِّحْرُ , وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ , وَأَكَلُ الرِّبَا , وَأَكَلُ مَالِ الْيتِيمِ , وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ , وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ , عَن عَبْدِ الْعَزِيزِ الْأُوَيْسِيِّ , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِن وَجْهٍ آخَرَ , عَن سُلَيْمَانَ(7)

وعَن عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ , فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : " أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ الْمُصَلُّونَ , أَلَّا وَإِنَّهُ مِن يُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ يَرَاهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ حَقًّا , وَيُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ احْتِسَابًا , وَيصُومُ رَمَضَانَ , وَيجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ " ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ , وَمَا الْكَبَائِرُ ؟ قَالَ : " تِسْعٌ : أَعْظَمُهَا الشِّرْكُ بِاللَّهِ , وَقَتْلُ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ , وَأَكَلُ الرِّبَا , وَأَكَلُ مَالِ الْيتِيمِ , وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ , وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ , وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ , وَالسِّحْرُ , وَاسْتِحْلَالُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ , مَن لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنهُنَّ كَانَ مَعِي فِي جُنَّةٍ مَصَارِيعُهَا مِن ذَهَبٍ "(8)

وعَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : " اطْلُبُوا الْعِلْمَ وَلَوْ بِالصِّينِ , فَإِنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ " هَذَا حَدِيثٌ مَتْنُهُ مَشْهُورٌ , وَأَسَانِيدُهُ ضَعِيفَةٌ , لَا أَعْرِفُ لَهُ إِسْنَادًا يَثْبُتُ بِمِثْلِهِ الْحَدِيثُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

وقال عَلِيٍّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ الْحَافِظَ: صَحَّ عِنْدِي عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي " طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ " إِسْنَادُهُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ : وَإِنْ صَحَّ , فَإِنَّمَا أَرَادَ - وَ اللَّهُ أَعْلَمُ - الْعِلْمَ الْعَامَّ الَّذِي لَا يَسَعُ الْبَالِغَ الْعَاقِلَ جَهْلُهُ , أَوْ عِلْمَ مَا يَنْوِيهُ خَاصَّةً , أَوْ أَرَادَ أَنَّهُ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حَتَّى يَقُومَ بِهِ مَن فِيهِ الْكِفَايَةُ .

وقال ابْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَجُلٍ مِن أَهْلِ الْجَنَّةِ سَأَلَهُ عَن طَلَبِ الْعِلْمِ فَقَالَ لَهُ : إِنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ يَحْسُنُ , لَكِنِ انْظُرِ الَّذِي يَلْزَمُكَ مِن حِينِ تُصْبِحُ حَتَّى تُمْسِيَ , وَمِن حِينِ تُمْسِي حَتَّى تُصْبِحَ , فَالْزَمْهُ , وَلَا تُؤْثِرَنَّ عَلَيْهِ شَيْئًا.

وقَالَ حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ: سَأَلْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ قُلْتُ : " طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ " أَيُّ شَيْءٍ تَفْسِيرُهُ ؟ قَالَ : لَيْسَ هُوَ الَّذِي يَطْلُبُونَ إِنَّمَا طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ , أَيْ يَقَعُ الرَّجُلُ فِي شَيْءٍ مِن أَمْرِ دِينِهِ , فَيَسْأَلُ عَنهُ حَتَّى يَعْلَمَهُ ".

ــــــــــــــــ

(1) - المدخل إلى السنن الكبرى - (ج 1 / ص 234) باب العلم العام الذي لا يسع البالغ العاقل جهله

(2) - صحيح البخارى(1458،1395 ، 1496 ، 2448 ، 4347 ، 7371 ، 7372 )- الكرائم : جمع كريمة وهى خيار المال وأفضله

(3) - صحيح مسلم(102) - الأُنف : المستأنف الذى لم يسبق به قدر- يتقفر : يطلب ويتتبع ويجمع

(4) - صحيح البخارى(523) ومسلم (124)

(5) - صحيح البخارى(18)

(6) - صحيح البخارى(5578 ) ومسلم (211 )

هَذَا الْحَدِيث مِمَّا اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَعْنَاهُ . فَالْقَوْلُ الصَّحِيحُ الَّذِي قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّ مَعْنَاهُ : لَا يَفْعَل هَذِهِ الْمَعَاصِي وَهُوَ كَامِل الْإِيمَان . وَهَذَا مِنْ الْأَلْفَاظ الَّتِي تُطْلَق عَلَى نَفْيِ الشَّيْء وَيُرَاد نَفْي كَمَالِهِ وَمُخْتَاره كَمَا يُقَال : لَا عِلْم إِلَّا مَا نَفَعَ ، وَلَا مَال إِلَّا الْإِبِل ، وَلَا عَيْش إِلَّا عَيْش الْآخِرَة . وَإِنَّمَا تَأَوَّلْنَاهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ لِحَدِيثِ أَبِي ذَرّ وَغَيْره " مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه دَخَلَ الْجَنَّة وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ " وَحَدِيث عُبَادَةَ بْن الصَّامِت الصَّحِيح الْمَشْهُور أَنَّهُمْ بَايَعُوهُ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى أَنْ لَا يَسْرِقُوا وَلَا يَزْنُوا ، وَلَا يَعْصُوا إِلَى آخِره . ثُمَّ قَالَ لَهُمْ - صلى الله عليه وسلم - " فَمَنْ وَفَّى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّه ، وَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَته ، وَمَنْ فَعَلَ وَلَمْ يُعَاقَب فَهُوَ إِلَى اللَّه تَعَالَى إِنْ شَاءَ عَفَا عَنهُ ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ " فَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ مَعَ نَظَائِرهمَا فِي الصَّحِيح مَعَ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ مَعَ إِجْمَاع أَهْل الْحَقّ عَلَى أَنَّ الزَّانِيَ وَالسَّارِقَ وَالْقَاتِلَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ أَصْحَاب الْكَبَائِر غَيْر الشِّرْك ، لَا يَكْفُرُونَ بِذَلِكَ ، بَلْ هُمْ مُؤْمِنُونَ نَاقِصُو الْإِيمَان . إِنْ تَابُوا سَقَطَتْ عُقُوبَتهمْ ، وَإِنْ مَاتُوا مُصِرِّينَ عَلَى الْكَبَائِر كَانُوا فِي الْمَشِيئَة . فَإِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى عَفَا عَنهُمْ وَأَدْخَلَهُمْ الْجَنَّة أَوَّلًا ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ ، ثُمَّ أَدْخَلَهُمْ الْجَنَّة . وَكُلّ هَذِهِ الْأَدِلَّة تَضْطَرُّنَا إِلَى تَأْوِيل هَذَا الْحَدِيث وَشِبْهِهِ . ثُمَّ إِنَّ هَذَا التَّأْوِيل ظَاهِرٌ سَائِغ فِي اللُّغَة مُسْتَعْمَلٌ فِيهَا كَثِير . وَإِذَا وَرَدَ حَدِيثَانِ مُخْتَلِفَانِ ظَاهِرًا وَجَبَ الْجَمْع بَيْنهمَا . وَقَدْ وَرَدَا هُنَا فَيُجِبْ الْجَمْع وَقَدْ جَمَعْنَا . شرح النووي على مسلم - (ج 1 / ص 148)

(7) - صحيح البخارى(2766 )

(8) - المستدرك للحاكم(197 و7666 ) وهو حديث حسن

الخلاصة في أحكام الاجتهاد والتقليد · الصفحة ٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في أحكام الاجتهاد والتقليدص ٢