(م ت جة حم)، وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: (" كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ "، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ وَأَهْلُهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَخَافُ عَلَيْنَا وَقَدْ آمَنَّا بِكَ) (١) (وَصَدَّقْنَاكَ بِمَا جِئْتَ بِهِ (٢)؟) (٣) (قَالَ: " نَعَمْ) (٤) (إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ) (٥) (يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ) (٦) (- وَأَشَارَ الَأَعْمَشُ بِإِصْبَعَيْهِ -) (٧) (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ، اصْرِفْ قُلُوبَنَا إِلَى طَاعَتِكَ ") (٨)
الشرح (٩)
(١) (حم) ١٣٧٢١، (ت) ٢١٤٠
(٢) أَيْ أَنَّ قَوْلَك هَذَا لَيْسَ لِنَفْسِك، لِأَنَّك فِي عِصْمَةٍ مِنْ الْخَطَأِ وَالزَّلَّةِ، خُصُوصًا مِنْ تَقَلُّبِ الْقَلْبِ عَنْ الدِّينِ وَالْمِلَّةِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ تَعْلِيمُ الْأُمَّةِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا مِنْ زَوَالِ نِعْمَةِ الْإِيمَانِ؟، أَوْ الِانْتِقَالِ مِنْ الْكَمَالِ إِلَى النُّقْصَانِ؟.تحفة (٥/ ٤٢٨)
(٣) (جة) ٣٨٣٤
(٤) (ت) ٢١٤٠
(٥) (م) ٢٦٥٤
(٦) (ت) ٢١٤٠
(٧) (جة) ٣٨٣٤
(٨) (حم) ٦٥٦٩، (م) ٢٦٥٤
(٩) فِي الْحَدِيث دَلَالَة عَلَى أَنَّ أَعْمَالَ الْقَلْبِ مِنْ الْإِرَادَات، وَالدَّوَاعِي، وَسَائِر الْأَعْرَاضِ بِخَلْقِ الله تَعَالَى.
قَالَ الرَّاغِب: تَقْلِيبُ اللهِ الْقُلُوبَ وَالْأَبْصَار: صَرْفهَا عَنْ رَأيٍ إِلَى رَأيٍ، وَالتَّقَلُّبُ التَّصَرُّف، قَالَ تَعَالَى ﴿أَوْ يَأخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ قَالَ: وَسُمِّيَ قَلْبُ الْإِنْسَانِ لِكَثْرَةِ تَقَلُّبِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ: الْقَلْب جُزْء مِنْ الْبَدَن، خَلَقَهُ الله، وَجَعَلَهُ لِلْإِنْسَانِ مَحَلّ الْعِلْم وَالْكَلَام، وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الصِّفَات الْبَاطِنَة، وَجَعَلَ ظَاهِر الْبَدَن مَحَلَّ التَّصَرُّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ وَالْقَوْلِيَّةِ، وَوَكَّلَ بِهَا مَلَكًا يَأمُر بِالْخَيْرِ، وَشَيْطَانًا يَأمُر بِالشَّرِّ، فَالْعَقْل بِنُورِهِ يَهْدِيهِ، وَالْهَوَى بِظُلْمَتِهِ يُغْوِيهِ، وَالْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ مُسَيْطِرٌ عَلَى الْكُلِّ، وَالْقَلْبُ يَتَقَلَّبُ بَيْن الْخَوَاطِر الْحَسَنَة وَالسَّيِّئَة، وَاللَّمَّة مِنْ الْمَلَك تَارَةً وَمِنْ الشَّيْطَان أُخْرَى، وَالْمَحْفُوظُ مَنْ حَفِظَهُ اللهُ تَعَالَى. فتح الباري (١٨/ ٤٨٣)
وَمَعْنَى قَوْله تعالى ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ﴾ أَيْ: نُصَرِّفُهَا بِمَا شِئْنَا، كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره، وَقَالَ الْمُعْتَزِلِيّ: مَعْنَاهُ نَطْبَعُ عَلَيْهَا فَلَا يُؤْمِنُونَ، وَالطَّبْع عِنْدهمْ: التَّرْك، فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا: " نَتْرُكُهُمْ وَمَا اخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ ".
وَلَيْسَ هَذَا مَعْنَى التَّقْلِيب فِي لُغَة الْعَرَب؛ وَلِأَنَّ اللهَ تَمَدَّحَ بِالِانْفِرَادِ بِذَلِكَ، وَلَا مُشَارَكَة لَهُ فِيهِ، فَلَا يَصِحُّ تَفْسِيرُ الطَّبْع بِالتَّرْكِ، فَالطَّبْعُ عِنْد أَهْل السُّنَّة: خَلْقُ الْكُفْرِ فِي قَلْبِ الْكَافِرِ، وَاسْتِمْرَارُهُ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ يَمُوت.
فَمَعْنَى الْحَدِيث: أَنَّ الله يَتَصَرَّف فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ بِمَا شَاءَ، لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا، وَلَا تَفُوتُهُ إِرَادَة.
وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: فِي نِسْبَة تَقَلُّب الْقُلُوبِ إِلَى الله إِشْعَار بِأَنَّهُ يَتَوَلَّى قُلُوبَ عِبَاِده وَلَا يَكِلُهَا إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِه، وَفِي دُعَائِهِ - ﷺ - " يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِك " إِشَارَةٌ إِلَى شُمُولِ ذَلِكَ لِلْعِبَادِ، حَتَّى الْأَنْبِيَاء، وَرَفْعِ تَوَهُّمِ مَنْ يَتَوَهَّم أَنَّهُمْ يُسْتَثْنَوْنَ مِنْ ذَلِكَ، وَخَصَّ نَفْسَهُ بِالذِّكْرِ إِعْلَامًا بِأَنَّ نَفْسَهُ الزَّكِيَّةَ إِذَا كَانَتْ مُفْتَقِرَةً إِلَى أَنْ تَلْجَأ إِلَى اللهِ سُبْحَانه، فَافْتِقَارُ غَيْرِهَا مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ أَحَقُّ بِذَلِكَ. فتح الباري (ج ٢٠ / ص ٤٦٤)