وَاجِبَاتُ الْحَجّ
الْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ فِيهَا
وَقْتُ الْمَبِيتِ بِالْمُزْدَلِفَة
(خ م ت حم)، وَفِي صِفَةِ حَجِّهِ - ﷺ -: قَالَ جَابِرٌ - رضي الله عنه -: (ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ (١) وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ (٢» (٣) (فَقَالَ: هَذِهِ عَرَفَةُ، وَهُوَ الْمَوْقِفُ، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ) (٤) (وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ) (٥) (فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتْ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حِينَ غَابَ الْقُرْصُ (٦» (٧) (وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ - رضي الله عنه - خَلْفَهُ (٨) فَدَفَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَقَدْ شَنَقَ (٩) لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ، حَتَّى إِنَّ رَأسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ (١٠) رَحْلِهِ) (١١) وفي رواية: (كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ (١٢) فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً (١٣) نَصَّ (١٤» (١٥) (فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ [فَأَنَاخَ] (١٦) فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ (١٧) ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ "، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ) (١٨) (وَلَمْ يَحُلُّوا " حَتَّى أَقَامَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، فَصَلَّى ") (١٩) (ثُمَّ حَلَّ النَّاسُ فَنَزَلُوا) (٢٠) قَالَ جَابِرٌ: (فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ (٢١) وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا (٢٢) ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ ") (٢٣)
(١) (حَبْل الْمُشَاة) أَيْ مُجْتَمَعهمْ، وَ(حَبْل الرَّمل) مَا طَالَ مِنْهُ وَضَخُمَ، وَأَمَّا بِالْجِيمِ فَمَعْنَاهُ طَرِيقهمْ وَحَيْثُ تَسْلُك الرَّجَّالَة. شرح النووي على مسلم - (ج ٤ / ص ٣١٢)
(٢) قال الألباني في حجة النبي ص٧٣: وجاء في غير حديث أنه - ﷺ - وقف يدعو رافعا يديه، ومن السنة أيضا التلبية في موقفه على عرفة، خلافا لما ذكره شيخ الإسلام في منسكه (ص ٣٨٣)، فقد قال سعيد بن جبير: كنا مع ابن عباس بعرفة، فقال لي: يا سعيد ما لي لا أسمع الناس يُلَبُّون؟، فقلت: يخافون من معاوية، فخرج ابن عباس من فسطاطه فقال: لبيك اللهم لبيك، فإنهم قد تركوا السنة من بغض علي. أخرجه الحاكم (١/ ٤٦٤ - ٤٦٥) والبيهقي (٥/ ١١٣).
ثم روى الطبراني في " الأوسط " (١/ ١١٥ / ٢) والحاكم من طريق أخرى عن ابن عباس " أن رسول الله - ﷺ - وقف بعرفات فلما قال: لبيك اللهم لبيك قال: إنما الخير خير الآخرة ". وسنده حسن، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
وفي الباب عن ميمونة زوج النبي ﷺ من فِعْلِها. أخرجه البيهقي. أ. هـ
(٣) (م) ١٤٧ - (١٢١٨)، (د) ١٩٠٥، (جة) ٣٠٧٤
(٤) (ت) ٨٨٥، (س) ٣٠١٥
(٥) (جة) ٣٠١٢، (حم) ١٦٧٩٧، (ط) ٨٦٩، (عب في تفسيره) ٢٢٩
(٦) فِي هَذَا الْفَصْل مَسَائِل وَآدَاب لِلْوُقُوفِ مِنْهَا: أَنَّهُ إِذَا فَرَغَ مِنْ الصَّلَاتَيْنِ عَجَّلَ الذَّهَاب إِلَى الْمَوْقِف، وَمِنْهَا أَنَّ الْوُقُوف رَاكِبًا أَفْضَل، وَفِيهِ خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء، وَفِي مَذْهَبنَا ثَلَاثَةُ أَقْوَال أَصَحّهَا أَنَّ الْوُقُوف رَاكِبًا أَفْضَل، وَالثَّانِي: غَيْر الرَّاكِب أَفْضَل، وَالثَّالِث: هُمَا سَوَاء.
وَمِنْهَا أَنَّهُ يُسْتَحَبّ أَنْ يَقِف عِنْد الصَّخَرَات الْمَذْكُورَات، وَهِيَ صَخَرَات مُفْتَرِشَات فِي أَسْفَل جَبَل الرَّحْمَة، وَهُوَ الْجَبَل الَّذِي بِوَسَطِ أَرْض عَرَفَات، فَهَذَا هُوَ الْمَوْقِف الْمُسْتَحَبّ، وَأَمَّا مَا اُشْتُهِرَ بَيْن الْعَوَامّ مِنْ الِاعْتِنَاء بِصُعُودِ الْجَبَل وَتَوَهُّمهمْ أَنَّهُ لَا يَصِحّ الْوُقُوف إِلَّا فِيهِ فَغَلَط، بَلْ الصَّوَاب جَوَاز الْوُقُوف فِي كُلّ جُزْء مِنْ أَرْض عَرَفَات، وَأَنَّ الْفَضِيلَة فِي مَوْقِف رَسُول الله - ﷺ - عِنْد الصَّخَرَات، فَإِنْ عَجَزَ فَلْيَقْرَبْ مِنْهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَان، وَمِنْهَا اِسْتِحْبَاب اِسْتِقْبَال الْكَعْبَة فِي الْوُقُوف، وَمِنْهَا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَبْقَى فِي الْوُقُوف حَتَّى تَغْرُب الشَّمْس وَيَتَحَقَّق كَمَال غُرُوبهَا، ثُمَّ يُفِيض إِلَى مُزْدَلِفَة، فَلَوْ أَفَاضَ قَبْل غُرُوب الشَّمْس صَحَّ وُقُوفه وَحَجّه، وَيُجْبَر ذَلِكَ بِدَمٍ.
وَهَلْ الدَّم وَاجِب أَمْ مُسْتَحَبّ فِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ أَصَحّهمَا أَنَّهُ سُنَّة، وَالثَّانِي وَاجِب، وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الْجَمْع بَيْن اللَّيْل وَالنَّهَار وَاجِب عَلَى مَنْ وَقَفَ بِالنَّهَارِ أَمْ لَا. وَفِيهِ قَوْلَانِ أَصَحّهمَا سُنَّة، وَالثَّانِي وَاجِب.
وَأَمَّا وَقْت الْوُقُوف فَهُوَ مَا بَيْن زَوَال الشَّمْس يَوْم عَرَفَة وَطُلُوع الْفَجْر الثَّانِي يَوْم النَّحْر، فَمَنْ حَصَلَ بِعَرَفَاتٍ فِي جُزْء مِنْ هَذَا الزَّمَان صَحَّ وُقُوفه، وَمَنْ فَاتَهُ ذَلِكَ فَاتَهُ الْحَجّ. هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء،
وَقَالَ مَالِك: لَا يَصِحّ الْوُقُوف فِي النَّهَار مُنْفَرِدًا، بَلْ لَا بُدّ مِنْ اللَّيْل وَحْده، فَإِنْ اِقْتَصَرَ عَلَى اللَّيْل كَفَاهُ وَإِنْ اِقْتَصَرَ عَلَى النَّهَار لَمْ يَصِحّ وُقُوفه، وَقَالَ أَحْمَد: يَدْخُل وَقْت الْوُقُوف مِنْ الْفَجْر يَوْم عَرَفَة، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ أَصْل الْوُقُوف رُكْن لَا يَصِحّ الْحَجّ إِلَّا بِهِ وَالله أَعْلَم. شرح النووي على مسلم - (ج ٤ / ص ٣١٢)
(٧) (د) ١٩٠٥، (م) ١٤٧ - (١٢١٨)، (جة) ٣٠٧٤
(٨) فِيهِ جَوَاز الْإِرْدَاف إِذَا كَانَتْ الدَّابَّة مُطِيقَة، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَحَادِيث. شرح النووي على مسلم
(٩) (شَنَقَ) ضَمّ وَضَيَّقَ.
(١٠) قَالَ أَبُو عُبَيْد: الْمَوْرِك: هُوَ الْمَوْضِع الَّذِي يَثْنِي الرَّاكِب رِجْله عَلَيْهِ قُدَّام وَاسِطَة الرَّحْل إِذَا مَلَّ مِنْ الرُّكُوب.
(١١) (جة) ٣٠٧٤، (م) ١٤٧ - (١٢١٨)، (د) ١٩٠٥
(١٢) العَنَق: التوسط في السير مع الميل إلى الإسراع.
(١٣) الفجوة: الموضع المتسع بين شيئين.
(١٤) قَالَ هِشَامٌ: النَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ. (خ) ١٥٨٣
(١٥) (خ) ١٥٨٣، (م) ٢٨٣ - (١٢٨٦)، (س) ٣٠٢٣، (د) ١٩٢٣
(١٦) (س) ٣٠٣١
(١٧) الْإِسْبَاغ فِي اللُّغَة: الْإِتْمَام، وَمِنْهُ دِرْع سَابِغ. فتح الباري (ح١٣٩)
(فَائِدَة): الْمَاء الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ - ﷺ - لَيْلَتئِذٍ كَانَ مِنْ مَاء زَمْزَم، أَخْرَجَهُ عَبْد الله بْن أَحْمَد بْن حَنْبَل فِي زِيَادَات مُسْنَد أَبِيهِ بِإِسْنَادٍ حَسَن مِنْ حَدِيث عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب، فَيُسْتَفَاد مِنْهُ الرَّدّ عَلَى مَنْ مَنَعَ اِسْتِعْمَال مَاء زَمْزَم لِغَيْرِ الشُّرْب. فتح الباري (ح١٣٩)
(١٨) (خ) ١٣٩، (م) ٢٧٦ - (١٢٨٠)، (س) ٦٠٩، (د) ١٩٢١
(١٩) (خ) ١٣٩، (م) ٢٧٦ - (١٢٨٠)، (س) ٣٠٣١، (د) ١٩٢١
(٢٠) (س) ٣٠٣١، (د) ١٩٢١
(٢١) قال الألباني في حجة النبي ص٧٥: هذا هو الصحيح، فما في بعض المذاهب أنه يُقيم إقامة واحدة خلاف السنة، وإن ورد ذلك في بعض الطرق فإنه شاذ. أ. هـ
(٢٢) السُّنَّة لِلدَّافِعِ مِنْ عَرَفَات أَنْ يُؤَخِّر الْمَغْرِب إِلَى وَقْت الْعِشَاء، وَيَكُون هَذَا التَّأخِير بِنِيَّةِ الْجَمْع، ثُمَّ يَجْمَع بَيْنهمَا فِي الْمُزْدَلِفَة فِي وَقْت الْعِشَاء، وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ.
وقَوْله: (لَمْ يُسَبِّح بَيْنهمَا) فَمَعْنَاهُ لَمْ يُصَلِّ بَيْنهمَا نَافِلَة، وَالنَّافِلَة تُسَمَّى سُبْحَة لِاشْتِمَالِهَا عَلَى التَّسْبِيح، فَفِيهِ الْمُوَالَاة بَيْن الصَّلَاتَيْنِ الْمَجْمُوعَتَيْنِ، وَلَا خِلَاف فِي هَذَا، لَكِنْ اِخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ شَرْط لِلْجَمْعِ أَمْ لَا؟، وَالصَّحِيح عِنْدنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، بَلْ هُوَ سُنَّة مُسْتَحَبَّة، وَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا: هُوَ شَرْط،
أَمَّا إِذَا جَمَعَ بَيْنهمَا فِي وَقْت الْأُولَى، فَالْمُوَالَاة شَرْطٌ بِلَا خِلَاف. شرح النووي على مسلم - (ج ٤ / ص ٣١٢)
(٢٣) (جة) ٣٠٧٤، (خ) ١٥٨٨، (م) ١٤٧ - (١٢١٨)، (د) ١٩٠٥