وهو الذي ذكره أصحاب ابن خُزَيْمَةَ مما كتبوه له وكانوا كُلاَّبية، فإما أن يكون هذا قول ابن كلاب، أو قول طائفة من أصحابه، وبهذا تستقيم لهم هذه الحجة، وإلا فمن سلم أنه صار فاعلاً بعد أن لم يكن، كانت هذه الحجة منتقضة على أصله، وقال منازعوه : الكلام في مقاله كالكلام في فعاله .
والقول بأن الخلق غير المخلوق، وأنه فعل يقوم بالرب، هو قول أكثر المسلمين، هو قول الحنفية وأكثر الحنبلية، وإليه رجع القاضي أبو يعلى أخيرًا، وهو الذي حكاه البغوي عن أهل السنة، وهو الذي ذكره أبو بكر الكلاباذي عن الصوفية، وذكره في كتاب [ التعرف لمذهب التصوف ] ، وهو الذي ذكره البخاري في كتاب [ أفعال العباد ] إجماعًا من العلماء، وهو الذي ذكره ابن عبد البر وغيره عن أهل السنة .
لكن الفعل : هل هو شيء واحد قديم كالإرادة ؟ أو هو حادث بذاته ؟ أو هو نوع لم يزل متصفًا به ؟
فيه ثلاثة أقوال للمسلمين، وكلهم متفقون على أن كل ما سوى الله مُحْدَث مخلوق، كما تواتر ذلك عن الأنبياء ودلت عليه الدلائل العقلية، والقول بأن مع الله شيئًا قديمًا تقدمه من مفعولاته كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة باطل عقلاً وشرعًا، كما قد بسط في مواضع .
فإن قيل : إذا قلتم : لم يزل متكلمًا بمشيئته لزم وجود كلام لا ابتداء له، وإذا لم يزل متكلمًا وجب ألاَّ يزال كذلك، فيكون متكلمًا بكلام لا نهاية له،وذلك يستلزم وجود ما لا يتناهى من الحوادث،فإن كل كلمة مسبوقة بأخرى فهي حادثة، ووجود ما لا يتناهى محال .
قيل له : هذا الاستلزام حق، وبذلك يقولون : إن كلمات الله لا نهاية لها، كما قال تعالى : ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾ [ الكهف : 109 ] .