ـ مما سبق يتبين ماذا يعني أن يكون هناك رسول من عند الله إلى الناس فتشعر بوجود صلة محسوسة تربط بين الناس وبين الله فتشعر بمَنْ أرسله إليك فتخضع له وتخضع لأمره.
ـ إن الإحساس بقدر الرسول يقتضي مرحلتين: مرحلة نزلت فيها رسالة الله من فوق سبع سماوات من عند الله إلى الكرة الأرضية تلك الهباءة الضئيلة في الفضاء وذلك بواسطة أمين الوحي جبريل فهو رسول سمع ما قاله الله له ثم نقله ونزل به إلى أن وصل إلى الأرض، والمرحلة الثانية أن يستقبل هذه الرسالة واحد من البشر هو الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لينقله إلى باقي البشر.
ـ الإحساس بقدر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحبه:
ـ الرسول يأخذ قدره من قدر من أرسله، ويأخذ حبه من حب مَنْ أرسله، فإذا جاءك من حبيب فأنت تحبه وتكرمه وتحتفي به، وإذا جاءك من عدو فأنت تكرهه، والرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جاءك من عند مَنْ تحب، فهو ليس رسولا يأتيك برسالة من أي شخص في الدنيا ولو كان ملكا، إنه يأتيك برسالة من عند ملك الملوك، ولابد أن تعرف قدر الله سبحانه وعظمته وقدرته أولا فتشعر بعظمة الرسول ليس لذاته ولكن لكونه رسولا للعظيم سبحانه.
ـ نعمة الإسلام هي أحب إليك من نعمة المال والولد والزوجة وأحب إليك من نفسك، لأن بالإسلام تعرف الله وبه تدخل الجنة وما فيها من النعيم الذي لا ينفد، وبالتالي من أرشدك إلى الإسلام هو أحب إليك من نفسك ومالك وولدك، ومن يعرف نعمة الإسلام هو الذي يحب الإسلام ويحب من أرشده إليه أكثر مما يحب نفسه وولده، فإن الذي يدلك على طريق الكنز أو ينبهك من خطر يهلكك ويدلك على طريق النجاة منه فكأنما هو يعطيك هذا الكنز أو كأنما هو ينجيك من هذا الخطر لأنه إذا لم يدلك على طريق الكنز لم تحصل عليه وإذا لم ينبهك للخطر ويدلك على طريق الهرب والمفر منه وقعت في هذا الخطر، كما أنك تحب الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الله لأنه أفضل الناس إيمانا، بالإضافة إلى فضل الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليك وعلي الأمة أنه أرشد الأمة إلى طريق الحق، كما أنه الشفيع ... إلخ، فأنت تحبه حتى يكون أحب أليك من نفسك ومالك ففي الحديث: ((لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ وَأَهْلِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)) (1)، وفي حديث آخر (( .. كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم وَهْوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ إِلاَّ مِنْ نَفْسِى. فَقَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم: لاَ وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ فَإِنَّهُ الآنَ وَاللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ نَفْسِى، فَقَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم: الآنَ يَا عُمَرُ)) (2).
ـ لا يتحقق الإيمان حتى يتحقق الشعور بحب الله تعالى، ولا يتحقق الإيمان حتى يكون حب الله تعالى أكبر من حب كل شيء، ومن كمال الإيمان الواجب ألا يحب غير الله وحده فإذا أحب شيئا أحبه في الله تعالى إلا ما هو خارج عن الإرادة من فطرة الإنسان، ولا يتحقق الإيمان حتى يتحقق الشعور بحب الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الله وليس لذاته، ومن كمال الإيمان الواجب أن تكون محبة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكبر من محبة النفس والمال وجميع الناس.
ـ فهناك ثلاثة أمور هي: عدم وجود أصل الإيمان وهذ نفاق أكبر، أو عدم وجود كمال الإيمان الواجب وهذه هي المعاصي، أو عدم وجود كمال الإيمان المستحب أي عدم وجود النوافل والمستحبات.
ـ إن مغالاة بعض الناس في حب الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتقديره خطر عظيم، ولكن الأخطر أن الكثير لا تجد عندهم شعور حقيقي بحب الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتقديره، وإن كانوا على اقتناع نظري تام بقدر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ـ إن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليس مجرد مرسال أو ناقل لتوصيل القرآن وإن كان في ذلك شرف كبير ومنزلة كبيرة للرسول توجب محبته، فإن حياة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نفسها هي رسالة مثل أن القرآن رسالة، فالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مشرع وعبارة عن رسالة عملية إلى الناس ولكن في صورة بشر ولم ينزل الله ملكا حتى يكون الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نموذج عملي بشري تطبيقي بلغة الناس ولسان الناس وإمكانياتهم، وهذا يعني حبه وتقديره مثل حب وتقدير رسالة القرآن لأنهما رسالتان من الله العظيم ((قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ)) (3)، ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً)) (4)، ((فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) (5).
ـ أثر اليقين الحقيقي بالرسل:
(1) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن النسائي ج: 8، ص: 115، برقم: 5014)
(2) رواه البخاري (6714)
(3) المائدة: من الآية 15
(4) النساء: 174
(5) الأعراف: من الآية 157