وقد افترق الناس في هذا المقام أربع فرق :
فالجهمية النفاة الذين يقولون : ليس داخل العالم، ولا خارج العالم، ولا فوق، ولا تحت، لا يقولون بعلوه ولا بفوقيته، بل الجميع عندهم متأول أو مفوض .
وجميع أهل البدع قد يتمسكون بنصوص : كالخوارج، والشيعة، والقدرية، والرافضة، والمرجئة، وغيرهم، إلا الجهمية فإنهم ليس معهم عن الأنبياء كلمة واحدة توافق ما يقولونه من النفي؛ ولهذا قال ابن المبارك ويوسف بن أسباط : إن الجهمية خارجون عن الثلاث والسبعين فرقة، وهذا أحد الوجهين لأصحاب أحمد، ذكرهما أبو عبد اللّه بن حامد وغيره .
وقسم ثان يقولون : إنه بذاته في كل مكان، كما يقوله النجارية، وكثير من الجهمية عبادهم، وصوفيتهم، وعوامهم يقولون : إنه عين وجود المخلوقات، كما يقوله [ أهل الوحدة ] ، القائلون بأن الوجود واحد ومن يكون قوله مركبًا من الحلول والاتحاد، وهم يحتجون بنصوص [ المعية والقرب ] ؛ ويتأولون نصوص [ العلو، والاستواء ] .
وكل نص يحتجون به حجة عليهم؛ فإن المعية أكثرها خاصة بأنبيائه وأوليائه، وعندهم أنه في كل مكان .
وفي النصوص ما يبين نقيض قولهم؛ فإنه قال : ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [ الحديد : 1 ] ، فكل من في السموات والأرض يسبح والمسبح غير المسبح، ثم قال : ﴿ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [ الحديد : 2 ] ، فبين أن الملك له، ثم قال : ﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [ الحديد : 3 ] .